Top
Image Alt

موانع النكاح على التأقيت محل الخلاف بين الفقهاء

  /  موانع النكاح على التأقيت محل الخلاف بين الفقهاء

موانع النكاح على التأقيت محل الخلاف بين الفقهاء

نتحدث عما تبقى من موانع النكاح على التأقيت، والتي هي محل خلاف بين الفقهاء، فنقول -وبالله التوفيق:

وبالإضافة إلى ما سبق من حديثنا عن الموانع المؤقتة الخمسة نضيف:

مانع الإحرام:

واختلفوا في نكاح المحرم فقال مالك، والشافعي، والليث، والأوزاعي، وأحمد: “لا ينكح المحرم، ولا ينكح فإن فعل فالنكاح باطل”، إذًا يكون الإحرام عند هؤلاء مانع من موانع النكاح المؤقتة، وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وقال أبو حنيفة: “لا بأس بذلك، أي: إن الإحرام ليس مانعًا من موانع النكاح عند أبي حنيفة.

وسبب اختلاف العلماء في هذه المسألة هو تعارض النقل في هذا الباب، فمنها حديث ابن عباس: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة، وهو محرم))، وهو حديث ثابت النقل خرجه أهل الصحيح، وعارضه أحاديث كثيرة عن ميمونة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال قال ابنُ عبد البر أبو عمر: “رويت عنها من طرق شتى؛ من طريق أبي رافع، ومن طريق سليمان بن يسار، وهو مولاها عن يزيد بن الأصم”، وروى مالك من حديث عثمان بن عفان مع هذا، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب)).

فمن رجح حديث ابن عباس، قال: لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ومن رجح حديث ابن عباس، أو جمع بينه، وبين حديث عثمان بن عفان بأن حمل النهي الوارد في ذلك على الكراهة، قال: ينكح، وينكح، وهذا راجع إلى تعارض الفعل، والقول، والوجه الجمع، أو ترهيب القاضي.

والراجح في هذه المسألة: أن الإحرام مانع من موانع النكاح المؤقتة، كما ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء؛ لصحة الحديث الوارد الذي استدلوا به، والذي أخرجه الإمام مسلم، في (صحيحه): ((لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح))، وأجابوا عن حديث ميمونة الذي يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها، وهو محرم، والذي رواه البخاري بأنه اختلف في الواقعة كيف كانت، ولا تقوم الحجة؛ ولأنها تحتمل الخصوصية فكان النهي في الحديث عن ذلك أولى.

مانع الرّق:

اتفق أهل العلم على أنه يجوز للعبد أن ينكح الأمة، وكذلك اتفقوا على أن للحرة أن تنكح العبد إذا رضيت بذلك هي وأولياؤها، واختلفوا في نكاح الحر الأمة فقال قوم: “يجوز بإطلاق”، وهذا هو المشهور من مذهب ابن القاسم عن مالك، وقال قوم: “لا يجوز إلا بشرطين، أولهما: عدم الطول، والثاني: خوف العنت”، وهو المشهور من مذهب مالك، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، والسبب في اختلافهم هو معارضة دليل الخطاب في قوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ } [النساء: 25]؛ لعموم قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ} [النور: 32].

وذلك أن مفهوم دليل الخطاب في قوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا}، يقتضي أنه لا يحل نكاح الأمة إلا بشرطين، أحدهما: عدم الطول إلى الحرة، والثاني: خوف العنت، وقوله تعالى: { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ}، يقتضي بعمومه إنكاحهن من حر، أو عبد واجدًا كان الحر، أو غير واجد، خائفًا للعنت أو غير خائف، لكن دليل الخطاب أقوى ههنا من العموم؛ لأن هذا العموم لم يتعرضوا فيه إلى صفات الزوج المشترطة في نكاح الإماء وإنما المقصود به الأمر بإنكاحهن، وألا يجبرن على النكاح، وهو أيضًا محمول على الندب عند الجمهور مع ما في ذلك من إرهاق الرجل، وولده.

واختلفوا من هذا الباب في فرعين مشهورين أعني الذين لم يجوزوا النكاح إلا بالشرطين المنصوص عليهما أحدهما: إذا كانت تحته حرة هل هي طول، أو ليست بطول؟

فقال أبو حنيفة: “هي طول”، وقال غيره: “ليست بطول”، وعن مالك في ذلك قولان، والمسألة الثانية: هل يجوز إلى من وجد فيه هذان الشرطان نكاح أكثر من أمة، واحدة، ثلاث، أو أربع، أو اثنتين؟

فمن قال: إذا كانت تحته حرة فليس يخاف العنت؛ لأنه غير عزب، قال: إذا كانت تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة، ومن قال: خوف العنت إنما يعتبر بإطلاق سواء أكان عزبًا، أو متأهلًا؛ لأنه قد لا تكون الزوجة الأولى مانعة من العنت، وهو لا يقدر على حرة تمنعه من العنت فله أن ينكح أمة؛ لأن حاله مع هذه الحرة في خوف العنت كحاله قبلها، وبخاصة إذا خشي العنت من الأمة التي يريد نكاحها، وهذا بعينه السبب في اختلافهم، هل ينكح أمة ثانية على الأمة الأولى، أو لا؟

وذلك أن من اعتبر خوف العنت مع كونه عزبًا؛ إذ كان الخوف على العزب أكثر قال: “لا ينكح أكثر من أمة واحدة”، ومن اعتبره مطلقًا قال: “ينكح أكثر من أمة واحدة”، كذلك يقول أنه ينكح على الحرة، واعتباره مطلقًا فيه نظر، وإذا قلنا: إن له أن يتزوج على الحرة أمة فتزوجها بغير إذنها فهل لها الخيار في البقاء معه، أو في فسخ النكاح؟ اختلف في ذلك قول مالك، واختلفوا إذا وجد طولًا بحرة، هل يُفارق الأمة، أو لا؟

ولم يختلفوا أنه إذا ارتفع عنه خوف العنت أنه لا يفارقها –أعني: أصحاب مالك- واتفقوا من هذا الباب على أنه لا يجوز أن تنكح المرأة من ملكته، وأنها إذا ملكت زوجها انفسخ نكاحها هذا بالنسبة لمانع الرق.

المانع الأخير من الموانع المؤقتة التي هي محل خلاف: مانع المرض:

ولقد اختلف أهل العلم في نكاح المريض فقال أبو حنيفة، والشافعي: “يجوز”، وقال مالك في المشهور عنه: “إنه لا يجوز”، ويتخرج ذلك من قوله: إنه يفرق بينهما وإن صح, ويتخرج من قوله أيضًا أنه لا يفرق بينهما أن التفريق مستحب غير واجب.

فنكاح المريض جائز، وهو مذهب الجمهور، وكذلك المريضة الموقنة موتها، وغير الموقنة، وكذلك الموقن، وغير الموقن، وهو قول ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وخزامة بن مظعون،؟؟؟ وعبد الرحمن بن أبي ربيعة، والحسن البصري، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وابن شبرمة، والأوزاعي، والحسن بن حيي، وداود، وابن حزم.

واعتبر الإمام مالك أن المرض مانع من موانع النكاح المؤقتة حتى يزول، فقال: “يفسخ نكاح المريض، وكذلك المريضة”، وهو قول عطاء بن أبي رباح إلا أنه قال: “إن صح من مرضه جاز ذلك النكاح؛ لأن المرض مانع مؤقت”، وهو قول يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عن ربيعة فروى عنه سمعان -وهو ضعيف- أن صداقها في ثلثه، وروى عنه معمر، وهو ثقة أن صداقها، وميراثها في ثلثه، وهو قول الليث بن سعد، وعثمان البتي، وراعى آخرون المضارة؛ فقالوا: “إن لم يكن مضارًّا جاز، وإن كان مضارًّا لم يجز”، وهو مروي عن القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وكذلك الزهري.

وسبب اختلافهم: تردد النكاح بين البيع، وبين الهبة، وذلك أنه لا تجوز هبة المريض إلا من الثلث، ويجوز بيعه، ولاختلافهم أيضًا سبب آخر، وهو هل يتهم على إضرار الورثة بإدخال وارث زائد، أو لا يتهم؟

وقياس النكاح على الهبة غير صحيح؛ لأنهم اتفقوا على أن الهبة تجوز إذا حملها على الثلث، ولم يعتبروا بالنكاح هنا بالثلث، ورد جواز النكاح بإدخال وارث قياس مصلحي لا يجوز عند أكثر الفقهاء، وكونه يوجب مصالح لم يعتبرها الشرع إلا في جنس بعيد من الجنس الذي يرام فيه إثبات الحكم بالمصلحة حتى أن قومًا رأوا القول بهذا القول شرع زائد، وإعمال على القياس يوهن ما في الشرع من التوقيف، وأنه لا تجوز الزيادة فيه كما لا يجوز النقصان.

والتوقف أيضًا عن اعتبار المصالح تتطرق للناس أن يتسرعوا لعدم السنن التي في ذلك الجنس إلى الظلم؛ فلنفوض أمثال هذه المصالح إلى العلماء بحكمة الشرائع الفضلاء الذين لا يتهمون بالحكم بها، وبخاصة إذا فُهِم من أهل ذلك الزمان أن في الاشتغال بظواهر الشرائع تطرقًا إلى الظلم، ووجه عمل الفاضل العالم في ذلك أن ينظر إلى شواهد الحال، فإن دلت الدلائل على أنه قصد بالنكاح خيرًا لا يمنع النكاح، وإن دلت على أنه قصد الإضرار بورثته منع من ذلك كما في أشياء كثيرة من الصنائع يعرض فيها للصناع الشيء، وضده مهما اكتسبوا من قوة مهنتهم؛ إذ لا يمكن أن يحد في ذلك حد مؤقت صناعي، وهذا كثير ما يعرض في صناعة الطب، وغيرها من الصنائع المختلفة.

error: النص محمي !!