Top
Image Alt

موقفنا من الشُبه وواجبنا نحوها

  /  موقفنا من الشُبه وواجبنا نحوها

موقفنا من الشُبه وواجبنا نحوها

لو أن أحدنا عرضت له شبهة في أمر من الأمور، ما هو موقفه؟

عند الإمام مسلم في كتاب: الإيمان، روى -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: مَن خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: مَن خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك، فليستعِذْ بالله، ولينتِه)) وفي رواية: ((فليقل: آمنت بالله)).

إذن، ممكن تثار شبهة في النفوس، الشيطان يلقيها -أو أيّ جهة أخرى تلقيها من شياطين الإنس الآن من الذين نقرأ لهم أو نسمع لهم في أي مكان- ما هو الحل؟

وننقل كلامًا عن الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في أثناء شرحه لهذا الحديث في (شرح مسلم) يقول -رحمه الله تعالى-: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((فمَن وجد ذلك فليقل: آمنت بالله))، وفي الرواية الأخرى: ((فليستعذ بالله، ولينْتَه)) فمعناه: الإعراض عن هذا الخاطر الباطل، والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه.

وبعض نزغ الشيطان يكفي في ردِّه أن نقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقد ورد في ذلك قول الله -تبارك وتعالى-: {وَإِمّا يَنزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 36] {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ} [النحل: 98] لكن إذا كانت شبهة؛ ما العمل؟

 ينقل الإمام النووي عن الإمام المازري في (المعلم) قوله: قال الإمام المازري -رحمه الله-: ظاهر الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرّدّ لها، من غير استدلال ولا نظر في إبطالها، لكن والذي يقال في هذا المعنى: إن الخواطر على قسمين؛ فأما التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها شبهة طرأت، فهي التي تُدفع بالإعراض عنها، وعلى هذا يُحمل الحديث، وعلى مثلها يُطلق اسم الوسوسة، فكأنه لمّا أراد أمرًا طارئًا بغير أصلٍ؛ دُفع بغير نظر في دليل، إذ لا أصلَ له يُنظر فيه، وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة فإنها لا تُدفع إلا بالاستدلال والنظر في إبطالها.

وهذا كلام ثمين ودقيق، ويفرّق بين أمرين مهمين:

الأول: الخواطر التي لا تعتمد على أدلة، وهي من باب نزغ الشيطان أو حديث الهوى، وهذه لا أصل لها، ولا تعتمد على أدلة؛ فالوقوف معها مَضيعة للوقت وللجهد، ويكفي أن الله -تبارك وتعالى- كفانا إيَّاها بجهد بسيط وبأن نستعيذ به من نزغ الشيطان في صدورنا.

الثاني: التي فيها شُبهة أدلةٍ لا بد من العمل على إزالة هذه الشبهة.

وهذا تفريق مهم، وهو كثير في المسائل العلمية.

وحقيقة، كثير من الشبه لا يستحق أن يُردَّ عليه، لكنَّ البعض حاولوا أن يُلبسوها ثوب البحث العلمي، وأن يقيموا عليها بعض الأدلة؛ فيجب الرد عليهم بأدلة، وليس الهدف من هذا الرّدّ أن نرضيهم، فقد لا يرضون أبدًا، وربنا -تبارك وتعالى- حدثنا عن اليهود والنصارى أنهم لن يرضوا عنَّا أبدًا: {وَلَنْ تَرْضَىَ عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النّصَارَىَ حَتّىَ تَتّبِعَ مِلّتَهُمْ} [البقرة: 120] وإنما الإجابة على هذه الشبه والإشكالات إنما لتنقية صدورنا، وصدور أولادنا أبناء الإسلام.

وفي هذه الأيام المعرفةُ أبوابها مفتوحةٌ وكثيرة جدًّا عبر الحاسب الآلي، والإنترنت، والفضائيات، ولا نستطيع أبدًا إغلاق أبواب هذه الفتن؛ إنما المراد تحصين شبابنا وأولادنا ضدَّ هذه الفتن، التي هي في الحقيقة لا تعتمد على أدلة، لكن ما دام قد أثاروها وحاولوا أن يُقيموا حولها كلامًا يريدون به التنغيص على الإسلام وأهله؛ فلا بد من الرّدّ عليهم.

فإذا كان الأمر يعتمد على الأدلة فقاوم هذا الأمر بالأدلة، والإسلام دين العلم، دين التفكير الناضج، دين الاعتماد على الأدلة: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]، إن كان الذي يثير إشكالًا له أدلة نقف مع هذه الأدلة، نناقشها، ونرد عليها، ونفحمها، ونبطلها. وهذا أسلوب اعتمده القرآن الكريم واعتمدته السنة المطهرة: {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاّ الدّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنّونَ} [الجاثية: 24] فلم يردّ عليهم؛ لأن هذا مسخ للفطرة وانحراف بها، فواحِد ينكر أن الكون له رب يسيره، وآخر يقبل أن هذا الإبداع في الكون وتلك العظمة في تسيير أموره من غير مدبر. فهذا لا يتوقف عنده.

بينما مثلًا أقام القرآن الأدلة على الوحدانية، لأنها أم القضايا في الإسلام: {مَا اتّخَذَ اللّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لّذَهَبَ كُلّ إِلَـَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ} [المؤمنون: 91] {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، فهذه تعتبر أدلة، ويمكن ترتيبها في مقدمات ونتائج، لكن لأن قضية الوحدانية هي أم القضايا التي يتفرع عنها كل القضايا في دين الإسلام؛ لذلك اهتم القرآن بها، وأقام الأدلة عليها، وردَّ شُبَهَ المنكرين لها.

أما قضية أن يكون الله موجودًا -جل في علاه- هذا أمرٌ فَطَرنا الله عليه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِيَ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىَ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هَـَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوَاْ إِنّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنّا ذُرّيّةً مّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 172، 173]، إذن، ردّ القرآن الكريم على بعض الشبه، ولم يهتم ببعض الشُّبَه الأخرى.

وقوله: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] جاءت في أكثر من آية ردًّا على من يُثير شبهًا، ولم يردَّ القرآن عليه في مثل هذه الأمور، وإنما طلب منه الإتيان بالدليل حتى يُردَّ عليه.

إذا عَرَفنا الشبه نقول: المشكلات التي يثيرها أعداء الإسلام حول السنة، والخلط الذي يُثيره أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم حول السنة المطهرة، من يوم أن قال الرسول صلى الله عليه وسلم السنة -وسيظل هذا الأمر قائمًا- لم يخلُ عصر من العصور ممن يثيرون الشبه حول السنة.

وجاءت الفِرق الإسلامية وكان لها موقف معادٍ للسنة النبوية، مثل: المعتزلة، والخوارج، والمرجئة، والشيعة، وغيرهم، وامتدادًا إلى العصر الحديث من: العلمانيين، والجاحدين، والمنكرين، والمستشرقين، فهؤلاء يُثيرون الشبه حول الإسلام، وحول سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

لماذا إذن كان الهجوم على السنة؟

لأنها هي خط الدفاع الأول عن الإسلام، وهي التي تبين وتشرح القرآن الكريم، ولأنها هي التي تُشرع كما يُشرع القرآن الكريم، وهم يعلمون أن الهجوم عليها إنما هو هجوم على الإسلام ذاته، ممثلًا في مصدريه الرئيسين “القرآن الكريم والسنة المطهرة”، لو سُلم لهم هذا -والعياذ بالله- ما بقي لنا من إسلامنا شيء، ولذلك هذا الذي يجعلنا نقول: إن السنة لن يتوقف الهجوم عليها في أي عصر، طالما للإسلام أعداءٌ من داخل أرضه ومن خارج أرضه.

وأيضًا نطالب في الجهة المقابلة أن يكون للسنة المطهرة جنود يُدافعون عنها في كل زمان ومكان، وأن يُقبلوا على دراستها بروح الجندية.

error: النص محمي !!