Top
Image Alt

موقف ابن أطفيش من بعض القضايا في تفسيره

  /  موقف ابن أطفيش من بعض القضايا في تفسيره

موقف ابن أطفيش من بعض القضايا في تفسيره

موقف هذا المفسر من أصحاب الكبائر:

يقول الذهبي: كذلك نجد المؤلف يحاول أن يأخذ من القرآن ما يدل على أنَّ مرتكب الكبيرة مخلد في النار وليس بخارج منها، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون} [البقرة: 81] يقول: {سَيِّئَةً} خصلة قبيحة، وهي الذنب الكبير، سواء كان نفاقًا أو إشراكًا، ومن الذنوب الكبيرة الإصرار فإن نفسه كبيرة، سواء كان على الصغيرة أو الكبيرة، ودليل على أن السيئة الكبيرة قوله تعالى: {فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ}، ويحتمل وجه آخر: وهو أنَّ السيئة الذنب صغيرًا أو كبيرًا، ثم يختص الكلام بالكبيرة بقوله: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ} وإن قلت: روى قومنا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن السيئة هنا الشرك، وكذا قال الشيخ هود -رحمه الله: إنها الشرك.

قلت: ما ذكرته أَوْلَى مما ذكراه، فإن لفظ السيئة عام، وحمله على العموم أولى؛ إذ ذلك تفسير منهما لا حديث، ولا سيما أنهما وقومنا يعترفون بأن الكبيرة تدخل فاعلها النار، ولم يحصل دخولها على الشرك، ومعترفون بأنَّ لفظ الخلود يطلق على المكث الكبير، سواء كان أبديًّا أو غير أبدي، وادعاء أن الخلود في الموحدين بمعنى المكث الطويل، وفي الشرك بمعنى المكث الدائم، استعمال للكلمة في حقيقتها ومجازها، وهو ضعيف، وأيضًا ذكر إحاطة الخطيئات ولو ناسب الشرك كغيره، لكنه أنسب بغيره؛ لأن الشرك أقوى، {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ} ربطته ذنوبه، وأوجبت له دخول النار؛ فصار لا خلاص منه كمن أحاط به العدو أو الحرق أو حائط السجن، وذلك بأن مات غير تائب.

حملته على أهل السنة:

يقول الذهبي في (التفسير والمفسرون جـ2، صـ323): ونرى المؤلف كلما سنحت له الفرصة للتنديد بجمهور أهل السنة، القائلين بأنَّ صاحب الكبيرة من المؤمنين يعذب في النار على قدر معصيته، ثم يدخل الجنة بعد ذلك، ندَّد بهم ولمزهم، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون} [البقرة: 4] يقول: ونرى أقوامًا ينتسبون إلى الملة الحنيفية يضاهئون اليهود في قولهم: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}.

مغفرة الذنوب:

ثم إنَّ المؤلف حمل كل آيات العفو والمغفرة على مذهبه القائل: بأنَّ الكبائر لا يغفرها الله إلّا بالتوبة منها والرجوع عنها، ويحمل على الأشاعرة القائلين بأنَّ الله يجوز أن يغفر لصاحب الكبيرة وإن لم يتب، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: {الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء} [البقرة: 284] يقول: ولا دليل في الآية على جواز المغفرة لصاحب الكبيرة الميت بلا توبة منها، كما زعم غيرنا لحديث: “هلك المصرون”.

وعند قوله تعالى: {وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء} [آل عمران: 129] يقول: يغفر لمن يشاء الغفران لهم، بأن يوفقه للتوبة، ويعذب من يشاء تعذيبه بألّا يوفقه، وليس من الحكمة أن يعذب المطيع، وليس منها أن يرحم العاصي المصرّ، وقد انتفى الله من أن يكون ظالمًا، وعُدَّ من الظلم النقص من حسنات المحسن، والزيادة في سيئات المسيء، وليس من الجائز عليه ذلك، خلافًا للأشعرية في قولهم: يجوز أن يدخل الجنة جميع المشركين، والنار جميع الأبرار، وقد أخطئوا في ذلك.

وعند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم} [الزمر: 53] يقول: بشرط التوبة منها، بدليل التقييد بها في مواضع من القرآن والسنة، والمطلق يُحْمَل على المقيد، وقد ذكرت في القرآن مرارًا شرطًا للغفران، فذكرها فيما ذكِرَت ذِكْرٌ لها فيما لم تذكر، وإنما تحذف لدليل، والقرآن في حكم كلام واحد لا يتناقض -حاشاه- وأيضًا لا يليق أن يذكر لهم أنه يغفر الكبائر بلا توبة، مع أنه ناهٍ عنها؛ لأن ذلك يؤدي بهم إلى الاجتراء عليها، وقد أخفى الصغائر لئلَّا يُجْتَرَأ عليها من حيث إنه غفرها.

ويدل لذلك تعقيب الآية بقوله: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} لئلَّا يطمع طامع؛ كالقاضي -يريد البيضاوي- في حصول المغفرة بلا توبة، ويدل له أيضًا قراءة ابن مسعود وابن عباس: “يغفر الذنوب جميعًا لمن يشاء” أي: لمن يشاؤه بالتوبة، وأما قوله: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم} فاستئناف معلَّل لمغفرة الذنوب بالتوبة، أي: يغفرها ويقبل التوبة منها؛ لأن من شأنه الغفران العظيم والرحمة العظيمة، وملكه وغناه واسع لذلك.

والمراد بالآية: التنبيه على أنه لا يجوز لمن عصى الله –أيَّ: عصيان كان- أن يظن أنه لا يغفر له، ولا تقبل توبته، وذلك مذهبنا معشر الإباضية، وزعم القاضي وغيره أن الشرك يغفر بلا توبة، ومشهور مذهب القوم: أنَّ الموحد إذا مات غير تائب يرجى له، وأنه إن شاء عذبه بقدر ذنبه وأدخله الجنة، وإن شاء غفر له، ومذهبنا: أنَّ من مات على كبيرة غير تائب لا يرجى له.

رأيه في الشفاعة:

يقول الذهبي في (التفسير والمفسرون): يرى المؤلف أن الشفاعة لا تقع لغير الموحدين، ولا لأصحاب الكبائر، ومن خلال رأيه هذا ينظر إلى آيات الشفاعة، فلا يرى فيها إلّا ما يتفق ومذهبه، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُون} [البقرة: 48].

يقول: وإن قلتَ: فهل الشفاعة والفداء بالعدل واقعان، ولكن لا يقبلان، أم غير واقعين؟

قلت: غير واقعين، أمَّا من تأهل للشفاعة من الملائكة والأنبياء والعلماء والصالحين، فلا يتعرضون بها لمن ظهرت شقاوته لهم، فإن تعرضوا بها لهم قبل أن تظهر لهم، قيل لهم: إنهم بدَّلوا وغيَّروا وليسوا أهلًا لها، فيتركوا التعرض لها، وأما من لم يتأهّل لها فمشغول بنفسه، لا يدري ما يفعل به.

وعند تفسيره لقوله تعالى {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 123] يقول: ولا تنفعها شفاعة؛ لعدمها هناك، المراد أنَّه لا شفاعة تنفعها، فالشفاعة هنالك منفية من أصلها، وليس المراد أنَّ هناك شفاعة لا تقبل؛ وإنما ساغ ذلك لأنَّ القضية السالبة تصدق بنفي الموضوع، كما تصدق بنفي المحمول.

وأيضًا عند قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] يقول: فالآية نصٌّ أو كالنصِّ في ألَّا شفاعة لأهل الكبائر، أي: أنت بريء منهم على كل وجه، وقد علمتَ عن عمر وأبي هريرة أن الآية في أهل البدع من هذه الأمة.

رؤية الله تعالى:

يقول الذهبي: يرى صاحبنا أن رؤية الله غير جائزة ولا واقعة لأحد مطلقًا، ويصرِّح بذلك في تفسيره لآيات الرؤية، ويرد على أهل السنة الذين يقولون بجوازها في الدنيا، ووقوعها للمؤمنين في الآخرة، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] نراه يذكر ما ورد من الروايات في هذا الباب، ومن الروايات رواية تفيد أنَّ موسى سأل ربه أن ينظر إليه بالمجاهرة، يعقِّب عليها فيقول: وهذه الرواية تقتضي أنَّ موسى يجيز الرؤية حتى سألها ومنعها الله منه، وليس كذلك، بل إن صحَّ سياق هذه الرواية فقد سألوه الرؤية قبل ذلك، فنهاهم عن ذلك وحرَّمه، أو سكت انتظارًا للوحي في ذلك، فلما فرغ وخرج عاودوه ذكر ذلك، فقال لهم: قد سألته على لسانكم كما تحبون؛ لأخبركم بالجواب الذي يفيد أنه لا رؤية، فتجلَّى للجبل بعض آياته فصار دكًّا، فكفروا بطلب الرؤية؛ لاستلزامها اللون والتركيب والتحيز والحدود والحلول، وذلك كله يستلزم الحدوث، وذلك كله محال على الله، وإن كان ذلك مستلزمًا عقلًا لم يختلف دنيا وأخرى، فالرؤية محال دنيا وأخرى، ولا بالإيمان والكفر، والنبوة وعدمها.

وأيضًا عند قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً} [النساء: 153] الآية، يقول: فأخذتهم الصاعقة بظلمهم؛ إذ سألوا رؤية الله -جلَّ وعلا- الموجبة للتشبيه، وقالت الأشعرية: الصاعقة إنما هي من أجل امتناعهم من الإيمان بما وجب إيمانه، إلّا بشرط الرؤية، لا من أجل طلب الرؤية، وخلاف ظاهر الآية، مع أن الرؤية توجب التحيز والجهاد والتركيب والحلول واللون، وغير ذلك من صفات الخلق.

يقول المؤلف: ويدل لما قلته قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] والأشعرية لما أفحموا قالوا: بلا كيف. وحديث الرؤية إن صحَّ فمعناه: يزدادون يقينًا بحضور ما وعد الله في الآخرة، فلا يشكون في وجود الله وكمال صدقه وقدرته، كما لا يشكون في البدر.

أفعال العباد:

يقول الذهبي: وإذا كان المؤلف يتأثَّر بآراء المعتزلة أحيانًا، فإنه يصرح بمخالفتهم في بعض المسائل، فمثلًا نراه يقرر أنَّ أفعال العباد كلها بإرادة الله، وأن العبد لا يخلق أفعال نفسه، ونراه يرد على المعتزلة ولا يرضى موقفهم من هذه المسألة، فمثلًا عندما فسر قوله تعالى: {وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [الأنعام: 107] يقول: ولو شاء الله عدم إشراكهم بالله تعالى ما أشركوا به شيئًا، فالآية دليل على أنَّ إشراكهم بإرادة الله ومشيئته، وفيه ردٌّ على المعتزلة في قولهم: لم يرد معصية العاصي، وزعموا أنَّ المعنى: لو شاء الله لأكرههم على عدم الإشراك، ولزم عليهم أن يكون مغلوبًا على أمره إذا عصى، ولم يرد المعصية، بل أراد الإيمان منهم ولم يقع، تعالى الله عن ذلك، والحق أن المعصية بإرادته ومشيئته، مع اختيار العاصي لا جبر؛ للذم عليها والعقاب والنهي عنها.

وعند تفسيره لقوله تعالى:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] يقول: من إيمان وكفر وخير وشر، مما هو كائن دنيا وأخرى.

موقفه من المتشابه:

يقول الذهبي: كذلك نجد المؤلف يقف من المتشابه موقفَ التأويل، ويعيب على من يقول بالظاهر، وإن فوض علمه وكيفيته لله، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُور} [البقرة: 210] يقول: إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، على حذف المضاف أي: أمر الله، بدليل قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل: 33] والحاصل أن مذهبنا ومذهب هؤلاء -يريد المعتزلة- ومن وافقهم، تأويل الآية عن ظاهرها إلى ما يجوز وصف الله به.

كذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين} [المائدة: 42] نراه يذكر الحديث القائل: ((إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين)) ثم يقول: و((يمين الرحمن)) عبارة عن المنزلة الرفيعة، والعرب تذكر اليمين في الأمر الحسن، ودلَّ لذلك قوله: ((وكلتا يديه يمين)) والتأويل في مثل ذلك هو الحق. وأما قول سلف الأشعرية في مثل ذلك: إنا نؤمن به وننزّهه عن صفة الخلق ونكل معناه إلى الله، ونقول: هو على معنًَى لا يليق به، وكذا طوائف من المتكلفين، فجمود وتعامٍ عن الحق.

وعند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] يقول: و{اسْتَوَى} بمعنى استولى للملك والغلبة والقوة والتصرف به كيف شاء، والعرش جسم عظيم، وذلك مذهبنا ومذهب المعتزلة وأبي المعالي وغيره من حذاق المتكلمين، وخصَّ العرش بذكر الاستيلاء لعظمته.

موقفه من تفسير الصوفية:

يقول الذهبي: نجد المؤلف يبدي رأيه في تفسير الصوفية بصراحة تامَّة، ويحمل على من يفسِّر هذا التفسير، فيقول عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون} [البقرة: 3] قيل: ويحتَمل أن يراد الإنفاق من جميع مما رزقهم الله من أنواع الأموال، والعلم، وقوة البدن، والجاه، وفصاحة اللسان، ينفعون بذلك عيال الله سبحانه على الوجه الجائز، وقيل المعنى: ومما خصصناهم به من أنوار معرفة الله -جل وعلا- يفيضون، وهذا القول والذي قبله أظنهما للصوفية أو لمن يتصوف، وليس تفسير الصوفية عندي مقبولًا إذا خالف الظاهر وكان تكلفًا، أو خالف أسلوب العربية، ولا أعذُر من يفسر به ولا أقبل شهادته.

موقفه من الشيعة:

يقول الذهبي: صاحبنا لا يسلِّم للشيعة استدلالهم على إمامة علي؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون} [المائدة: 55] بل نراه يفنِّد احتجاجهم بالآية، فيقول: وزعم الشيعة أنَّ “الذين آمنوا”: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ}، إلى قوله: {رَاكِعُون}، المراد به علي بن أبي طالب، وأن جملة “هم راكعون” حال من واو “يؤتون الزكاة”، وهي مقارنة، وأنه أعطى الزكاة وهو في الصلاة راكع: سأل سائل وهو في ركوع الصلاة فأعطاه خاتمه في حال ركوعه، وأراد به الزكاة، وعبَّر عنه بالجمع تعظيمًا، وهي دعوى بلا دليل عليها، والأصل العموم، والأصل ألَّا يطلق لفظ الجمع على المفرد، ومن دعوى الشيعة أنَّ المراد بالولي في الآية المتولِّي للأمور، المستحق للتصرف فيها، وأن هذه الآية دليل على إمامة علي، وهذا أيضًا تكلف بلا دليل.

وهيُ رأيه في التحكيم:

يقول الدكتور محمد حسين الذهبي: نرى المؤلف يتأثّر في تفسيره هذا بعقيدته في مسألة التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما فيفر من الآيات التي تعارضه، ويمكن أن تكون مستندًا لمخالفيه، فمثلًا: عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35] نراه يقول: لا دليل في الآية على جواز التحكيم؛ لأنَّ مسألة الحال إنما هي ليتحقق بالحَكَمين ما قد يخفى من حال الزوجين، بخلاف ما إذا ظهر بطلان إحدى الفرقتين، بأنَّ الله قد حكم بقتالها، وأيضًا المراد هنا الإصلاح مثلًا لا مجرَّد بيان الحق.

وعند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الحجرات: 10] يقول: والإصلاح بالنصح والدعاء إلى حكم الله، ثم يقول: وسمع علي رجلًا يقول في ناحية المسجد: لا حكم إلّا لله، فقال: كلمة حقٍّ أريد بها باطل؛ لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم في أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال. قلت: الحق أنه إذا حكم الله بحكم في مسألة فلا حكم لأحد فيها سواه؛ فالحق مع الرجل ولو كان علي أعلم عالم. ثم قال: قيل: وفي الآية دليل على أن البغي لا يزيل اسم مؤمن؛ لأن الله سماهم مؤمنين مع كونهم باغين، وسمّاهم إخوة مؤمنين، قلت: لا دليل، أما وإنَّ طائفتين من المؤمنين، فلتسميتهم فيه مؤمنين باعتبار ما يظهر لنا قبل ظهور البغي، وأمَّا {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} فتسميتهم فيه مؤمنين إخوة باعتبار ما ظهر لنا قبل البغي، وقوله: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} فيه معنى: اهدوهم إلى الحال التي كانوا عليها قبل، أو المراد بالمؤمن الموحِّد بدليل: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) وأمَّا لفظ: آمَنَ وإيمان؛ فلا يختصان بالموفِّي.

وهي إشادته بالخوارج، وحطّه من قدر عثمان وعلي ومن والاهما:

إنه لا تأتي مناسبة لذكر الخوارج إلّا رفع من شأنهم، ولا لذكر علي أو عثمان أو من يلوذ بهما إلَّا وغض من شأنهم، ورماهم بكل نقيصة، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}[ [آل عمران: 105- 106] إلخ، نراه يعيب على مَنْ يقول من المفسرين: إنَّ الذين تفرَّقوا واختلفوا هم مَنْ خرج على عليٍّ عند قبوله التحكيم. ويقول: إنَّ أمر الحكمين لم يكن حين نزلت الآية، بل في إمارة علي، وتفرقوا واختلفوا، صيغتان ماضويتان، ولا دليل على صرفها للاستقبال، ولا على التعيين لمن ذكر، بل دلت الآية على خلوصهم من ذلك، وعلى أنهم المحقون الذين تبيضّ وجوههم، فمن خالفهم فهو داخل في قوله تعالى: {وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُون} وهو يعمّ كل من كفر بعد إيمانه، واعلم أنه قد خرج على عليّ حين أذعن للحكومة صحابة كثيرون رضي الله عنهم، وتابعون كثيرون، فترى المخالفين يذمون ويشتمون من خرج عنه، ويلعنونه غير الصحابة الذين خرجوا عنه، والخروج واحد، إمَّا حقٌّ في حق الجميع، وإمَّا باطل في حقِّ الجميع، فإذا كان حقًّا في جنب الكل؛ فكيف يشتمون من خرج عليه غير الصحابة، وإن كان باطلًا في جانب الكل، فقد استحقَّ الصحابة الشتم أيضًا -عافاهم الله.

ونرى المخالفين يروون أحاديث لم تصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يصح الحديث ويزيدون فيه، وقد يصح ويؤولونه فينا وليس فينا، ثم سرد المؤلف بعض الأحاديث التي حملت عليهم، وردها بعدم صحتها، أو بحملها على خبلات الخوارج، أو بحملها على من قبل التحكيم.

ثم قال: والدليل الأقوى على أنَّ تلك الأحاديث ليست فينا، ولا فيمن اقتضينا بهم، وأن الراضين بالتحكيم هم المبطلون، ما رواه أبو عمر وعثمان بن خليفة، أنَّ رجلًا من تلاميذ أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس، لقيه بعد ما وقع فيما وقع من أمر التحكيم، فقال له: قف -يا عبد الله بن قيس- أستفتك، فوقف، وكان التلميذ قد حفظ عنه أنه حُكِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “سيكون في هذه الأمة حكمان ضالان مضلان يضلان ويضل من اتبعهما، قال: فلا نتبعهما وإن كنت أحدهما”، ثم قال له التلميذ: إن صدقت فعليك لعنة الله، وإن كذبت فعليك لعنة الله، ومعنى ذلك: إن كانت الرواية التي رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة ثم وقع فيها: “فعليه لعنة الله”، وإن كاذبًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعليه لعنة الله؛ لنقله الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا محيص عن الأمرين جميعًا.

وعند تفسيره لقوله تعالى: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [التوبة: 39] نراه يحاول الغض من شأن عثمان الذي بذل ماله في غزوة تبوك دفاعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرةً لدين الله، فيقول: عن عمران بن حصين أنَّ نصارى العرب كتبت إلى هرقل: إنَّ هذا الرجل الذي يدَّعي النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلًا من عظمائهم وجهّز معه أربعين ألفًا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهَّز عيرًا إلى الشام، فقال له: يا رسول الله، هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائة أوقية. قال صاحب المواهب: قال عمران بن حصين: فسمعته يقول: ((لا يضر عثمان ما عمل بعدها))، والعهدة على القسطلاني وعمران، فإن صحَّ ذلك فمعنى ذلك: الدعاء له بالخير لا القطع بأنه من أهل الجنة. وعن عبد الرحمن بن سمرة، جاء عثمان بن عفان بألف دينار في كمِّه حين جهّز جيش العسرة، فنثرها في حجره صلى الله عليه وسلم، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره ويقول: ((ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم))، فإن صحَّ هذا، فذلك أيضًا دعاء، وإنما قلت ذلك لأخبار سوءٍ وردت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعند تفسيره لقوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} [الكهف: 103] إلى قوله: {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا} [الكهف: 106] يقول: وزعم عليٌّ أنهم أهل حروراء، وهم المسلمون الذين خرجوا عنه؛ لعدم رضاهم بالتحكيم فيما كان لله فيه حكم، وسأله ابن الكواء فقال: منهم حروراء، وسئل: أهم مشركون؟ فقال: لا. فقال: أمنافقون؟ فقال: لا؛ بل إخواننا بغوا علينا، وذلك خطأ تشهد به عبارته؛ لأنه ليس الإنسان إلّا مؤمنًا أو مشركًا أو منافقًا، فإذا انتفى الشرك والنفاق عن أهل حروراء فهم مؤمنون، والمؤمن لا يوصف بالبغي وهو مؤمن، ومن بغى دخل في حدود النفاق، وأيضًا الباغي من يرى التحكيم فيما كان لله فيه حكم، والسافك دماء من لم يتبعه على هذه الزلة، وأيضًا أهل حروراء لم يكفروا بآيات الله ولا بلقائه، بل مؤمنون بآيات الله والبعث، والأخسرون أعمالًا قد وصفهم الله سبحانه وتعالى بكفر الآيات واللقاء، ولست أقول ذلك معجبًا بنفسي ولا متعجبًا ممن عصى، بل حقّ ظهر لي فصرَّحت به.

وعند تفسيره لقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ} [النور: 55] قال: المستخلفون عن الضحاك: إنَّ “الذين آمنوا” هم أبو بكر وعمر وعثمان، وإن استخلافهم: إمامتهم العظمى، ثم قال: وفي أيام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبعدهم كانت الفتوح العظيمة، وتمكين الدين لأهله، لكن لا دليل في ذلك على إصابة عثمان وعلي، فهنا، وإن كانت خلافتهما برضا الصحابة؛ لكن ما ماتا إلّا وقد بدَّلَا وغيَّرا فسحقًا، كما في أحاديث عنه صلى الله عليه وسلم أنهما مفتونان.

وعند تفسيره لقوله تعالى في آخر الآية السابقة: {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [النور: 55]، يقول: أقول: والله أعلم بغيبه: إنَّ أول من كفر بتلك النعمة وجحد حقها عثمان بن عفان، جعله المسلمون على أنفسهم وأموالهم، فخانهم في كل ذلك، زاد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووسعه، وابتاع من قومٍ وأبى آخرون فغصبهم، فصاحوا به فصيرهم للحبس، وقال: قد فعل بكم عمر هذا فلم تصيحوا به، فكلَّمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد فأطلقهم من السجن، وقد جمع في ذلك المال المقصود، وقذف عمر رضي الله عنه واستعمل أخاه لأمه وهو الوليد بن عقبة، “ونزل واتقوا فتنة بحضرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعثمان وعلي، فقال لعثمان: بك تفتح وبك تشب، وقال لعلي: أنت إمامها وزمامها وقائدها، تمشي فيها مشي البعير في قيده. وقال لضرس -بعض الجلوس-: في نار جهنم أعظم من جبل أحد، وقال: يثور دخانها تحت قدمي رجل يزعم أنه مني وليس مني، ألا إن أوليائي المتقون.

اعتداده بنفسه، وحملته على جمهور المسلمين:

يقول الدكتور محمد حسين الذهبي في (التفسير والمفسرون جـ2، صـ335): هذا وإنَّ المؤلف ليفخر كثيرًا في مواضع من تفسيره بنفسه وبأهل نحلته، ويرى أنه وحزبه أهل الإيمان الصادق والدين القويم والتفكير السليم، وأمَّا من عداهم فضالّون مضلّون مبتدعون مخطئون، فمثلًا نجده عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} [البقرة: 170] يقول ما نصه: واعلم أن الحق هو القرآن والسنة، وما لم يخالفهما من الآثار، فمن قام بذلك فهو الجماعة والسواد الأعظم، ولو كان واحدًا؛ لأنه نائب النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، والتابعين الذين اهتدوا، وكل مهتدٍ.

ومن خالف ذلك فهو مبتدع ضال، ولو كان جمهورًا، هذا ما يظهر لي بالاجتهاد، وكنت أقرره للتلاميذ عام تسع وسبعين ومائتين وألف، فأصحابنا الإباضية الوهبية هم الجماعة والسواد الأعظم وأهل السنة، ولو كانوا أقل الناس؛ لأنهم المصيبون في أمر التوحيد وعلم الكلام والولاية والبراءة والأصول دون غيرهم.

وأيضًا عند تفسيره لقوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} [هود: 112] يقول ما نصه: واعلم يا أخي -رحمك الله- أني استقريت هذه المذاهب المعتبرة؛ كمذهبنا معشر الإباضية، ومذهب المالكية، ومذهب الشافعية، ومذهب الحنفية، ومذهب الحنبلية بالمنقول والمعقول، فلم أرََ مستقيمًا منها في علم التوحيد والصفات سوى مذهبنا، فإنه مستقيم، خالٍ عن التشبيه والتعطيل، حججه لا تقاومها حجة، ولا تثبت لها -والحمد لله وحده.

بعد ذلك يقول الدكتور حسين الذهبي: هذا هو مفسرنا الإباضي، وهذا هو تفسيره الذي ملأه بالدفاع عن العقيدة الزائفة، والتعصب للمذهب الفاسد، وهو بعد -كما ترى- لا يسلم من مجاراة المعتزلة في بعض عقائدهم، كما لم يسلم من الأحاديث الموضوعة التي جرت على ألسن وضّاع الخوارج؛ لينصروا بها مذهبهم، ويروجوا لها بين الناس.

error: النص محمي !!