Top
Image Alt

موقف أهل السنة من القدرية، ومذهب الجبرية

  /  موقف أهل السنة من القدرية، ومذهب الجبرية

موقف أهل السنة من القدرية، ومذهب الجبرية

أولًا: مذهب القدرية وبدعتهم, وبيان خطأ استدلالهم بالنصوص والرد عليهم:

أ. بيان مذهب القدرية المكذبين بالقدر:

وقد ذَهَب هؤلاء الناس في هذا الباب إلى نفي القدر، وزعموا أن الله -تعالى عما يقولون- لا يعلم بالأشياء قبل حصولها، ولم يتقدم علم الله سبحانه وتعالى بها، وقالوا: إن الله عز وجل لا يعلم بالموجودات إلا بعد خلقها وإيجادها!! وهؤلاء هم القدرية الأولى التي نفت علمَ الله السابق للأشياء، وزعم هؤلاء كذبًا وزورًا أن الله إذا أمر العباد ونهاهم لا يعلم مَن يطيعه ممن يعصيه.

ولا يعلم مَن يدخل الجنة ممن يدخل النار، حتى إذا استجاب العباد لشرعه أو رفضوه علم السعداءَ منهم والأشقياء، ويرفض هؤلاء الضلال الإيمان بعلم الله المتقدم، كما يكذبون بأن الله كتب مقاديرَ الخلائق قبل خلق السموات والأرض -كما ثبت ذلك بالكتاب والسنة.

وقد نشأ القول بهذا في آخر عهد الصحابة وتبرءوا منهم، كما ذكر ابن عمر رضي الله عنهماوأول مَن قال بهذا هو معبد الجهني، ثم تقلد عنه هذا المذهب الفاسد رءوس المعتزلة وأئمتهم؛ كواصل بن عطاء الغزال، وعمرو بن عبيد، ورُويت عنهم في هذا أقوال شنيعة فيها تكذيب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم, في أن الله سبحانه علم الأشياء وكتبها قبل خلقها.

وقد نص الأئمة على كفر هذه الطائفة التي لم تقر بعلم الله السابق للأشياء, وممن نص على كفرهم الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد،وقد ذكر وأشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في (مجموع الفتاوى)، وقد تلاشت بحمد الله هذه الطائفة التي تكذب بعلم الله السابق للأشياء.

يقول السفاريني -رحمه الله-: “قال العلماء: المنكرون لهذا انقرضوا، وهم الذين كفرهم عليه الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، وغيرهم من الأئمة”.

وقال القرطبي -رحمه الله تعالى-: “قد انقرض هذا المذهب, فلا نعرف أحدًا ينسب إليه من المتأخرين”.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-: “القدرية اليوم مطبقون على أن الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها؛ وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على وجه الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخف من المذهب الأول. قال: والمتأخرون منهم أنكروا تعلقَ الإرادة بأفعال العباد؛ فرارًا من تعلق القديم بالمحدثات”.

وقال النووي -رحمه الله-: “قال أصحاب المقالة من المتكلمين: انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل والذي لم يبقَ أحد من أهل القبلة عليه، وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر، ولكن يقولون: الخير من الله, والشر من غيره -تعالى الله عن قولهم-“.

وهؤلاء يطلق عليهم القدرية الثانية, وهم المعتزلة الذين أثبتوا العلم السابق ونفوا خلقَ الله لأفعال العباد؛ ذلك لأن بدعة القدرية الأولى تشتمل على أمرين؛ الأمر الأول: نفي علم الله السابق للأشياء، الأمر الثاني: نفي خلق الله لأفعال العباد، وهؤلاء انقرضوا وقد ذهبوا في روايات عهد الصحابة، وقد تبرأ منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهماومَن سَمِعَ مِن بدعتهم.

ثم جاءت المعتزلة بعد ذلك وتبنت الشق الثاني، ألا وهو نفي خلق أفعال العباد, وهؤلاء في الحقيقة مجوس ثنوية بل أعظم منهم؛ لأن الثنوية أثبتوا خالقَيْن للكون كله، وهؤلاء أثبتوا خالقين لكل فرد من الأفراد ولكل فعل من الأفعال، بل جعلوا المخلوقين كلهم خالقين، ولولا تناقضُهم لكانوا أكثر من المجوس.

وطرد قولهم ملازم ولازمه، وحاصله هو إخراج أفعال العباد عن خلق الله عز وجل وملكه، وأنها ليست في ربوبيته عز وجل, وأنه يقول في ملكه ما لا يريد ويريد ما لا يقول، وأنهم أغنياء عن الله عز وجل فلا يستعينون على طاعته ولا ترك معصيته، ولا يعوذون بالله من شرور أنفسهم ولا من سيئات أعمالهم، ولا يستهدون الصراط المستقيم.

والقدرية بزعمهم أرادوا تنزيه الله وتقديسه, عندما زعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكن الكافر هو الذي شاء الكفر، وحجتهم في ذلك أن هذا يؤدي إلى الظلم؛ إذ كيف يشاء الله الكفر من الكافر ثم يعذبه عليه، ولكنهم -كما يقول (شارح الطحاوية) رحمه الله- صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار، فإنهم هربوا بشيء فوقعوا فيما هو شر منه، فإنه يلزم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله تعالى، فإن الله قد شاء الإيمان منه على قولهم والكافر قد شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى، وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليلَ عليه، بل مخالف للدليل، ومشيئة الله الكفر من الكافر ليس ظلمًا له كما يدعي أهل الظلم من القدرية؛ فلله الحجة البالغة وله في عباده من الحكم ما لا يعلمه إلا هو -تبارك وتعالى- ويكفينا في ذلك الحديث التالي:

في (صحيح مسلم) عن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن حصين رضي الله عنه: ((أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه، أشيء قُضي عليهم من قدر ما سبق, أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم، قال: فقال: أفلا يكون ظلمًا؟ قال:ففزعت فزعًا شديدًا وقلت: كل شيء خَلْق الله ومِلْك يده، فلا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، فقال لي: يرحمك الله، إني لم أرد بما سألتك إلا لأُحْرِز عقلك؛ إن رجلين من مُزينةَ أتيَا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله, أرأيتَ ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قُضِيَ عليهم ومضى فيه من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا، بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7، 8])).

والقدرية بمسلكهم هذا -أن الله سبحانه وتعالى لم يشأ الكفر من الكافر- جعلوا لأهل الضلال سبيلًا عليهم، فقد ذكر عمر بن الهيثم قال: “خرجنا في سفينة وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فقال القدري للمجوسي: أسلم، فقال المجوسي له: حتى يريد الله، فقال القدري: إن الله يريد ولكن الشيطانَ لا يريد، قال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان، هذا شيطان قوي”، وفي رواية أنه قال: “فأنا مع أقواهما”.

ب. بيان خطأ القدرية واستدلالهم بالنصوص، والرد عليهم:

ومن ذلك أنهم قالوا: قول الله -تبارك وتعالى-: {اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] من العام المراد به الخاص، ولا سيما يقولون هذا لأهل السنة: إنكم قلتم: إن القرآن لم يدخل في هذا العموم وهو من أعظم الأشياء وأجلّها، فخصصنا منه أفعال العباد بالأدلة الدالة على كونها فعلهم ومنعهم.

قال لهم أهل السنة: القرآن كلام الله سبحانه، وكلامه صفة من صفاته، وصفات الخالق وذاته لم تدخل في المخلوق، فإن الخالق غير المخلوق، فليس ههنا تخصيص ألبتة، بل الله سبحانه بذاته وصفاته الخالقُ، وكل ما عداه مخلوق، وذلك عموم لا تخصيص فيه بوجه؛ إذ ليس إلا الخالق والمخلوق، والله وحده الخالق وما سواه كله مخلوق.

ثم قالت القدرية أيضًا مستدلين بهذا النص وقد أخطئوا فيه, قالوا: معنى قول الله تعالى: {اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} يعني: مما لا يقدر عليه غيره، وأما أفعال العباد التي يقدر عليها العباد فإضافتها إليهم ينفي إضافتها إليه؛ وإلا لزِمَ وقوع مفعولين من فاعلين، وهو محال.

قال لهم أهل السنة: إضافتها إليهم فعلًا -أي: إضافة الأعمال إلى العباد فعلًا- لا ينفي إضافتها إلى الله سبحانه وتعالى خلقًا ومشيئة، فهو سبحانه الذي شاءها وخلقها، وهم الذين فعلوها حقيقةً، فلو لم تكن مضافةً إلى مشيئته وقدرته وخَلْقه لاستحال وقوعها منهم؛ إذ العباد أعجز وأضعفُ مِن أن يفعلوا ما لم يشأه الله ولم يقدره عليهم ولا خَلَقه سبحانه وتعالى, ومما يدل على قدرة الله سبحانه وتعالى على أفعالهم قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير}.

واعتراض القدرية على الاستدلال بذلك, والجواب عنه نظيرُ الاعتراض على قوله: {اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}.

وجوابه -ونزيده تقريرًا- أن أفعالهم أشياء ممكنة، والله قادر على كل ممكن، فهو الذي جعلهم فاعلين بقدرته ومشيئته، ولو شاء لحال بينهم وبين الفعل مع سلامة آلة الفعل منهم، كما قال تعالى: {وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد} [البقرة: 253].

فهو سبحانه يحول بين المرء وقلبه، وبين الإنسان ونطقه، وبين اليد وبطشها، وبين الرجل ومشيها، فكيف يُظن به ظن السوء، ويُجعل له سبحانه مثلُ السوء, وهو أنه لا يقدر على ما يَقدر عليه عباده، ولا تدخل أفعالهم تحت قدرته؟! تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون لقدرته علوًّا كبيرًا.

ومما قالت القدرية أيضًا: نحن نقول: إن الله خالق أفعال العباد, لا على أنه محدثها ومخترعها، لكن على معنى أنه مقدّرها؛ فإن الخلق التقدير كما قال تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين} [المؤمنون: 14].

قال أهل السنة لهم: قدماؤكم ينكرون تقدير الله سبحانه لأعمال العباد ألبتة، فلا يمكنهم أن يجيبوا بذلك، ومن اعترف منكم بالتقدير فهو تقدير لا يرجع إلى تأثير، وإنما هو مجرد العلم بها والخبر عنها, وليس التقدير عندكم جعلها على قدر كذا وكذا؛ فإن هذا عندكم غير مقدور للرب ولا مصنوع له، وإنما هو صنع العبد وإحداثه، فرجع التقدير إلى مجرد العلم والخبر، وهذا لا يسمى خلقًا في لغة أمة من الأمم.

ومما نرد به عليهم ونبطل باطلهم: قول الحق -تبارك وتعالى-: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 14] وقوله: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 64] وهذا الإغراء والإلقاء هو محض فعل الله سبحانه، والتعادي والتباغض أثره وهو محض فعلهم، وأصل ضلال القدرية والجبرية من عدم اهتدائهم إلى الفرق بين فعله سبحانه وتعالى وبين فعل العبد؛ فالجبرية جعلوا التعادي والتباغض فعلَ الرب دون المتعادين والمتباغضين، والقدرية جعلوا ذلك محض فعلهم الذي لا صنعَ لله فيه، ولا قدرة له ولا مشيئة، وأهل الصراط السوي جعلوا ذلك فعلهم، وهو أثر فعل الله عز وجل وقدرته ومشيئته، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [يونس: 22] فالتسيير فعله سبحانه، والسير هو فعل العبد، وهو أثر التسيير، وكذلك الهدى والإضلال فعله سبحانه، والاهتداء والضلال هو أثر فعله، وهما أفعالنا القائمة بنا، فهو سبحانه الهادي والعبد المهتدي، وهو الذي يضل مَن يشاء والعبد الضال، وهذه الحقيقة، والطائفتان عن الصراط المستقيم ناكبتان.

ومما نرد به عليهم أيضًا: ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى-: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا} [الإسراء: 74] {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} هذا كلام الله له, فالتثبيت فعل الله سبحانه وتعالى والثبات فعل رسوله صلى الله عليه وسلم, فهو سبحانه وتعالى المثبت وعبده هو الثابت؛ ولذلك أدرك خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ذلك فقال لربه: {رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَام} [إبراهيم: 35] فههنا أمران؛ تجنيب عبادتها واجتنابه، فسأل الخليل ربه أن يجنبه وبنيه عبادتها؛ ليحصل منهم اجتنابها، فالاجتناب فعلهم، والتجنيب فعله، ولا سبيلَ إلى فعل العبد إلا بما فعل الله -تبارك وتعالى.

ومن ذلك قوله سبحانه: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} [المائدة: 13] فأخبر هنا ربنا عز وجل أنه هو الذي قسَّى قلوبهم حتى صارت قاسيةً، فالقساوة وصفها وفعلها، وهي أثر فعله وهو جعلها قاسيةً؛ وذلك أثر معاصيهم، ونقضهم ميثاقهم، وهذه كلها أدلة نرد بها على القدرية.

وقالوا: كيف يخلق الله الشر ويقدره ثم بعد ذلك يحاسب عليه, والله منزه عنه؟

وجواب هذه الشبهة قد بينه العلماء, أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، ببيان ما في خلق إبليس والحشرات والكواسر من الحكمة والرحمة، فالشيء الواحد يكون خلقه باعتبارٍ خيرًا، وباعتبارٍ آخر شرًّا، فالله خلق إبليس يبتلي به عباده؛ فمنهم مَن يمقته ويحاربه، ويحارب منهجه، ويعاديه، ويعادي أولياءه، ويوالي الرحمن ويخضع له، ومنهم من يواليه ويتبع خطواته -أي: الشيطان- فهو سبحانه خالق الخير والشر، والشر يكون في بعض مخلوقاته لا في خلقه سبحانه وتعالى وفعله؛ ولهذا فالشر لا يضاف إلى الله وصفًا ولا فعلًا، وإنما يدخل الشر في مفعولات الله تعالى بطريق العموم كقوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق * مِن شَرِّ مَا خَلَق} [الفلق: 1، 2]؛ فهنا دخل الشر بإطلاقٍ في مفعولات الله -تبارك وتعالى- وليس في فعله عز وجل, فأفعاله كلها خير.

وقد يذكر الله عز وجل الشر في كتابه, ويحذف فاعله كقوله تعالى حكايةً عن مؤمني الجن: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10]؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يثني على ربه ويكثر من هذا الدعاء، وهذا الثناء: ((والخير كله بيديك، والشر ليس إليك)) أي: لا يرجع إليك ولا يعود إليك منه حكم، ولم تخلق يا ربنا شرًّا محضًا؛ وهذا لكمال علمه، وعظمته، وعدله سبحانه وتعالى.

جـ. محاورة أهل السنة للقدرية:

بعد أن ظهر خطأ استدلالهم بالنصوص، نود أن نبين هنا: كيف أن منطق المعتزلة ما استطاع أن يقف في مجال الحِجاج مع عوامّ أهل السنة، فضلًا عن علمائهم.

فقد ذكر مثلًا أهل العلم أن أعرابيًّا أتى عمرو بن عبيد -وهو من كبار رجالات المعتزلة- فقال له: إن ناقتي سُرقت فادع الله أن يردها عليَّ، فقال عمرو بن عبيد: اللهم إن ناقة هذا الفقير سرقت ولم ترد سرقتها، اللهم ارددها عليه، فقال الأعرابي: الآن ذهبت ناقتي وأيستُ منها، قال: وكيف؟ قال: لأنه إذا أراد ألا تسرق فسرقت لم آمَن أن يريد رجوعها فلا ترجع، ونهض من عنده منصرفًا.

ومن المحاورات الجميلة العلمية في هذا المجال كذلك، محاورة عبد الجبار الهمداني التي وقعت بينه وبين أبي إسحاق الإسفرايني؛ وذلك لما دخل عبد الجبار الهمداني -أحد شيوخ المعتزلة- على الصاحب ابن عباس, وعنده أبو إسحاق الإسفراييني أحد أئمة السنة، فلما رأى الأستاذ قال: سبحان مَن تنزه عن الفحشاء, فقال الأستاذ فورًا: سبحان مَن لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، فقال القاضي: أيشاء ربنا أن يُعصى؟ فقال الأستاذ: أيعصى ربنا قهرًا؟ فقال القاضي: أرأيت إن منعني الهدى وقضى عليَّ بالردى، أحسنَ إلي أم أساء؟ فقال الأستاذ له: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فهو يختص برحمته من يشاء، فبُهت القاضي المعتزلي.

د. ذكر بعض النصوص الواردة في ذم القدرية:

إن النبي صلى الله عليه وسلم حَذَّرَ منهم أشد تحذير -أي: من القدرية- لأنه يخشى على أمته من هذا الضلال, الذي وقعوا فيه.

ففي الحديث الذي يرويه ابن أبي محجن رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أخاف على أمتي من بعدي ثلاثة: حَيف الأئمة، وإيمانًا بالنجوم، وتكذيبًا بالقدر)) وسمى الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الفريق بمجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يقولون بوجود خالقين اثنين: النور والظلمة، وهذا الفريق يقولون بوجود خالقين، بل يزعمون أن كل واحد خالق من دون الله تعالى، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بهجران هذا الفريق، فلا يُزارون ولا يعادون.

وفي الحديث الذي يرويه أحمد في مسنده بإسناد حسن، عن ابن عمر رضي الله عنهما, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لكل أمة مجوس، ومجوسُ أمتي الذين يقولون: لا قدرَ، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم”.

ثانيًا: مذهب الجبرية, والرد على ضلالهم:

1. بيان مذهب الجبرية:

الذين قالوا: إن الله شاء وأراد كل ما يقع في الكون، يسمون بالجبرية لقولهم: إن الله أجبر العباد على أفعالهم، كما يسمون أيضًا بالقدرية. قال (شارح الطحاوية) -رحمه الله-: وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر “قدريةً” أيضًا، والتسمية على الطائفة الأولى أغلب -ويعني بذلك: القدرية المعتزلة.

قدرية الجبرية غلاة، وقدرية المعتزلة نفاة:

معنى القدرية الجبرية: الغلاة الذين غالوا في القدر، فقالوا: إن الله سبحانه وتعالى ليس هو خالق أفعال العباد فقط، وإنما العبد مجبور على كل فعل؛ حتى تصرفاته الاختيارية التي مكنه الله سبحانه وتعالى منها.

القسم الثاني: القدرية النُّفاة الذين ينفون قدرة الله سبحانه وتعالى لأفعال المخلوقين، وإنما قالوا: إن المخلوقين هم الفاعلون لكل فعل، فنفوا قدر الله سبحانه وتعالى.

إذًا: هؤلاء الجبرية قد ضلوا أيضًا في باب القدر, حينما قالوا: إذا كان الله عالمًا بكل شيء نفعله، وعالمًا بمصيرنا إلى الجنة أو إلى النار، وكان هو الخالق لأفعالنا؛ فلماذا نعمل وننصب؟ ولماذا لا نترك الأقدار في أعنتها, وسيأتينا إذًا ما قُدر لنا شئنا أم أبينا؟ ويقول على هذا شاعرهم:

دع الأقدار تسير في أعنتها

*ولا تبيتن إلا خالي البال

وهذه الضلالة قد تعمقت عند طوائف العباد والزهاد وأهل التصوف، ولم تقله طائفة معدودة من طوائف أهل المقالات، وكان -ولا يزال- هذا القول على ألسنة كثير من جهال المسلمين وأهل الزيغ والزندقة.

وهذا الفريق -الجبرية- يؤمن بقدر الله عز وجل, وأنه سبحانه وتعالى عالم بكل شيء وخالق لكل شيء؛ ولكنهم زعموا أن كل ما خلقه الله وشاءه فقد رضيه وأحبه، وزعموا أنه لا حاجة بالعباد إلى العمل والأخذ بالأسباب، فما قُدر لهم سيأتيهم، وزعموا أن العباد مجبورون على أفعالهم، فالإنسان عندهم ليس له قدرة تؤثر في الفعل؛ بل هو مع القدر كالريشة في مَهبّ الريح.

وقد عرض شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لهذا الفريق ومعتقده، وبيّن في مواضع من كتبه ضلال ما هم فيه، حيث قال: الذين اعترفوا بالقضاء والقدر وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، فهؤلاء يئول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل مخلوق، وأنه ما مِن دابة إلا ربي آخذ بناصيتها، وهذا هو الذي يَبتلي به كثيرًا -إما اعتقادًا وإما حالًا- طوائف من الصوفية والفقراء، حتى يخرجَ مَن يخرج منهم إلى الإباحة للمحرمات، وإسقاط الواجبات، ورفع العقوبات.

ولام بعضهم بعضَ هؤلاء على فعله، فقال: إن كنت قد عصيت أمره فقد أطعت إرادته، ومطيع الإرادة غير ملوم، وهو في الحقيقة غير مذموم، وقرر محققوهم من المتكلمين في هذا المذهب بأن الإرادة والمشيئة في حق الرب تعالى هي واحدة، فمحبته هي نفس مشيئته، وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه، وكل ما شاءه فقد أحبه, وهذا خطأ كبير.

ولقد ظنت هذه الفرقة بالله أسوأ الظنون، ونسبته لأقبح الظلم، وقالت: إن أوامر الرب ونواهيه كتكليف العبد أمرًا ثم ينهاه عنه، وينشدون:

ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له

*إياك إياك أن تبتل بالماء

وهذا السبب هو الذي جعل الاتجاه السائد في كل العصور هو الجبر؛ ولذلك يقول ابن القيم -رحمه الله-: “عقيدة الجبر تحمل عن الإنسان تبعاته, وتضع عنه أوزار ما اقترف من الإثم، وتلقي التبعة على القوة التي حركت إرادة الإنسان، ودفعت رغبته وقادته في تصرفاته” انتهى كلامه.

2. الرد على ضلالهم:

ونرد عليهم من وجوه متعددة:

الوجه الأول: خطؤهم في إطلاق اسم الجبر, على ما يؤديه الإنسان من أفعال:

حيث استَعمل هؤلاء لفظًا لم يرد به الكتاب ولا السنة، والواجب على العباد أن يستخدموا الألفاظ التي جاءت بها النصوص.

روى اللالكائي بإسناده إلى بقية قال: سألت الأوزاعي والزبيدي عن الجبر، فقال الزبيدي: أمر الله أعظم، وقدرته أعظم من أن يجبر ويقهر، ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده على ما أحب.

وقال الأوزاعي -رحمه الله-: ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن والسنة فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يُعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد ورد مثلُ هذه الأقوال عن جَمْع من علماء السلف؛ مثل: سفيان الثوري وأبي إسحاق الفزاري، وغيرهما.

وقد ذكر شيخ الإسلام عن أبي بكر الخلال في كتابه (السنة): أن المروزي قال للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، رجل يقول: إن الله أجبر العباد، فقال: هكذا لا نقول، وأنكر ذلك وقال: {يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء} [المدثر: 31].

الوجه الثاني: إنكار الاختيار في أفعال العباد الذي ذكروه:

وهو في الحقيقة نقصٌ في العقل، فالذين يزعمون أن الإنسان ليس له إرادة يفعل بها ألغوا عقولهم فضلّوا وأضلّوا؛ وإلا فإننا نعلم من أنفسنا أن حركتنا ليست كحركة الجماد الذي لا يملك شيئًا لذاته في تحركه وسكونه، بل إننا نفرق بين الحركات غير الإرادية التي تجري في أجسادنا وبين الحركات الإرادية، فحركة القلب مثلًا وجريان الدم في دورته في عروق الإنسان ليس لنا فيها خيار، بل هي حركات اضطرارية ليس للإنسان إرادة في إيجادها وتحقيقها، أما أكل الإنسان وشربه، وركوبه، وبيعه وشراؤه، وقعوده وقيامه، وزواجه وطلاقه، ونحو ذلك، فهذا يتم بإرادته وقدرته ومشيئته.

فَمَن يقول بالجبر إذًا يلزم من قوله نقص العقل، وأن الإنسان غير مدرك لِمَا يقوم به ويفعله.

الوجه الثالث: ما ذهبوا إليه من أن كل شيء قدره الله وخلقه، فقد رضيه وأحبه:

هكذا زعموا، وهذا زعم باطل؛ لأن الله سبحانه وتعالى شاء وجود الكفر والشرك والذنوب، والمعاصي من الزنا والسرقة، وعقوق الوالدين، والكذب، وقول الزور، وأكل أموال الناس بالباطل، ولكنه سبحانه وتعالى كرهها وأبغضها ونهى عباده عنها، فهو سبحانه وتعالى وإن شاءها وأرادها كونًا وقدرًا إلا أنه يبغضها دينًا وشرعًا.

الوجه الرابع: ما ذهبوا إليه من أن الإيمان بالقدر يقضي بترك الأعمال، وإهمال الأسباب:

هكذا ذهبوا، وهكذا زعموا، ولقد أخطأ هؤلاء في دعواهم أن الإيمان بالقدر لا يحتاج العبد معه إلى العمل، ونسي هؤلاء وذهلوا عن حقيقة القدر، فالله عز وجل قدر النتائج وأسبابها، ولم يقدر المسببات من غير أسباب، فَمَن زعم أن الله سبحانه وتعالى قدر النتائج والمسببات من غير مقدماتها وأسبابها فقد أعظمَ على الله الفرية، فالله عز وجل إذا قَدر أن يرزق فلانًا رزقًا فقد جعل لذلك الرزق أسبابًا ينال بها، فمن ادعى ألا حاجة به إلى السعي في طلب الرزق، وأن ما قدر إليه من رزق سوف يأتيه سعى أم لم يسع؛ لم يفقه قدر الله سبحانه وتعالى في عباده.

ونصوص الكتاب والسنة دالة وحافلة بالأمر باتخاذ الأسباب المشروعة في مختلف شئون الحياة؛ فقد أمر بالسعي والعمل في طلب الرزق، واتخاذ العدة لمواجهة الأعداء، والتزود للأسفار، ومن ذلك قول الحق -تبارك وتعالى-: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10].

إن الأخذ بالأسباب هو من قدر الله -تبارك وتعالى- وليس مناقضًا للقدر ولا منافيًا له حتى يترك الإنسان العمل ويهمل الأسباب؛ فقد سأل الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم عن فائدة العمل إذا كانت الأعمال مقدرة مقضية, جَفَّ بها القلم وفرغ منها رب العالمين، فقال صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ذلك: ((اعملوا، فكل ميسر لِمَا خلق له، وقرأ صلى الله عليه وسلم عند ذلك: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5- 10] )).

وقال بعض الصحابة رضي الله عنهم الذين فقهوا عن الله ورسوله مرادَه, لما سمع أحاديث القدر: “ما كنت بأشد اجتهادًا مني الآن”.

ولذلك قال العلماء: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، أي: لا بد من اتخاذ الأسباب والعمل بها والسعي في تحصيلها؛ ولذلك كان محو الأسباب أن تكون أسبابًا نقصًا في العقل, والإعراض عن الأسباب بالكلية قدحًا في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنًى يتألف من موجب التوحيد، والعقل، والشرع.

والعقلاء من البشر يعلمون أنهم لا يستقلون بفعل ما يريدون، فكثير منهم تتهيأ له الأسباب، ثم يحال بينه وبين ما يشتهي، وقد ذكر اللالكائي -رحمه الله تعالى- في كتابه (شرح أصول أهل السنة والجماعة): أن رجلًا طلب من جاريته أن تسقيه، فجاءته بقدح من زجاج فصبت له ماءً فوضعه على راحته، ثم رفعه إلى فِيه، ثم قال: يزعم ناس أني لا أستطيع أن أشرب هذا، ثم قال: هي حرة إن لم أشربه، يعني: جاريته التي صبت الماء وكأنه ينفي قدرة الله عز وجل وإرادةَ الله سبحانه وتعالى, ففطنت الجارية لما كان منه، فما كان منها إلا أن ضربت القدح بطرف قميصها، فوقع القدح وانكسر وأهريق الماء، ولم يتمكن من الشراب.

وهكذا أثبتت هذه الجارية لهذا المسكين أنه لا يقدر على كل ما لم يرد, ما لم يقدره الله عز وجل.

الوجه الخامس: احتجاج القدر:

فهؤلاء يحتجون بالقدر على ترك العمل، فنجد الواحد منهم عندما يدعى إلى الصلاة والصيام وقراءة القرآن، يقول: لو شاء الله لي أن أعمل هذا عملته، كما يحتجون به على ما يوقعونه بالناس من الظلم والفساد، ويقولون في المظالم والمناكر والمفاسد التي تقع: هذه هي إرادة الله ومشيئته وليس لنا حيلة في ذلك، وقد أدى هذا بهم إلى ترك الباطل يستشري في ديار المسلمين، ونرى هذا الصنف من البشر خاضعين للظلمة، بل إن بعضًا منهم يصبحون أعوانًا للظلمة، ونراهم يخاطبون الناس قائلين: ليس لكم إلا أن تصبروا على مشيئة الله وقدره فيكم، ونرى بعض هؤلاء يفعلون الموبقات، ويرتكبون المنكرات من الزنا والفسوق والعصيان، ويحتجون لأفعالهم بالقدر، وهؤلاء إن اعتقدوا أن كل شيء واقع فهو حجة، أضحكوا العقلاء منهم، وأوقعوا أنفسهم في مأزق لا يجدون منه خلاصًا.

وذكر ابن القيم -رحمه الله- عن واحد من هؤلاء أنه رأى غلامه يفجر بجاريته، فلما أراد معاقبتهما -وكان غلامه يعرف مذهب سيده في القدر- قال له: إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك، فقال له ذلك الجاهل: لعلمك بالقضاء والقدر أحب إليَّ من كل شيء، أنت حر لوجه الله.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: العبد له في المقدور حالان؛ حال قبل القدر، وحال بعده، فعليه قبل المقدور أن يستعين بالله، وأن يتوكل عليه وأن يدعوه، فإذا قدر المقدور ووقع المقدور بغير فعله، فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به، وإن كان بفعله وهو نعمة؛ حمد الله على ذلك، وإن كان ذنبًا استغفر إلى الله عز وجل من ذلك.

وله في المأمور حالان؛ حال قبل الفعل، وهو العزم على الامتثال، والاستعانة بالله على ذلك، وحال بعد الفعل وهو الاستغفار من التقصير، وشكر الله على ما أنعم به من الخير، قال الله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [غافر: 55] أمره أن يصبر على المصائب المقدرة، وأن يستغفر من الذنب، وقال تعالى: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور} [آل عمران: 186] وقال سبحانه وتعالى ليوسف عليه السلام: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين} [يوسف: 90], فذكر الصبر على المصائب والتقوى بترك المعائب.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((احرِصْ على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عملَ الشيطان)).

وبهذه الأوجه يظهر ويتبين لنا فساد مذهب الجبرية، وأنهم ضلوا حينما زعموا أن العبد مجبور على أفعاله، وأن ما يرتكبونه من آثام ومنكرات فإن الله عز وجل رضيها كما شاءها وأحبها, والله عز وجل منزه عن ذلك.

خلاصة قول الجبرية والقدرية، ورد الإمام ابن القيم عليهما:

يقول -رحمه الله تعالى-: قال جهم وأتباعه: إن القادر على الحقيقة هو الله وحده، وهو الفاعل حقًّا، ومَن سواه ليس بفاعل على الحقيقة، ولا كاسب أصلًا، بل هو مضطر إلى جميع ما فيه من حركة وسكون، وقول القائل: قام وقعد وأكل وشرب، مجاز بمنزلة مات وكبر، ووقع وطلعت الشمس وغربت، وهذا قول الجبرية الغلاة.

وقابل لهؤلاء الجبرية -كما ذكر الإمام ابن القيم- طائفة أخرى؛ فقالوا: العباد موجدون لأفعالهم، مخترعون لها بقدرتهم وإرادتهم، والرب سبحانه وتعالى لا يُوصف بالقدرة على مقدور العبد، ولا تدخل أفعالهم تحت قدرته، وكلهم متفقون على أن الله سبحانه غير فاعل لأفعال العباد.

ثم قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: وأرباب هذه المذاهب مع كل طائفة منهم خطأ وصواب، وبعضهم أقرب إلى الصواب وبعضهم أقرب إلى الخطأ، وأدلة كل منهم وحججه إنما تنهض على بطلان خطأ الطائفة الأخرى، لا على إبطال ما أصابوا فيه، فكل دليل صحيح تقيمه القدرية فإنما يدل على أن أفعال العباد فِعْلٌ لهم، قائم بهم، وواقع بقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم، وأنهم مختارون لها غير مضطرين ولا مجبورين، فأدلة الجبرية إذًا متضافرة صحيحة على مَن نَفَى قدرة الرب سبحانه على كل شيء من الأعيان والأفعال، ونفى عموم مشيئته وخلقه لكل موجود، وأثبت في الوجود شيئًا بدون مشيئته وخلقه.

أدلة الجبرية في هذا صحيحة نرد بها على القدرية المعتزلة, الذين نفوا قدرةَ الله سبحانه وتعالى على كل شيء وخَلْقه لأفعال العباد؛ لأن المعتزلة نفوا عمومًا مشيئة الله سبحانه وتعالى, فأدلة الجبرية صحيحة في الرد على هؤلاء القدرية، وكما أن أدلة الجبرية صحيحة على هؤلاء القدرية حينما نفوا قدرة الرب -تبارك وتعالى- فأدلة القدرية أيضًا متضافرة صحيحة على مَن نفى فعل العبد وقدرته ومشيئته واختياره، وهم بذلك يردون على الجبرية.

ثم بعد ذلك يوضح من خلال آيات القرآن الكريم، ويقرب هذه المسألة ويجمع بين الحق والصواب؛ فيقول ابن القيم -رحمه الله-: وهو الذي يسير عبده في البر والبحر، وهو المسير، والعبد السائر.

وهو بهذا يشير إلى قول الله -تبارك وتعالى-: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [يونس: 22] حتى لا تعتل الجبرية بذلك, فيقولوا بأن الله هو المسير والعبد هو السائر.

إذًا: الله خلق قدرة السير في العبد، وأوجدها فيه، والعبد قام بفعل السير، وهو المحرك والعبد المتحرك، وهو المقيم والعبد القائم، وهو الهادي سبحانه والعبد المهتدي، وهو المطعم والعبد الطاعم، وهو المحيي المميت والعبد الذي يحيا ويموت، ويثبتون مع ذلك قدرة العبد وإرادته واختياره وفعله, حقيقةً لا مجازًا.

فالله عز وجل خلق الفعل في العبد، وأقدره عليه، وشاءه منه، وأراده، والعبد يقوم بفعل ما شاءه الله وأراده، وكل على حقيقته، ففعل الله على الحقيقة، وفعل العبد واقع منه على الحقيقة، وهذا تفصيل جيد في هذه المسألة الدقيقة.

وبهذا ظهر لنا فساد قول هذه الطوائف كلها -الجبرية والقدرية- وأن المنهج الوسط الحق هو منهج أهل السنة والجماعة.

تقسيم الإرادة عند أهل السنة والجماعة:

أهل السنة والجماعة يقولون: الإرادةُ في كتاب الله تعالى نوعان: إرادة قدرية خلقية أو كونية، وإرادة دينية شرعية.

فالإرادة الشرعية الدينية هي المتضمنة للمحبة والرضا، وأما الإرادة القدرية الكونية فهي المشيئة العامة الشاملة لجميع الموجودات، وهذه لا بد أن يقع مرادها، ولا يشترط فيها أن تتضمن المحبة والرضا.

الأدلة على ذلك من كتاب الله -تبارك وتعالى- وتوضيح ذلك:

الإرادة الشرعية الدليل عليها من القرآن الكريم، قول الحق -تبارك وتعالى-: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وهنا لو تأملنا ورجعنا إلى النظر في هذه الآية نجد أن الله أراد اليسر ولم يرد العسر، ومع ذلك وقع العسر عند بعض الناس ولم يكن للجميع يسر، فهذا النوع من الإرادة -الإرادة الدينية الشرعية- لا يستلزم وقوع المراد, إلا إذا تعلق به النوع الثاني من الإرادة –أي: الإرادة الكونية القدرية-.

وهذه الإرادة -وهي الدينية الشرعية- تدل دلالة واضحة على أنه سبحانه وتعالى لا يحب الذنوب والمعاصي، والضلال والكفر، ولا يأمر بها ولا يرضاها، وإن كان شاءَها خلقًا وإيجادًا، إنه سبحانه يحب ما يتعلق بالأمور الدينية ويرضاها، ويثيب عليها أصحابها ويدخلهم الجنةَ، وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وينصر بها العباد من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين.

أما الإرادة الكونية القدرية -وهي الإرادة الشاملة لجميع الموجودات- التي يقال فيها: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله كان يعني: أنه إذا وقع شيء وأراده رب العزة والجلال وشاءه وقع لا محالة، وما لم يرده وما لم يشأه سبحانه لا يكون، فلا يقع في ملك الله ما لا يريده رب العزة والجلال، وهذه الإرادة هي ما جاءت في مثل قول الله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125], وأيضًا كما جاء في قوله: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34].

وهذه الإرادة إرادة شاملة لكل ما يقع في الكون, لا يخرج عنها أحد من الكائنات بحال، فكل الحوادث الكونية داخلة في مراد الله ومشيئته هذه، وهذه يشترك فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وأهل الجنة وأهل النار، وهذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات والمعاصي دون ما لم يحدث منها.

والمخلوقات مع كل من الإرادتين أربعة أقسام:

الأول: ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله سبحانه وتعالى أراده إرادة دين وشرع، وأمر به وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك ما كان.

ومثال هذا القسم الأول: إيمان أبي بكر رضي الله عنه, فأبو بكر الصديق رضي الله عنه رضي الله منه الإيمان وأحبه وأمره به كما أراده كونًا وقدرًا، فاجتمعت فيه الإرادتان.

الثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الكفار والفجار، فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها وقعت أم لم تقع، وقد سبق أن قلنا في هذه الإرادة بأنها لا تستلزم وقوع المراد.

الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي، فإنه سبحانه وتعالى لم يأمر بها، ولم يرضها، ولم يحبها؛ إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضَى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لَمَا كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

ويمكن أن نوضح ذلك بمثال وهو كفر أبي جهل، فكفر أبي جهل أراده الله كونًا وقدرًا, وإن لم يرده دينًا وشرعًا.

الرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، أي: لم تتعلق به لا الإرادة الكونية ولا الإرادة الشرعية، فهذا ما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي، والسعيد مِن عباد الله من أراد الله منه تقديرًا ما أراد به تشريعًا، والعبد الشقي من أراد به تقديرًا ما لم يرد به تشريعًا. وأهل السنة والجماعة الذين فقهوا دين الله حق الفقه ولم يضربوا كتاب الله بعضَه ببعض، علموا أن أحكام الله في خلقه تجري وفق هاتين الإرادتين.

ثالثًا: إشكالات تتعلق بالقضاء والقدر:

الإشكال الأول: ما حكاه الله سبحانه وتعالى عن المشركين من اعتلالهم بالقدر؛ حيث احتج أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم بالقدر, فقالوا -كما ذكر الله عنهم-: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148] إلى قوله تعالى: {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين} [الأنعام: 149] فهذه الآية وغيرها حكى الله عز وجل فيها الاحتجاج بالقدر عن أعدائه، وشيخهم وإمامهم في ذلك عدوه الأحقر إبليس؛ حيث احتج على الله بقضائه، فقال: {رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين} [الحجر: 39].

فإن قيل: قد علم بالنصوص والمعقول صحة قولهم: {لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقد قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112] وقال: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13] فكيف أكذبهم ونفَى عنهم العلم, وأثبت لهم الخرص فيما هم فيه صادقون؟!

وأهل السنة جميعًا يقولون: لو شاء الله ما أشرك به مشرك، ولا كفر به كافر، ولا عصاه أحد من خلقه، فكيف ينكر عليهم ما هم فيه صادقون؟

قيل: أنكر سبحانه عليهم ما هم فيه من أكذب الكاذبين وأفجر الفاجرين، ولم ينكر عليهم صدقًا ولا حقًّا، بل أنكر عليهم أبطل الباطل، فإنهم لم يذكروا ما ذكروه إثباتًا لقدره وربوبيته ووحدانيته، ولو قالوا كذلك لكانوا مصيبين، وإنما قالوا معارضين لشرعه ودافعين به لأمره، فعارضوا شرعه وأمره ودافعوه بقضائه وقدره، فإنهم احتجوا بمشيئته العامة وقدره على محبته لما شاءه ورضي به وأذن به -أي: إنهم احتجوا بمشيئة الله سبحانه وتعالى العامة على محبته لما شاءه ورضي به وأذن فيه- فجمعوا بين أنواع من الضلال؛ معارضة الأمر بالقدر ودفعه به، والإخبار عن الله أنه يحب ذلك ويرضاه، حيث شاءه وقضاه.

ولهذا عقب رب العزة والجلال سبحانه وتعالى على ما ذكرناه آنفًا من الآية الواردة في سورة “الأنعام”، وختم ذلك بقوله: {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين} ، فهذا الختام بهذا القول بيان على أن الحجة لله سبحانه وتعالى على هؤلاء المشركين برسل الله وكتبه، والله عز وجل بين ما ينفعهم ويضرهم، وبين تمكنهم من الإيمان بمعرفة أوامره ونواهيه، وأعطاهم رب العزة والجلال الأسماع والأبصار والعقول، فثبتت حجته البالغة عليهم بذلك، واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه، فلا يجوز لعاقل أن يحتج بقدر الله سبحانه وتعالى على ما يقع منه من معاصٍ وذنوب وسيئات، وما إلى ذلك؛ لأن القدر لا يحتج به عند المعائب، وإن كان يحتج به عند المصائب.

الإشكال الثاني: استدلال القدرية بحديث احتجاج آدم وموسى:

المعتزلة والجبرية لم يفقهوا هذا الحديث، وقد استدلت به القدرية والجبرية, كلٌّ في غير موضعه ومكانه، وحديث احتجاج آدم وموسى أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنةً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى)).

فقد رد هذا الحديث مَن لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجبائي ومَن وافقه على ذلك, وأبو علي الجبائي أحد أئمة وشيوخ المعتزلة، واسمه محمد بن عبد الوهاب البصري، مات سنة ثلاث وثلاثمائة.

قال الجبائي: لو صح هذا الحديث لبطلت نبوات الأنبياء؛ فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إن صحت له الحجة بالقدر السابق؛ ارتفع اللوم عنه. وهذا من ضلال فرق الاعتزال، وجهلهم بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وسنته، فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته، لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبينا صلى الله عليه وسلم قرنًا بعد قرن.

إذًا: فريق المعتزلة ضل في هذا الحديث حينما ردوه وكذبوا به، ولم يقبلوه، وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله، كذلك أيضًا ضلت الجبرية في فهم هذا الحديث، واستدلوا به على بدعتهم، فقالوا: إن آدم حج موسى؛ لأن آدم شهد الحكم وجريانه على الخليقة، وتفرد الرب سبحانه وتعالى بربوبيته؛ لأنه لا تتحرك ذرة إلا بمشيئته وعلمه، وأنه لا راد لقضائه وقدره، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

قالوا: ومشاهدة العبد الحكم لا يدع له استقباح سيئة؛ لأنه شهد نفسه عدمًا محضًا، والأحكام جارية عليه معروفة له، وهو مقهور مربوب مدبر، لا حيلة له ولا قوة له، قالوا: ومَن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم.

فالقدرية قالوا ما قالوا في ردهم لهذا الحديث؛ كي يبطلوا قول الجبرية، وهم بلا شك أصابوا في ردهم على الجبرية وإبطال قولهم، ولكنهم وقعوا في خطأ عظيم حينما ردوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا المسلك -مسلك الجبرية وقولهم بأنه شاهد الحقيقة ومَن شاهد الحقيقة لا شيء عليه، وهو معلوم-لو صح لبطلت الديانات جملةً، وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم، ولم يبقَ للحدود معنًى.

ولهذا قال ابن سينا في إشاراته: العارف لا ينكر منكرًا؛ لاستبصاره بسر الله تعالى في القدر، وهذا كلام منسلخ من الملل، ومن تابع الرسل.

وأعرف خلق الله بالله عز وجل وهم رسل الله وأنبياؤه -صلوات الله وسلامه عليهم- هم مع ذلك أعظم الناس إنكارًا للمنكر، وإنما أرسلوا لإنكار المنكر، فالعارف أعظم الناس إنكارًا للمنكر؛ فإن الأمر يوجب عليه الإنكار، والقدر يعينه عليه وينفذه له، فنعبده بأمره وقدره سبحانه وتعالى ونتوكل عليه في تنفيذ أمره بقدره، فهذا حقيقة المعرفة. وقال بعضهم: أنا وإن عصيت أمره, فقد أطعت إرادته ومشيئته.

وبعد أن بينا فساد قول الطائفتين في هذا الحديث، قد يسأل سائل: إذًا ما الصواب في هذا الحديث؟ وما موقف أهل السنة والجماعة منه؟ وكيف نفقهه على ما قاله أئمة أهل السنة والجماعة في ذلك؟

الجواب: الصواب في هذا الحديث أن آدم عليه السلام لم يحتج بالقدر السابق على المعصية التي وقع فيها، فليس للجبرية دليل على فعلهم للمعاصي والذنوب والسيئات على ما يفعلون، وإنما احتج آدم عليه السلام بالقدر على المصيبة التي وقعت، فعندنا هنا أمران:

الأمر الأول: معصية وقعت من آدم عليه السلام, وآدم عليه السلام عصى ربه ثم تاب عليه، فتاب الله عليه.

الأمر الثاني: المصيبة التي لحقت بآدم ونالت الذرية أيضًا، وهي إخراج آدم عليه السلام من الجنة, وآدم عليه السلام هنا لم يحتج بالقدر على المعصية، وإنما احتج بالقدر على المصيبة؛ فالقدر يحتج به في المصائب ولا يحتج به عند المعائب.

ونخلص من ذلك أن حديث احتجاج آدم وموسى -عليهما السلام- أخطأت فيه المعتزلة القدرية كما أخطأت فيه الجبرية.

فالمعتزلة ردوه والجبرية جعلوه حجةً للعاصي، والأمر ليس كذلك، وليس في الحديث حجة، وآدم عليه السلام لم يحتج بالقدر السابق على الذنب الذي وقع فيه، وإنما احتج بالقدر على المصيبة التي لحقته ولحقت الذرية، وهو قد تاب من ذنبه، والاحتجاج بالقدر بعد وقوع الذنب والإقلاع منه والتوبة بعده ليس فيه محظور.

وهذا سؤال نطرحه: آدم احتج بالقدر على المصيبة التي لحقت به, والمصيبة كانت مقدرة، فهل يرضى بما قدره الله سبحانه وتعالى عليه؟

الجواب: أنه لا يوجد في كتاب الله, ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم حديث يأمر العباد بأن يرضوا بكل مقدر من أفعال العباد, حسنها وسيئها، ولكن الجواب: على الناس أن يرضوا بما أمر الله به، فليس لأحد أن يسخط ما أمر الله به، قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 65], فنحن يجب علينا أن نرضى وأن نسلم بما أمر الله به، أو أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم.

أما الرضا بالمعاصي والذنوب والآثام التي تقع من العباد، فلم يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى بشيء من ذلك، وهذا مما يجب أن يفهمه الإنسان في مسائل القدر, والصبر على المصائب واجب، أما الرضا فهو مشروع، ولكن هل هو واجب أم مستحب؟ على قولين لأصحاب أحمد وغيرهم؛ أصحهما: أنه مستحب وليس بواجب. 

رابعًا: مسائل تتعلق بالقضاء والقدر:

المسألة الأولى: الجمع بين قول الله -تبارك وتعالى-: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79], وبين قول الله -تبارك وتعالى-: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا} [التوبة: 51].

ونحن نتعرض لهذه المسألة؛ حتى لا يظن أحد أن القرآن الكريم فيه شيء من التعارض، أو أنه ينقض بعضُه بعضًا، والأمر ليس كذلك؛ ولهذا فنحن نبين هنا المراد بالحسنة والسيئة التي جاءت في هذه الآية؛ حتى نوفق بينها وبين قول الحق -تبارك وتعالى-: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا}.

فنقول -وبالله التوفيق-: الذي عليه عامة المفسرين أن الحسنة والسيئة يُراد بهما النعم والمصائب، وليس المراد مجرد ما يفعله الإنسان باختياره باعتباره من الحسنات أو السيئات، وإن كان هذا أيضًا مرادًا؛ ولذلك فلفظ الحسنات والسيئات في كتاب الله -تبارك وتعالى- يتناول هذا وهذا -أي: يتناول النعم والمصائب- وما يفعله الإنسان أيضًا باختياره من حسنات أو سيئات وذنوب، وقد قال الله تعالى: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120] فالآية لا شك أنها تناولت هذا وهذا. قال أبو العالية: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ} [النساء: 78] قال: هذه في السراء، {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ} [النساء: 78]، قال: وهذه في الضراء.

وقال السدي -رحمه الله-: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ}، والحسنة: الخصب تنتج خيولهم وأنعامهم ومواشيهم، ويحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان، قالوا: {هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ}، {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ}؛ والسيئة: هي الضرر في أموالهم، قالوا تشاؤمًا من محمد صلى الله عليه وسلم: {هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ}، أي: بتركنا ديننا واتباعنا محمدًا صلى الله عليه وسلم أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله -جل ذكره-: {قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ} [النساء: 78] الحسنة والسيئة, {فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] أي: إن النعم والمصائب كلها من عند الله الحق -تبارك وتعالى.

ولذلك أيضًا قال الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهم: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ} قال: “ما فتح الله عليك يومَ بدر”.

وكذاك قال الضحاك، وكذلك أيضًا روى ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن صالح: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} قال: فبذنبك، وإن قدرتها عليك.

فإن قيل: إذا كانت الطاعات والمعاصي مقدرة، والنعم والمصائب مقدرة، فما الفرق بين الحسنات التي هي النعم، والسيئات التي هي المصائب، فجعل هذه من الله، وهذه من نفس الإنسان؟

قيل: فُرِّق بينهما بفروق:

منها: أن نعم الله وإحسانه إلى عباده يقع ابتداءً بلا سبب منهم أصلًا، فهو سبحانه وتعالى ينعم بالعافية والرزق والنصر، وغير ذلك على مَن لم يعمل خيرًا قط، كما أخبرنا بأنه ينشئ للجنة خلقًا يسكنهم فضول الجنة، وقد خلقهم -تبارك وتعالى- في الآخرة لم يعملوا خيرًا، ويدخل أيضًا أطفال المؤمنين ومجانينهم الجنةَ برحمته بلا عمل؛ وأما العقاب فلا يعاقب سبحانه وتعالى أحدًا إلا بعمله.

الفرق الثاني: أن الذي يعمل الحسنات إذا عملها فنفس عمله الحسنات هو من إحسان الله -تبارك وتعالى- وبفضله عليه بالهداية والإيمان، ولولا الله عز وجل ما اهتدى مهتدٍ، فتوفيق العبد إلى فعل الحسنات وعمله إياها هو في الحقيقة من فضل الله -تبارك وتعالى- كما قال الله -جل ذكره- عن أهل الجنة أنهم يقولون: {وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ} [الأعراف: 43]. وفي الحديث الصحيح, وهو حديث قدسي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة والجلال، وفيه يقول: ((يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فَمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه)). وأما السيئة فلا تكون إلا بذنب العبد، وذنبُه من نفسه، وهو سبحانه وتعالى لم يقل: إني لم أقدر ذلك ولم أخلقه، بل ذكر للناس ما ينفعهم. وأما وقوع السيئات والذنوب فهي من نفس الإنسان وإن كان قدر الله سبحانه وتعالى عليه ذلك، فإذا تدبر العبد ذلك علِمَ أن ما هو فيه من الحسنات من فضل الله -تبارك وتعالى- فشَكَر الله.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: ((الحمد لله)) فيشكر الله تعالى، ثم يقول: ((نستعينه ونستغفره)) أي: نستعينه على الطاعة ونستغفره من المعصية، ثم يقول بعد ذلك صلى الله عليه وسلم: ((ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا)) فيستعيذ به من الشر الذي في النفس ومن عقوبة عمله، فليس الشر إلا من نفسه ومن عمل نفسه؛ ولذلك فرق سبحانه وتعالى بينهما هنا بعد أن جمع بينهما في قوله: {قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ}.

فبيَّن رب العزة والجلال أن الحسنات والسيئات -أي: النعم والمعاصي، والمصائب والطاعات- كلها من عند الله -تبارك وتعالى- ثم بيَّن الفرقَ الذي ينتفعون به؛ وهو أن هذا الخير من نعمة الله فاشكروه يزدكم، وهذا الشر من ذنوبكم فاستغفروه يدفعه عنكم، والمقصود هنا: أن الحسنة مضافة إليه سبحانه وتعالى من كل وجه، والسيئة مضافة إليه؛ لأنه خلقها كما خلق الحسنات، فلهذا قال: {قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ} ثم إنه إنما خلقها لحكمة ولا تُضاف إليه من جهة أنها سيئة، بل تضاف إلى النفس التي تفعل الشر، فتستحق أن يُضاف الشر والسيئة إليها.

المسألة الثانية: هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر؟

لم يكن هذا السؤال من سؤالات السلف الصالح رضي الله عنهم، ولكن هذا السؤال قد شاع في هذه الأزمان المتأخرة -مع الأسف- ومع هذا فجوابه سهل ميسور بحمد الله -تبارك وتعالى- وذلك بأن الإنسان يكون مسيرًا تارةً ويكون مخيرًا تارةً أخرى، والإنسان يعرف من نفسه ذلك، ولو لم يكن الإنسان مختارًا لفعله لكانت عقوبة العاصي ظلمًا؛ إذ كيف يُعاقب الإنسان على شيء ليس له فيه اختيار! ولولا اختيارُ العبد لفعله لكان ثواب المطيع أيضًا عبثًا؛ لأنه كيف يُثاب الإنسان على شيء لا اختيارَ له فيه، ويكون الإنسان إذًا مسيرًا أحيانًا لا اختيارَ له فيه، فهو إذًا يكون مختارًا لفعله في بعض الأحيان، ويكون مسيرًا لا اختيار له، وذلك إذا وقع الفعل بغير إرادة منه؛ ولذا فلا ينسب إليه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((من نسي فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)).

وهذه التفرقة ضرورية للغاية، فالإنسان لا نقول عنه بأنه مسير بإطلاق ولا مخير بإطلاق، ولكن الإنسان له إرادة وحرية واختيار فيما يقوم بأدائه وفعله، وهذا أمر معلوم لدى الجميع، ولو لم يكن له إرادة أحادية واختيار لوقع الجبر الذي قال به الجبرية، ولجاز لأعداء الله أن يحتجوا بقضاء الله وقدره على ذنوبهم ومعاصيهم، ونحن نعلم بالضرورة من الدين والعقل والعادة أن الإنسان يفرق بين الفعل الاختياري والفعل الإجباري، كالذي ينزل مثلًا من السطح بإرادته، ومَن يسقط بغير إرادته، فالإنسان قد ينزل من على سلم البيت مثلًا بإرادته، وقد يسقط من إحدى شرفات حجرة أو ما إلى ذلك بغير إرادته.

والإنسان يولد ذكرًا أو أنثى وليس له حرية أو اختيار في ذلك، ويولد أبيض مثلًا أو أسودَ وليست له إرادة وحرية في ذلك، لكننا نعتقد أن كل شيء سواء كان للإنسان فيه إرادة وحرية واختيار، أو لم يكن، كله من عند الحق -تبارك وتعالى- وبخلقه وإرادته.

ولعل من أفضل ما يوضح ويزيل اللبس في مثل هذه المسألة، ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى-: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيم * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين} [التكوير: 28، 29]. فلو تأملنا هذه الآية نجدها أنها أثبتت للإنسان الإرادةَ والحريةَ والاختيارَ، وذلك بقوله: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيم} ثم بعد ذلك عقَّب عليها رب العزة والجلال سبحانه وتعالى بقوله: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين} فبين أن مشيئة الإنسان تدور في فلك المشيئة العامة، وهي مشيئة رب العالمين.

ثمرات الإيمان بالقدر:

مَن تأمل في عقيدة القدر التي جاء بها الإسلام؛ وجد لها ثمارًا كثيرة طيبة, كانت ولا زالت سببًا في صلاح الفرد والأمة:

أولها: الإيمان بالقدر طريق الخلاص من الشرك:

لقد زعم كثير من الفلاسفة أن الخير من الله, وأن الشر من صنع آلهة من دونه، وإنما قالوا هذا القول فرارًا من نسبة الشر إلى الله -تبارك وتعالى- والمجوس زعموا أن النور خالق الخير، والظلمة خالقة الشر، والذين زعموا من هذه الأمة أن الله لم يخلق أفعال العباد، أو لم يخلق الضال منها، أثبتوا خالقَيْن من دون الله -تبارك وتعالى- ولا يتم توحيد الله إلا لِمَن أقر أن الله وحدَه هو الخالق لكل شيء في هذا الكون، وأن إرادته سبحانه وتعالى ماضية في خلقه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فكل المكذبين بالقدر لم يوحِّدوا ربهم، ولم يعرفوه حق معرفته، والإيمان بالقدر مفرق طرق بين التوحيد والشرك.

الثمرة الثانية: الاستقامة على منهج الله، سواء كان ذلك في السراء والضراء:

لا شك أن العباد بما فيهم من قصور وضعف لا يستقيمون على منهج سواء، قال تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19- 22], والإيمان بالقدر يجعل الإنسان يمضي في حياته على منهج سواء، لا تبطره النعمة، ولا تيئسه المصيبة، فهو يعلم أن كل ما أصابه من نعم وحسنات من الله، لا بذكائه وحسن تدبيره، كما قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ} [النحل: 53], ولا يكون حاله حالة قارون الذي بَغَى على قومه بسبب كثرة النعم، ففي السراء والضراء إنما هو بتقدير الحق -تبارك وتعالى- فيستقيم على منهج الله عز وجل.

الثمرة الثالثة: أن الإيمان بالقدر يجعل المؤمن دائمًا على حذر:

المؤمنون بالقدر دائمًا على حذر كما قال تعالى: {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُون} [الأعراف: 99] فقلوب العباد دائمة التقلب والتغير، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبها كيف يشاء، والفتن التي توجه سهامها إلى القلوب كثيرة، والمؤمن يحذر دائمًا أن يأتيه ما يضله، كما يخشى أن يختم له بخاتمة سيئة، وهذا لا يدفعه إلى التكاسل والخمول؛ بل يدفعه إلى المجاهدة الذاتية للاستقامة، والإكثار من الصالحات، ومجانبة المعاصي والموبقات.

الثمرة الرابعة: مواجهة الصعاب والأخطار بقلب ثابت:

إذَا آمن العبد بأن كل ما يصيبه مكتوب، وآمَن أن الأرزاق والآجال بيد الله؛ فإنه يقتحم الصعاب والأهوال بقلب ثابت وهامة مرفوعة، وقد كان هذا الإيمان من أعظم ما دفع المجاهدين إلى الإقدام في مَيْدان النزال، غيرَ هيابين ولا وجلين، وكان هذا الإيمان من أعظم ما ثبّت الله به قلوبَ الصالحين في مواجهة مَن ظلمهم، فكانوا لا يخافون في الله لومةَ لائم؛ لأنهم يعلمون أن الأمرَ بيد الله.

error: النص محمي !!