Top
Image Alt

موجبات الضمان في الغصب

  /  موجبات الضمان في الغصب

موجبات الضمان في الغصب

الغصب فيه ضمان؛ لأن من أخذ مال غيره بغير حق يضمنه، فما الذي يوجب ضمان المغصوب؟ أو ما السبب في ضمان المغصوب؟

يوجب ضمان المغصوب بأخذ المال المغصوب وإثبات اليد عليه, أي: المغصوب يأخذه قهرًا، وتثبت يده عليه بأن يمنع صاحبه منه.

وكذلك مما يوجب ضمان المغصوب إتلافه مباشرة؛ أي: إن الغاصب يباشر إتلاف المغصوب بنفسه, أو أن يحدث الإتلاف بطريق التسبب.

أما إثبات اليد على الشيء المغصوب, فيتحقق بمجرد الاستيلاء على الشيء المغصوب، والحيلولة بين هذا المال وبين صاحبه -كما قال الجمهور.

أما الإتلاف, فحقيقته هو إخراج الشيء عن أن يكون منتفعًا به المنفعة المطلوبة منه عادة؛ أي: يصير بعد أن كان سليمًا صالحًا منتفعًا به، غير منتفع به وذلك بعد إتلافه، ويخرج عن المنفعة المطلوبة منه عادة، ويكون ذلك بفعل آدمي.

وهذا الإتلاف سبب موجب للضمان؛ لأنه اعتداء وإضرار، والله تعالى يقول: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}  [البقرة: 194], وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)), ولا فرق أن يقع الإتلاف مباشرة، وهو إلحاق الضرر بالشيء المغصوب من غير واسطة، فالإتلاف يقع بمباشرة من الغاصب على محل التلف أو بدون واسطة، أي: لم تتدخل واسطة بينه وبين الإتلاف الذي وقع كأنه حدث منه هو مباشرة, أو هو الإتلاف الذي لا يتخلل فيه بين فعل المباشر وبين الشيء التالف فعل فاعل مختار.

أما الإتلاف بالتسبب أو عن طريق السبب, فهو ارتكاب فعل في محل يفضي -يؤدي- إلى تلف شيء آخر عادة؛ أي: كأنه قد تخلل بين فعل المباشر والتلف حدث أو توسط أمر بين هذا الفعل وبين التلف، من هنا سميناه إتلافًا بالتسبب، أي: ارتكب شخصٌ فعلًا فأفضى إلى تلف شيء آخر عادة، وذلك مثل أن شخصًا ما قد حفر بئرًا، فوقع فيه شخص فمات, فتسبب هنا الشخص وهو الذي حفر البئر في تلف إنسان، وكان البئر واسطة بين الذي حفر وبين الشخص الذي تلف.

ويقول الفقهاء: لا فرق في ضمان الإتلاف، أي: الضامن المتلف مباشرة لا فرق بين أن يرتكب الإتلاف عمدًا أو خطأ، إذًا: لا فرق في المباشرة بين العمد والخطأ؛ لأن الأشهر أن الأموال تضمن عمدًا، وكذا تضمن خطأ، فالمتلف عمدًا أو خطأ ضامن باتفاق فقهاء المذاهب الأربعة. وأيضًا قالوا: إنه ضامن بالاتفاق، سواء كان المتلف كبيرًا أو صغيرًا أو مجنونًا أو نائمًا، فهؤلاء يضمنون أيضًا عند جمهور الفقهاء.

وعلى ذلك جاءت القاعدة الفقهية التي تقول: المباشر ضامن وإن لم يتعمد، والمتسبب غير ذلك؛ أي: ليس ضامنًا إلا إذا تعمد, أو إذا تعدى كما يقول البعض في هذه القاعدة.

إلا أن المالكية يفرقون تفرقة جزئية -مع اتفاقهم مع الجمهور أن المتلف ضامن، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا- بين الصبي المميز وغير المميز، فيجعلون المميز غارمًا لما أتلفه في ماله إن كان له مال، أي: ضامنًا للشيء الذي أتلفه إن كان هذا الصبي المميز له مال مملوك له، فإن لم يكن له مال أتبع به إلى أن يصير له مال. أما غير المميز فلا شيء عليه فيما أتلفه من نفس أو مال.

وهذا وجه مخالفتهم للجمهور؛ لأن الجمهور يرون أن الصبي غير المميز ضامن أيضًا، لكن المالكية يرون أن غير المميز كالعجماء -أي كالحيوان الأعجم- وكذلك في نظر المالكية مثله المجنون.

هل تضمن الأموال بالإتلاف بالمباشرة, أو بالتسبب مطلقًا, أم لها شروط؟

لا بد أن يكون هناك شروط لإيجاب الضمان بأخذ المال المغصوب أو إتلافه مباشرة أو تسببًا، فلا يجب الضمان إذن بأخذ المال المغصوب وحدوث تلف له في حالتي المباشرة والتسبب إلا بشروط.

أولًا: شروط إيجاب الضمان بالغصب أو الإتلاف مباشرة:

هناك فرقٌ بين إيجاب الضمان في حالة الإتلاف المباشر، والإتلاف بالتسبب، ونتكلم الآن في الشروط التي يجب بها الضمان في حالة الإتلاف المباشر، أي: الإتلاف الذي وقع مباشرة من الغاصب أو المتلف:

الشرط الأول: أن يكون الشيء المغصوب أو المتلف مالًا؛ فيخرج بهذا أنه لا ضمان بغصب أو إتلاف في نحو الميتة أو إتلاف جلدها، ولا ضمان بغصب أو إتلاف في نحو الدم، ولا ضمان بغصب أو إتلاف في نحو التراب الذي لا قيمة له، وكذلك لا ضمان بغصب أو إتلاف في الكلب غير المعلم، ونقول: غير المعلم لأن الكلب المعلم له ضمان, باعتبار أن الشخص أقره ووافق عليه، وأجاز اقتناءه لقول الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب}  [المائدة: 4].

فمثل هذه الأشياء التي لا تعد مالًا شرعًا وعرفًا, لا يجب بها الضمان بناء على هذا الشرط.

الشرط الثاني: أن يكون المغصوب أو المتلف متقوّمًا للمغصوب منه أو المتلف عليه, والمتقوم هو: ما يباح الانتفاع به شرعًا في غير حال الاضطرار.

إذًا: لا ضمان بإتلاف خمر أو خنزير لمسلم، سواء كان المتلف لهذا المال مسلمًا أو ذميًّا؛ لعدم تقوُّم الخمر والخنزير في حق المسلم, أي: ليس لهما قيمة؛ لأن المتقوم هو ما يباح الانتفاع به شرعًا, والخمر والخنزير في حق المسلم لا يباح تملكهما أو الانتفاع بهما شرعًا.

أما الخمر والخنزير المملوكان لغير المسلم -أي: الذمي- فيضمنهما المتلف مسلمًا أو غير مسلم؛ لأنهما مملوكان لغير مسلم، وهما مال متقوم عند غير المسلم، ويلزم المسلم بالقيمة وغير المسلم بالمثل عند الحنفية والمالكية.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم ضمانهما -أي الخمر والخنزير- إذ لا قيمة لهما عندهما -أي عند الشافعية والحنابلة- كالدم والميتة وسائر الأعيان النجسة، وما حرم الانتفاع به لم يضمن ببدل عنه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حرّم بيع هذه الأعيان وأمر بإراقة الخمر، فما لا يحل بيعه ولا تملكه لا ضمان فيه. هذا عند الشافعية والحنابلة، سواء كان المتلف مسلمًا أو غير مسلم، والمتلف عليه مسلمًا أو غير مسلم.

وتفريعًا على هذا الشرط، وهو أن يكون المغصوب أو المتلف متقومًا، لا ضمان كذلك بأخذ أو إحراق أو إتلاف الكتب التي تحتوي على الفسق والضلال؛ لاشتمالها على إفساد الأخلاق، وإلحاق الضرر بعقيدة الناس، فقد حرق الصحابةرضي الله عنهم جميع المصاحف المخالفة لمصحف عثمان رضي الله عنه لما خافوا على الأمة من الاختلاف في التلاوة؛ لاختلاف اللهجات وطرائق النطق.

الشرط الثالث لإيجاب الضمان بإتلاف المال المغصوب مباشرة: حدوث ضرر محقق بشكل دائم؛ نتيجة الغصب أو التلف. فلو أعاد الغاصب الشيء المغصوب إلى حالته التي كان عليها، وسلّمه إلى صاحبه بالحالة التي كان عليها، فلا ضمان عليه، وإن كان هذا الإرجاع وإعادة الحال إلى ما كانت عليه لا يمنع التعزير، وإلحاق التأديب بالغاصب لهذا الفعل؛ لأنه ليس معنى أنه أعاده إلى حالته أن يترك بدون تعزير.

الشرط الرابع لإيجاب الضمان بالغصب أو الإتلاف بالمباشرة: أن يكون المغتصب أو المتلف أهلًا لوجوب الضمان؛ فلا يضمن المالك ما تتلفه بهيمة؛ لأن فعل العجماء جبار، أي: لا ضمان فيه فهو هدر.

وتفريعًا على هذا الشرط؛ لا يشترط التمييز عند الجمهور عدا المالكية لإيجاب الضمان، أما المالكية فقالوا: إن المميز يضمن ما أتلفه في ماله إن كان له مال.

الشرط الخامس لإيجاب الضمان بالغصب أو الإتلاف عن طريق المباشرة: أن يكون في إيجاب الضمان فائدة, ومعنى ذلك: أن يتمكن صاحب الحق من الوصول إلى حقه، فإذا لم يتمكن من ذلك لم يكن في التضمين فائدة.

ومثال ذلك: لا ضمان على المسلم إذا أتلف مال حربي، ولا على الحربي أيضًا إذا أتلف مال المسلم، فلا نقول بوجوب الضمان على المتلف منهما، أي: لو اغتصب كل منهما مال الآخر أو أتلفه في دار الحرب فلا ضمان؛ لانعدام سلطة أو ولاية تنفيذ الأحكام على رعايا كل من البلدين المتحاربين, وما دامت السلطة أو ولاية تنفيذ الأحكام منعدمة فلا يتمكن صاحب الحق من الوصول إلى حقه، ولا يكون للتضمين فائدة.

هذه هي شروط إيجاب الضمان بالإتلاف بالمباشرة.

ثانيًا: شروط إيجاب الضمان بالإتلاف تسببًا:

الإتلاف هنا لم يحدث بمباشرة -كما في تعريف المباشرة- وإنما حدث بتدخل أمر آخر بين من فعل فعلًا ونتج عنه تلف، فالأصل في الإتلاف أنه لا ضمان فيه إلا إذا تعدى المتلف أو تعمد الإتلاف بالسبب؛ عملًا بقاعدة: أن المباشر ضامن وإن لم يتعمد، وعلى ذلك فالمتسبب لا يضمن إلا إذا تعدى، هذا هو الأصل.

وإذا انطلقنا من هذا الأصل أو هذه القاعدة فلا بد من توافر ثلاثة شروط للتضمين بالإتلاف:

الشرط الأول: التعدي, وهو تجاوز الحق، أو تجاوز ما يسمح به الشرط، وهذا الشرط معناه أن يحدث تعدٍّ من فاعل السبب.

ومثال: أن يحفر شخص بئرًا في الطريق العام من غير إذن الحاكم، أو من غير إذن من يسمح بالحفر، أو يحفره في غير ملكه عدوانًا، يحفره في أرض جاره عدوانًا, أو يحفره في ملكه أو بإذن، ولكن لا يتخذ الاحتياطات الواقية من وقوع الضرر حتى ولو كان الحفر بإذنه، فإذا كان الحافر لهذه البئر بهذه الاحتياطات وسقط شخص فيه أو حيوان، فالحافر ضامن، بمعنى: أنه حفره من غير إذن الحاكم أو المسئول في طريق عام, أو حفره في غير ملكه عدوانًا من غير إذن جاره وتعدى على ملكه، أو حتى حفره في ملكه ولم يتخذ الاحتياطات، أو حفره بإذن الحاكم أو المسئول ولم يتخذ الاحتياطات فوقع فيه إنسان، فالحافر هنا ضامن، وإن كان متسببًا لأنه متعدٍّ ما لم يأخذ بالقيود المذكورة التي ذكرناها.

وأمثلة ذلك كثيرة، كأن يوقد شخص نارًا في يوم ريح شديدة، فتهب الريح فتأخذ من النار التي أوقدها، وهو يعلم أن هناك هواء أو ريحًا شديدة، فتنطلق النيران من الموقد الذي يوقد فيه فتتلف مالًا للغير، هنا لم يأخذ بالاحتياط مع أنه يرى أن الجو لا يناسب. وهكذا: أن يمزق شخص مثلًا وثيقة فيها حق، وصاحبها لا يستطيع إثبات هذا الحق إلا من خلالها، ونحو هذا.

فكل ذلك ما دام فيه تعدٍّ من الشخص المتسبب في تضييع حق على صاحبه، فإنه يضمن في مثل هذه الحالات وأمثالها؛ لأن الضمان هنا إنما جاء كأثرٍ للفعل الذي اعتُبر تعديًا.

الشرط الثاني للتضمين بالتسبب: التعمد, ومعناه: أن يصدر الفعل الذي يوجب الضمان عن قصد وإرادة.

مثاله: أن يمنع شخص الماء عن أرض جاره المزروعة، فشخص له جار يزرع أرضًا كأرضه، فيتعمد أحد الجارين أن يمنع وصول الماء إلى زرع جاره فيجف الزرع, أو يجذب إنسان ثوبًا من إنسان فيسقط منه أو يحمل صرة فيها متاع، فيسقط ما يحمله في الصرة أو في هذا الثوب، فيتلف بأن ينكسر أو يضيع ما في الصرة أو غير ذلك, ففي هذين المثالين وشبههما الضمان؛ لصدور الفعل ممن حدث منه تعمدًا.

ويمكن أن يحدث بدون تعمد فعل مثل هذا، كما لو جفلت -خافت- دابة أو ارتجفت من رجل فهربت وضاعت، فليس على من حدث منه ذلك شيء لأنه غير متعمد، فهي التي جفلت أو ارتبكت وهو لم يفعل شيئًا، وهو غير متعمد هنا أو غير متعدٍّ في الأدق؛ والمراد بالتعمد هو التعدي، سواء كان هناك قصد أو لا, فلو صاح مجنون بدابة شخص وأصدر صيحة قوية، فجفلت ووقع الراكب أو الشيء الذي تحمله، فتلف؛ كان ضامنًا للمال، وإن لم يكن عنده قصد الإضرار، لكنه متعدٍّ، وتكون القاعدة التي فيها دقة في التعبير كما أوردتها بعض كتب القواعد “المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي، والمباشر ضامن وإن لم يتعمد”.

الشرط الثالث من شروط إيجاب الضمان بالإتلاف تسببًا: ألا يتخلل بين السبب والمسبب فعل شخص آخر؛ بألا يكون التلف قد نشأ عن فعل آخر مختار مباشر، فإذا تدخل عنصر آخر مختار -أي: تدخل باختياره- نُسب إليه الفعل مباشرة، كأننا نريد أن نقول: إن اشترك المباشر والمتسبب؛ ضمن المباشر إن كان السبب لا يؤثر في التلف بانفراده عادة.

ومثال ذلك: من حفر بئرًا في مكان عدوانًا -وقد ذكرنا صور الحفر عدوانًا- فجاء غير الحافر، ورمى أو أردى إنسانًا فيها أو حيوانًا؛ يكون الضمان عليه دون الحافر، أما إن تردى فيه بهيمة أو غيرها بنفسها، فالحافر هو الضامن؛ لأن هذه بهيمة عجماء وتردت بدون تدخل عنصر بين المباشر والمتسبب. أما إن كان السبب يؤثر بانفراده, أي: السبب الذي يؤدي إلى التضمين أو الذي نقول بالتضمين فيه بسببه، فإن المباشر والمتسبب يشتركان في الضمان.

ومثل العلماء لذلك فقالوا: لو نخس رجل دابة آخر بإذنه, وهو الذي سمح له بذلك, فداست إنسانًا, أي: كأنها جفلت أو ارتجفت فداست إنسانًا بسبب هذا النخس الذي حصل لها، فالضمان عليهما؛ لأن السبب هنا يؤثر بانفراده.

ولا يشترط في الضامن التمييز أو كونه بالغًا عند غير المالكية, فالصبي والمجنون يضمنان ما يتلفان من أموال، كما لا تكون حالة الضرورة سببًا للإعفاء من الضمان؛ فمن اضطره الجوع إلى أن يتناول مال الغير، فإنه يلزمه ضمانه بالرغم من إباحة التناول حفظًا على نفسه من الهلاك؛ وذلك إعمالًا لقاعدة “الاضطرار لا يبطل حق الغير”.

error: النص محمي !!