Top
Image Alt

مواقف المأموم من الإمام

  /  مواقف المأموم من الإمام

مواقف المأموم من الإمام

أما عن مقام المأموم من الإمام: فقد قال ابن رشد: “إنّ تحته خمس مسائل:

المسألة الأولى: مقام المأموم من الإمام:

يعني: أين يقف المأموم من الإمام؟ هل يقف إلى جواره؟ هل يقف خلْفه؟ هل يقف عن يمينه؟ هل يقف عن يساره؟ هذا هو المقصود بهذه المسألة: مقام المأموم من الإمام. وسواء كان رجلًا أو امرأة.

أ. ما قاله ابن رشد:

إنَّ ابن رشد يعالج هذه القضية: مقام المأموم من الإمام، تحت هذه المسألة. يقول-رحمه الله-:

“اتفق جمهور العلماء على: أن سُنَّةَ الواحد المنفرد -يعني: المصلِّي الواحد المنفرد خلف إمام واحد. أن يقوم عن يمين الإمام؛ لثبوت ذلك من حديث ابن عباس وغيره. وأنهم إن كانوا ثلاثة سِوى الإمام، قاموا وراءه”.

إذًا، هناك اتفاق على موضعيْن: إذا كان المصلِّي واحدًا خلف الإمام، فالسُّنّة أن يقوم عن يمين الإمام. وإن كانوا ثلاثة، فالسُّنّة أن يقفوا خلْفه.

أما موضع الاختلاف: ففيما إذا كان المصلِّي اثنيْن سوى الإمام، هل يقفان إلى جانبيْه؟ أو يقفان وراءه؟ يقول ابن رشد: “اختلفوا إذا كانا اثنيْن سوى الإمام.

  • فذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى: أنهما يقومان خلْف الإمام.
  • وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والكوفيون: بل يقوم الإمام بينهما. أي: يكون أحدهما عن يمينه، وأحدهما عن يساره.

المسألة الثانية: صلاة الشخص خلْف الصّفِّ وحده:

لو أن شخصًا وجد جماعة، والجماعة فيها صف خلف الإمام، فأنشأ ذلك المأموم وحده صفًّا لنفسه وصلّى، هل تكون صلاته صحيحة أو غير صحيحة؟ صلاة الشخص خلف الصف وحده:

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد: “أجمع العلماء على: أنَّ الصفَّ الأول مرغَّب فيه. وكذلك تراصّ الصفوف، وتسويتها؛ لثبوت الأمر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأوّل، ثم لم يجدوا إلَّا أن يَسْتهِموا عليه -أي: يقترعوا لاسْتهَموا))، متفق عليه. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أقيموا صفوفكم، وتراصّوا؛ فإني أراكم من وراء ظهري))، رواه البخاري.

ثم يقول: “واختلفوا إذا صلى إنسان خلف الصّفّ وحْده:

فالجمهور على: أنّ صلاته صحيحة، وتُجزئ، وإن كان ذلك مكروهًا، لكنها صحيحة ومجزئة.

وقال أحمد، وأبو ثور، وجماعة: صلاته فاسدة، إن ركع الإمام وهو وحده.

المسألةالثالثة: الإسراع إلى الصلاة:

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد: اختلف الصدر الأوّل -أي: من الصحابة رضي الله عنهم في الرجُل يريد الصلاة، فيسمع الإقامة، هل يُسرع المشي إلى المسجد؛ مخافة أن يفوته جزء من الصلاة؟ أم لا يسرع؟ تلك هي المسألة.

رُوي عن عمرو، وابن مسعود: أنهم كانوا يسرعون المشي إذا سمعوا الإقامة. إذًا هذا وارد. ورُوي عن زيد بن ثابت، وأبي ذر، وغيرهم من الصحابة: أنهم كانوا لا يرَوْن السعي -أي: الإسراع بالمشي-، بل أن تُؤتى الصلاة بوقار، وسَكينة، وهدوء، وطمأنينة. وبهذا القول قال فقهاء الأمصار، لحديث أبي هريرة الثابت، الذي رواه الجماعة: ((إذا ثُوِّب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسْعَوْن، وأْتوها وعليكمُ السَّكينة)).

إذًا، نحن أمام قوليْن:

القول الأوّل: يدعو إلى الإسراع، إسراع الخطوات والمشي إلى المسجد، مخافة أن يفوت المصلِّي شيء من الصلاة، ما دام قد سمع الإقامة.

القول الثاني: أنهم كانوا لا يرَوْن الإسراع، بل على المصلِّي أو الذاهب للصلاة أن يأتيها بوقار وسَكينة. وهذا هو الراجح عند فقهاء الأمصار.

المسألة الرابعة: متى ينهض المأموم للصلاة؟

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد -رحمه الله- تحت عنوان: المسألة الرابعة: متى ينهض للصلاة؟ متى يُستحب أن يقام إلى الصلاة؟

يحكي أنّ العلماء اختلفوا في هذه القضية:

“فبعضهم استحسن البدءَ في أوّل الإقامة، على الأصل في الترغيب في المسارعة. يعني: بمجرَّد أن يستمع الحاضرون في المسجد إلى المؤذِّن يؤذِّن أذانَ الإقامة، قاموا بناء على الأصل الذي يدعو ويرغِّب في المسارعة، كقوله سبحانه وتعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133]، أو قوله: { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [المائدة: 48].

وبعض العلماء قالوا: لا يقوم الجالس إلَّا عند قول المؤذِّن: “قد قامت الصلاة”.

وبعضهم قال: لا يقوم المصلِّي إلَّا عند قول المؤذِّن: “حيَّ على الفلاح”.

وبعضهم قال: لا يقوم الجالسون حتى يرَوا الإمام.

وبعضهم لم يحدَّ في ذلك حدًّا. يعني: لم يقل: منذ بدء الأذان، ولا عند “قد قامت”، ولا عند “حيَّ على الصلاة”، ولا بعد انتهاء المؤذِّن، ولا عند رؤية الإمام؛ لم يضع حدًّا لذلك، كالإمام مالك  رضي الله عنه؛ فإنه وكَل ذلك إلى قَدْر طاقة الناس.

يقول ابن رشد في التعقيب على هذه الأقوال: “وليس في هذا شرعٌ مسموعٌ”، يعني: ليس هناك روايات أو آثار رُويت للتنبيه على متى يقوم؟ أو متى ينهض الجالس للصلاة؟ إلَّا حديث أبي قتادة الذي رواه الجماعة: أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أُقيمت الصلاة، فلا تَقوموا حتى تَرَوْني))، زاد مسلم: ((حتى تَروْني قد خرجتُ)). فإن صحَّ هذا الحديث، وجب العمل به. أي: لا يُسنُّ للجالس أن يقوم ويستعدَّ للصلاة، أو يقف في الصفِّ، إلَّا إذا رأى الإمام. وإذا لم يصحَّ الحديث، فتبقى المسألة محلَّ خلاف واجتهاد، وتكون قائمة على أصلها، وإلَّا فالمسألة باقية على أصلها المعفوِّ عنه. أي: ما دام ليس فيها شرع، ولا سُنّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهي على الأصل في العفو، والتساهل، والتسامح.

يصحّ أن يقوم المصلِّي عند قول المؤذِّن: “الله أكبر”، أو عند قوله: “أشهد أن لا إله إلَّا الله”، أو عند قوله: “أشهد أنّ محمدًا رسول الله”، أو عند قوله: “حيّ على الصلاة”، أو “حيّ على الفلاح”، أو “قد قامت الصلاة”، أو لا يقوم حتى ينتهي المؤذِّن من أذان الإقامة، أو لا يقوم حتى يرى الإمام قد دخل. وأنه متى قام كلٌّ فحسنٌ. يعني: من قام في البداية، فهو حسنٌ. ومن قام في النهاية، فهو حسنٌ. ومن قام في الوسط، فهو حسنٌ. وهذا من ابن رشد كلام طيِّب وجميل.

المسألة الخامسة: الاقتداء بالإمام قبل الوصول إليه:

أ. ما قاله ابن رشد:

تحت مسألة: اقتداء المأموم بالإمام قبل أن يصل إليه -أي: بمجرّد أن يدخل المسجد؛ ليدرك الإمام أو نحو ذلك- يحكي ابن رشد اختلاف العلماء في هذه القضية، فيقول:

“ذهب مالك وكثير من العلماء إلى: أنّ الداخل وراء الإمام إذا خاف فوات الركعة بأن يرفع الإمام رأسه منها إن تمادى -أي: تأخّر المأموم- حتى يصل إلى الصف الأول، أنّ له أن يركع دون الصف الأوّل، ثم يدبّ راكعًا -أي: يمشي وهو راكع- لِيدرك الصف.

وكَرِه ذلك الشافعي  رضي الله عنه.

وفرَّق أبو حنيفة -رحمه الله- بين الجماعة والواحد، فكرهَه للواحد، وأجازه للجماعة.

وما ذهب إليه مالك من جواز الاقتداء قبل الوصول إلى الصف خوفًا من فوات الركعة، مرويّ عن زيد بن ثابت، وابن مسعود رضي الله عنهم.

الفصل الرابع من فصول صلاة الجماعة:

المسألة الأولى: في معرفة ما يجب على المأموم أن يتْبع فيه الإمام:

أ. ما قاله ابن رشد:

وتحت هذا العنوان يقول ابن رشد -رحمه الله-: “إنّ العلماء أجمعوا على: أنه يجب على المأموم أن يَتبع الإمام في جميع أقواله وأفعاله، إلَّا في قوله: “سمع الله لمن حمده”، وفي جلوسه إذا صلّى جالسًا لمرض، عند من أجاز إمامة الجالس. يعني: هناك إجماع، ثم مسألتان.

أمّا الإجماع:

فعلى: أنّ المأموم يجب أن يتابع الإمام، ويتبعه في جميع الأقوال والأفعال. إلا في مسألتيْن، وهاتان المسألتان فيهما خلاف بين العلماء.

المسألة الأولى: قول: “سمع الله لمن حمده”، هل يقول المأموم مثل ما قال الإمام؟ أو ليس عليه أن يقول هذا الذكر؟

المسألة الثانية: إذا كان الإمام مريضًا وصلى جالسًا، هل على المأموم أن يتابعه فيصلي جالسًا مثله؟ أم يصلي قائمًا لأنه صحيح، ولا دخل له بمرض الإمام؟

هاتان مسألتان يتحدث فيهما ابن رشد -رحمه الله- على النحو التالي:

أما عن المسألة الأولى: هل الإمام فقط هو الذي يقول: “سمع الله لمن حمده”؟ -أي: عند القيام والرفع من الركوع- أم أنه يقول والمأموم يتابعه ويقول مثله؟

يُورد ابن رشد اختلاف الفقهاء في ذلك، فيقول: إنهم اختلفوا في قوله: “سمع الله لمن حمده”.

فإنّ طائفة ذهبت إلى: أنّ الإمام يقول إذا رفع رأسه من الركوع: “سمع الله لمن حمده” فقط، ويقول المأموم: “ربنا ولك الحمد” فقط. وممّن قال بهذا القول: مالك، وأبو حنيفة، وغيرهما…

وذهبت طائفة أخرى كالإمام الشافعي، إلى: أنّ الإمام والمأموم يقولان كلاهما جميعًا: “سمع الله لمن حمده، ربّنا ولك الحمد”. وأن المأموم يتبع فيهما معًا الإمام -أي: لا يقول معه وإنما يتابعه-كسائر التكبير، سواء بسواء.

وقد روي عن أبي حنيفة: أنّ المنفرد والإمام يقولانهما جميعًا. ولا خلاف في المنفرد. يعني: أن المنفرد يقولهما معًا. هذا الكلام الذي ذكره ابن رشد -رحمه الله-.

أما عن المسألة الثانية، وهي: صلاة القائم خلْف القاعد:

أ. ما قاله ابن رشد:

فإنَّ حاصل القول فيها:” أن العلماء اتفقوا على: أنه ليس للصحيح أن يصلّي فرضًا قاعدًا إذا كان منفردًا أو إمامًا، لقوله سبحانه وتعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]. وقد سبق أن عرفنا أنّ القيام في الفرائض فرض، وركن من أركان الصلاة للقادر عليه؛ فلا يصحّ لأي صحيح أن يصلي الفرض قاعدًا؛ سواء كان منفردًا أو إمامًا.

أما النافلة، فتجوز للصحيح أن يصليها وهو قاعد، وهو صحيح وقادر على القيام، وله نصف أجر القيام. أما الفرض، فلا يجوز من الصحيح إلَّا قيامًا.

واختلفوا إذا كان المأموم صحيحًا -أي: القيام واجب عليه- لكنه صلّى خلف إمام مريض عاجز عن القيام، يصلّي قاعدًا. على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنّ المأموم يصلِّي خلفه قاعدًا؛ لأنه مُطالَب بمتابعة الإمام. فإذا كان الإمام قاعدًا، فعلى المأموم أن يصلي خلفه قاعدًا، مع أنه صحيح. وممّن قال بهذا القول: أحمد، وإسحاق.

القول الثاني: أنهم يصلّون خلفه قيامًا، يعني: الإمام قاعد لأنه هذا الواجب عليه؛ لأنه مريض، والمأمومون يقفون ويقومون لأنهم أصحاء، وهذا هو الواجب عليهم. قال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا جماعة فقهاء الأمصار. يعني: هذا هو رأي الجمهور، وهو الرأي الصحيح: الشافعي، وأصحابه، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأهل الظاهر، وأبو ثور، وغيرهم… وزاد هؤلاء، فقالوا: يصلّون وراءه قيامًا، وإن كان لا يقوى على الركوع والسجود، بل يُومئ إيماء.

القول الثالث: روى ابن القاسم: أنه لا تجوز إمامة القاعد، وأنه إن صلَّوْا خلْفه قيامًا أو قعودًا -أي: الأصحّاء- بطلَت صلاتهم. وقد روي عن مالك: أنهم يعيدون الصلاة في الوقت؛ وهذا إنما بُني على الكراهة، لا على المنع. والأوّل أي: أنهم يصلّون قيامًا، هو المشهور عنه.

error: النص محمي !!