Top
Image Alt

مورفولجية العالم الإسلامي الآن

  /  مورفولجية العالم الإسلامي الآن

مورفولجية العالم الإسلامي الآن

كيف يبدو النمط الجغرافي للإسلامن أو كيف تتشكل مورفولوجيته العامة داخل إطاره الكبير في العالم القديم؟

ثمة يجبهنا في شكل الإسلام إذا نظرنا إلى خريطة توزيعه الفعلي نمط قوسي أساسي، يتوسط المثلث القاري، ويتعامد عليه بصورة ما، كمحور هيكلي، أو كنطاق محدد، يترامى بعمق متفاوت، ولكنه عظيم، ويواكب بصفة تقريبية نصف دائرة المحيط الهندي ويوازيها، ويكاد يحف بها.

وهذا القوس العظيم الذي يبدأ بجناح أيسر عميق عريض في إفريقيا من عروض مدارية سفلى لا يلبث أن ينثني شمالًا لينتظم غرب آسيا، ووسطها في عروض أعلى بكثير، ثم إذا به يعود في جناحه الأيمن؛ فينحني نحو الجنوب مرة أخرى، وذلك في جنوب آسيا، وجنوبها الشرقي حيث يضيق كثيرًا، ويدق أحيانًا حتى ليتقطع ويتبعثر إلى أن ينتهي كما بدأ في عروض مدارية، أو استوائية هذا في معنى حقيقي جدًّا هو هلال الإسلام، وفي قلبه، ونكاد نقول: كنجمته يستقر المحيط الهندي الذي هو منطقيّ وبالضرورة محيط الإسلام.

وإذا كان الإسلام قد فَقَدَ البحرَ المتوسط كبحيرة إسلامية، أو شبه إسلامية تقليدية فقد كسب المحيط الهندي، الذي أصبح البحر المتوسط الجديد في العالم الإسلامي الحضارمة والعمانيون إغريقه وبنادقته، وإن لم يكونوا رومانه، وبعامة؛ فمن هذا الشكل القوسي تنبثق حقيقة أساسية، وهي أن دار الإسلام في إفريقيا تتركز بالدرجة الأولى في نصفها الشمالي بينما تقع من آسيا في نصفها الجنوبي.

وقد يمكن أن نرى في تركيب هذا الهلال قدرًا ما من السمترية والتناظر فننظر إليه على أنه يتألف من قلبٍ وجناحين، قلب قاري ضخم متصل يمتد بلا انقطاع من حدود الصحراء الكبرى حتى وسط أسيا، وبعده يبدأ جناحان جزريان يتحول الإسلام في كل منهما إلى “أرخبيل”، أو مجموعة من الجزر صغرت أو كبرت. في الغابة في إفريقيا جنوب الصحراء، أو في المحيط في أسيا الموسمية إلا أن الجناح الإفريقي لا يقاس البتة وزنًا وثقلًا بالجناح الأسيوي؛ ولهذا فقد يكون من الخير لنا أن نكتفي بأن نميز في هلال الإسلام بعامة بين قطاعين جوهريين واضحين بما فيه الكفاية قطاع غربي، وآخر شرقي خط التقسيم بينهما يمر بالتبت والهند.

غير أننا قبل أن نتتبع كلًّا من هذين القطاعين بالدراسة؛ ينبغي أن نستدرك حقيقةً هامةً فنقول: إن الإسلام كدين، وإن بدا في معظم رقعته نطاقًا متصلًا فهو كسكان يتألف أساسًا وبالدقة من أرخبيل، ليس أرخبيل العرب إلا جزءًا منه من الجزر، أو الواحات البشرية المركزة، المتباعدة في وسط بحر الرمال، أو في بحر الماء، ولا تعارض في ذلك بين الحقيقتين الدينية، والديموغرافية، فالنمط السكاني كتل متبلورة يفصلها عن بعضها البعض مساحات شاسعة من الصحارى، أو المرتفعات تكاد تكون من اللامعمور، ثم كتلة المغرب العربي مثلًا، ثم مصر وسودان السافانا على الجانب الآخر من الصحراء الكبرى.

وهناك كتلة الشام والعراق، ونواة تركيا وإيران، وكتلتا الباكستان الغربية والشرقية حتى نصل إلى الأرخبيل الإندونيسي هذا عدا كتلة الصين وكوكبة الاتحاد السوفيتي، ويمكن أن نضيف في النهاية أن توزيع الإسلام بعامة يأخذ في ذلك كله صورةً، ونمط توزيع السكان عامة في محيطه إلى حدٍّ بعيد، وهذا أمر منطقي؛ حيث إنه إلم يمثل الأغلبية السائدة في كثير من مناطقه فهو على الأقل جزءٌ لا يتجزأ من الغطاء البشري فيها، بل إن هناك حقيقة أساسية وأسية في نمط توزيع الإسلام داخل محيطه الكبير تفرض نفسها على كل باحث.

فهذا الأرخبيل المزدحم من الكتلة السكانية المنفصلة لا ينتثر عشوائيًّا كسديم شتيت بلا خطة، وإنما هو يتنضدد في سلسلة، أو مجموعة متراصة من الحلقات كحلقات الجزر المرجانية التي تتجاور، وتتعاقب، وقد تتماس بطول امتداده من الشرق إلى الغرب، إن اختلفت في أقطارها وكثافاتها وأوزانها؛ ففي إفريقيا الشمالية يتكثف الإسلام الفعال في حلقة متصلة بدرجة أو بأخرى، تحف بأطراف الصحراء الكبرى بادئة بكتلة المغرب الكبير، ثم كتلة وادي النيل، وأخيرًا يغلق الدائرة نطاق السكان الكثيف في شريط السافانا؛ فالصحراء الكبرى أشبه في هذا ببحر داخلي عظيم يتكدس المسلمون في شطآنه، وسواحله أكثر مما يخوضون فيه. والواقع: أن المحاور الرئيسية لانتشار الإسلام التاريخي في هذا النطاق إنما تبعت هذه الشواطئ الكثيفة العمران، ولم يخترق بحر الصحراء إلى شعب فرعية ملأت فراغاته بغشاء، وإن كان عالميًّا خفيفًا جدًّا، كأنه تراب الإسلام.

والمشرق العربي بدوره يمثل حلقة كلاسيكية هي الحلقة السعيدة الهلال الخصيب في الشمال تتممه في جانب كتلة مصر، ثم نطاق الكثافة الذي يحف بالجزيرة العربية على طول سواحلها ابتداءً من الحجاز حتى اليمن، والجنوب العربي، ثم الخليج حيث تتصل الدائرة مع العراق، وداخل هذه الحلقة ليس ثمة إلا قلب ميت سكانيًّا. وإن يكن قلب الإسلام كله عقيدة، كذلك يمتاز توزيع السكان في تركيا تقليديًّا بتطرفه على الهوامش الساحلية خاصة الغربية، والشمالية الغربية تاركًا قلب الأناضول شبه ميت، وبالمثل تفعل الكثافة في هضبة إيران الطبيعية؛ حيث يتركَّزُ السواد الأعظم من سكان إيران على هوامشها الشمالية والغربية، وإلى حد ما الجنوبية، بينما تتم الدائرة مشرقًا بكتلةِ السكان في أفغانستان، والباكستان الغربية، تاركة قلبًا ميتًا آخر في وسط الهضبة بصحاريها الملحية.

وإذا اعتبرنا الإسلام في شبه القارة الهندية ككل؛ لتكرر النمط مرة أخرى تبدأ الدائرة بكتلة المسلمين الصلبة في الباكستان الغربية، وتستمر على طول نهر الجانج حتى تستقر على خليج البنغال في كتلة الباكستان الشرقية، ثم تكتمل الدائرة على طول سواحل الدكن دون قلبها شرقًا وغربًا، وفي غرب الصين في سينكيانغ يرسم توزيع الإسلام نمطًا حلقيًّا بيضاويًّا.

وأخيرًا: يؤكد النمط نفسه، أو يشي بنفسه بالأحرى في عالم جزر، وأشباه جزر جنوب شرق أسيا، فعلى طول قوس جزر الملايو، وإندونيسيا الفستونية نجده حتى ينثني ش4مالًا عبر سيلاويزي إلى جنوب الفلبين، ويمكن أن نعد الإسلام على الأطراف الجنوبية لفيتنام، وكمبوديا نهاية الدائرة، بل حتى البلقان، يمكن أن نتعقب هذا النمط الملح، فالإسلام هنا يتركز على هوامشها الحوضية في غرب يوغسلافيا وألبانيا، ثم شمال اليونان، ثم تركيا، وأخيرًا شرق بلغارْيَا.

القطاع الغربي من الإسلام: نستطيع الآن أن نبدأ رحلتنا في عالم الإسلام بالتفصيل القطاع الغربي يشمل الإسلام في إفريقيا، وغرب أسيا، ومعها البلقان، وكل هضبة إيران ثم الباكستان الغربية، ثم يستمر في سهول توران، وتركستان حتى مشارف الفلجا، والأوران شمالًا، وسينكيانغ، أو التركستان الصينية شرقًا، وأنها تقترب من ثلاثة أخماس العالم الإسلامي جميعًا، فإذا أضفنا أنها تغطي مساحة الرقعة الكبرى، والكبرى جدًّا من أرض الإسلام جاز لنا أن نعدها صلب ومركز ثقل الإسلام، والقطاع ككل يبدو كقطاع ضخم بارز عبر العالم القديم حتى ليحسبه البعض كل سهيكل العالم الإسلامي، وهو ما ليس صحيحًا بالدقة؛ لأنه يغفل القطاع الشرقي برمته.

العالم العربي: حوالي الوسط الجغرافي من هذا القطاع العربي من الإسلام، يقوم العالم العربي كقلب العالم الإسلامي النابض باعتباره مهد العقيدة، وموطن الأماكن المقدسة، فالعالم العربي هو أولًا النواة النووية في الإسلام، وهو بعد القطب المغناطيسي للمؤمنين، لكن العالم العربي يعد هذا أكثر من قلب؛ إنه أيضًا رأس، ورأس مؤثرٌ وموح عند ذلك على الأقل في القطاع الغربي من الإسلام.

إن العالم العربي -كما يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي- له أهمية كبيرة في خريطة العالم السياسية؛ وذلك لأنه وطن أمم لعبت أكبر دور في التاريخ الإنساني؛ ولأنه يحتضن منابع الثروة والقوة الكبرى الذهب الأسود الذي هو دم الجسم الصناعي والحربي اليوم؛ ولأنه صلة بين أوربا وأمريكا، وبين الشرق الأقصى؛ ولأنه قلب العالم الإسلامي النابض يتجه إليه روحيًّا ودينيًّا ويدين بحبه وولائه؛ ولأنه عسى -لا قدر الله- أن يكون ميدان الحرب الثالثة؛ ولأن فيه الأيد العاملة، والعقول المفكرة، والأجسام المقاتلة، والأسواق التجارية والأراضي الزراعية.

ولأن فيه مصر ذات النيل السعيد بنتاجها، ومحصولها وخصبها، وثروتها، ورقيها، ومدنيتها، وفيه سوريا، وفلسطين، وجاراتها باعتدال مناخها، وجمال إقليمها، وأهميتها الاستراتيجية، وبلاد الرافدين بشكيمة أهلها، ومنابع البترول فيها والجزيرة العربية، بمركزها الروحي، وسلطانها الديني، واجتماع الحج السنوي الذي لا مثيل له في العالم، وآبار البترول الغزيرة؛ كل ذلك قد جعل العالم العربي محط أنظار الغربيين، وملتقى مطامعهم، وميدان تنافس لقيادتهم، وكان رد فعله أن نشأ في العالم العربي شعور عميق بالقومية العربية، وكثر التغني بالوطن العربي، والمجد العربي. محمد رسول الله، روح العالم العربي.

ولكن المسلم ينظر إلى العالم العربي بغير العين التي ينظر بها الأوربي، وبغير العين التي ينظر بها الوطني العربي؛ إنه ينظر إليه كمهد الإسلام ومشرق نوره، ومعقل الإنسانية، وموضع القيادة العالمية، ويعتقد أن سيدنا محمدًا العربي هو روح العالم العربي، وأساسه، وعنوان مجده، وأن العالم العربي بما فيه من موارد الثروة والقوة، وبما فيه من خيرات، وحسنات جسم بلا روح، وخط بلا وضوح إذا انفصل -لا سمح الله- بذلك عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع صلته عن تعاليمه ودينه.

وأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أبرز العالم العربي للوجود، فقد كان هذا العالم وحدات مفككة، وقبائل متناحرة، وشعوبًا مستعبدة، ومواهب ضائعة، وبلادًا تتسكع في الجهل والضلالات؛ فكان العرب لا يحلمون بمناجزة الدولة الرومية، والفارسية ولا يخطر ذلك منهم على بال، ولا يصدقون بذلك إذا قيل لهم في حال من الأحوال، وكانت سوريا التي تكون جزءًا مهمًّا من العالم العربي مستعمرة رومية تعاني الملكية المطلقة، والحكم الجائر المستبد لا تعرف معنى الحرية والعدل، وكان العراق مطيةً لشهوات الدولة الكيانية مثقلة في الضرائب المجحفة والإتاوات الفادحة.

وكانت مصر قد اتخذها الرومان ناقة حلوبًا ركوبًا، يَجِزُّون صوفها، ويظلمونها في علفها، ثم إنها تعاني الاضطهاد الديني مع الاستبداد السياسي، فما لبث هذا العالم المفكك المنحل المظلوم المضطهد أن هبت عليه نفحةٌ من نفحات الإسلام، الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وأدرك رسول الله من هذا العالم، وهو ضائع هالك، وأخذ بيده، وهو ساقط متهالك فأحياه بإذن الله، وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وعلمه الكتاب والحكمة وزكاه، فكان هذا العالم بعد البعثة المحمدية سفير الإسلام، ورسول الأمن والسلام، ورائد العلم، والحكمة، ومشعل الثقافة، والحضارة، كان غوثًا للأمم، غيثًا للعالم، هنالك كانت الشام، وكان العراق، وكانت مصر، وكان العالم العربي الذي نتحدث عنه، فلولا محمد صلى الله عليه وسلم ولولا رسالته، ولولا ملته لما كانت سوريا، ولا كان العراق، ولا كانت مصر، ولا كان العالم العربي، بل ولا كانت الدنيا، كما هي الآن حضارة، وعقلًا وديانةً وخلقًا.

فمن استغنى عن الإسلام من شعوب العالم العربي وحكوماته وولى وجهه شطر الغرب، أو أيام العرب الأولى، أو استلهم قوانين حياته، أو سياسته من شرائع الغرب، ودساتيره، أو أسس حياته على العنصرية، أو العروبة التي لا شأن لها بالإسلام، ولم يرض برسول الله قائدًا ورائدًا وإمامًا وقدوةً؛ فليرد على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم نعمته، ويرجع إلى جاهليته الأولى؛ حيث الحكم الروماني والإيراني، وحيث الاستعباد والاستبداد، وحيث الظلم، والاضطهاد، وحيث الجهل والضلالة، وحيث الغفلة، والبطالة، وحيث العزلة عن العالم، والخمول والجمود. فإن هذا التاريخ المجيد، وهذه الحضارة الزاهية، وهذا الأدب الزاخر، وهذه الدول العربية ليست إلا حسنة من حسنات محمد صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!