Top
Image Alt

موقف إخوان الصفاء من الصراع اللغوي

  /  موقف إخوان الصفاء من الصراع اللغوي

موقف إخوان الصفاء من الصراع اللغوي

أود أن أذكر أن في كتب تراثنا ما توصل إليه اللغويون المحدثون من نتائج هذا الصراع وأسبابه؛ فها هم إخوان الصفاء في رسائلهم يتحدثون عن هذا الصراع والاحتكاك وعوامله، نراهم يربطون هذا الصراع والاحتكاك بعوامل أخرى منها تأثير الكواكب والاجتهاد الفردي؛ وذلك حين رأوا أن تحول اللسان من لغة إلى أخرى وما يتبع ذلك من تحول الكتابة من صورة إلى أخرى بين الأقوام يأتي بحسب ما اتفق لهم في أصول مواليدهم وبحسب اجتهاد رئيسهم، وما أعمل فيه فكرته، وأنتجته قريحته، وأوجبته رويته بتأييد ربه تعالى وإلهامه وما أوتي من قوة وقدرة.

أقول: لقد ربطوا الصراع والاحتكاك اللغوييْن بتأثير الكواكب حين قالوا: بحسب ما اتفق لهم في أصول مواليدهم، وربطوا هذا الصراع والاحتكاك بالاجتهاد الفردي حين قالوا: بحسب اجتهاد رئيسهم، وما أعمل فيه فكرته وأنتجته قريحته وأوجبته رويته بتأييد ربه تعالى وإلهامه، وما أوتي من قوة وقدرة؛ إذ قد يغير الفرد لغة مجتمع ما عن طريق القوة والقدرة بتوفيق الله وبموجب مولده وسعادته، هكذا يعتقدون، فكل حكيم من الحكماء -كما يقولون- أو ملك من الملوك إذا أراد نقل علم أو حكمة أو دين أو شريعة من لغة إلى لغة أو من أمة إلى أمة، فإنه يتهيأ له بتوفيق الله تعالى وموجب مولده وسعادته، حتى يتمكن من ذلك ويقدر عليه. انتهى كلامهم.

ومن اللغات التي قهرت غيرها وساقها إخوان الصفا تأييد لفكرتهم: اللغة العبرية واللغة الرومية واللغة اليونانية، أما العبرية فقد نقل إليها سليمان عليه السلام العلوم والحكمة من جميع اللغات حين قهر ملوكها وذلل رؤساءها، هكذا يعتقدون، وأما الرومية فقد نقل إليها ملوك الروم علوم اليونان وحكمتهم من اللغة اليونانية حين غلبهم اليونان وقهروهم، وكذلك فعل ملوك اليونان بمن تغلبوا عليه.

أما بالنسبة للعامل الفلكي الذي جعلوه سببًا من أسباب انتشار اللغة وربطوه بالصراع اللغوي؛ فلم يقره كثير من العلماء سواء كانوا قدماء أو محدثين؛ لأن معنى ذلك أن الله باشر سلطانه في ملكه مرة واحدة ثم ترك القوانين تتحكم، ولكن الله شاء أن يخرق هذه القوانين في كثير من الحالات؛ لنعلم أن فوق القانون خالق القانون، وهو الذي يستطيع أن يجعل القانون لا يعطي النتائج؛ فالله خرق الناموس حين ضرب موسى إياها البحر فانفرق فرقتين، وأن الله سلب من النار ناموسها وهو الإحراق فكانت بردًا وسلامًا على إبراهيم، مما يدل على أن الله هو القيوم رب الخلق رب الناموس؛ وبذلك يتبين بطلان هذا العامل الفلكي… ومن أراد التوسع؛ فعليه الرجوع إلى البحث الذي أعده الدكتور أبو السعود أحمد الفخراني في كتابه (البحث اللغوي عند إخوان الصفاء).

وأما بالنسبة للاجتهاد الفردي الذي ربطوه بالصراع اللغوي الذي يؤدي إلى انتشار لغة ما فقد رأوا أن هذا التغير يأتي نتيجة تغيير الفرد لهذه اللغة باجتهاد منه، بتأييد الله له وإلهامه إن كان حكيمًا، أو بوحي الله إليه إن كان نبيًّا مرسلًا، ثم يعم هذا التغير ويصبح اجتماعيًّا عن طريق الاصطلاح والمحاكاة والتقييم، كذا يتبين لنا من نصوصهم.

إن القول بأن اجتهاد الفرد وما تنتجه قريحته يغير لغة قد ساد فترة طويلة من الزمن؛ أي: ما ذكره إخوان الصفا أقره كثير من المحدثين في قرون خلت قد ساد فترة طويلة من الزمن إلى أن ظهر اتجاه في القرن التاسع عشر عند المشتغلين بالبحوث اللغوية يرى جبرية الظواهر اللغوية لا اختيار للناس فيها، وأن تلك الظواهر لا تسير وفقًا لإرادة الأفراد أو تبعًا للأهواء والمصادفات، وإنما تسير وفقًا لقوانين لا يستطيع الفرد إلى تغييرها سبيلًا، ولا تقل في ثباتها وصرامتها واطرادها وعدم قابليتها للتخلف عن النواميس الخاضعة لها ظواهر الفلك والطبيعة.

ولذلك نرى “فندريس” في كتابه (اللغة) الذي عربه عبد الحميد الدواخلي، ومحمد القصاص يقول: لقد ساد شطرًا طويلًا من الزمن الاعتقاد بأن كل تغير صوتي إنما يصدر عن الفرد، وأنه لم يكن إلا تغييرًا فرديًّا ثم عمم، وهذا إدراك للأشياء غير صحيح؛ فليس في وسع أي فرد أن يفرض على جيرانه نطقًا تنبو عنه فطرته، وليس هناك من قسر جدير بتعميم تغير صوتي، فلأجل أن يصير تغير ما يجب أن يكون لدى كل فرد من أفراد المجموعة الاجتماعية ميل طبيعي لتحقيقه من تلقاء أنفسهم؛ بل إن سلطان المحاكاة نفسه لا يقدر هنا على شيء، فإن النطق الشاذ لا يجلب أتباعًا لصاحبه، بل لا يجلب له بوجه عام إلا السخرية منه. انتهى كلام “فندريس”.

ومع ذلك ظلت للنظرية القديمة التي طرقها إخوان الصفاء أنصار من طوائف كثيرة في إيطاليا وإنجلترا وفرنسا، وقاومت الاتجاه السالف الذكر في مبدأ أمره، أما اللغة المكتوبة؛ فقد أقرت الدراسة الحديثة ما ارتآه إخوان الصفاء؛ إذ الرسم يبدو في صورة أمور مقصودة تسيرها الإرادة الإنسانية ولا تتعارض في الوقت ذاته مع السبيل الذي يسلكه المجتمع في تطوره العام.

error: النص محمي !!