Top
Image Alt

موقف الإسلام من الدعوة إلى القومية

  /  موقف الإسلام من الدعوة إلى القومية

موقف الإسلام من الدعوة إلى القومية

إن أول ما يدل على بطلان فكرة القومية وأنها شر لا خير فيها، أن وراء قيامها اليهود والنصارى وسائر الملاحدة، فماذا ننتظر أن تأتي به من الخير للبشرية أو للمسلمين بخصوصهم بعد هذه التيارات المنشئة لها؟!!
ألم يكن غرض القوميين هو تفتيت أي مجتمع متماسك والانفراد بكل تجمع لا يتفق وأهدافهم؟ ألم يتفرق المسلمون بعد دخول القوميات بينهم اعتزاز كل قطر بقوميته، ومآثره الجاهلية؟ وأصبح المسلمون بصفة عامة لا يلوي بعضهم على بعض بعد أن تقطعت الدولة الإسلامية إلى أوصال ممزقة، يقاتل بعضهم بعضًا في حروب أهلية، تأخذ الأخضر واليابس، والقومية تمدهم بكل المبررات لهذا السلوك الذي حذر منه الإسلام؟
وبالرغم من تلك المناداة الجوفاء التي أطلقها دعاة الفكرة القومية من أن الناس سيعيشون في منتهى السعادة حينما يطبقون تعاليم القومية بحذافيرها، وأن كل قطر يلتزم بها سيصبح محترمًا، فكانت النتيجة أن حَل بهم الشقاء والذل، سواء أكانوا من العرب أو من غيرهم، بل لقد شقي بها مَن كان مهد نشأتها من الدول الأوربية، ونداءات مَن ينتسبون إلى العرب بخصوصهم إنما هي دلالات على حمقهم ورعونتهم، وإلا فأي مستند لهم أفي القرآن الكريم؟ أم في السنة النبوية؟ هل وجدوا نصًّا فيهما يمجد العروبة أو يدعو إليها؟
كلا، نعم ورد في القرآن الكريم ما يفيد نسبة الشخص إلى قومه، وهذا معروف، فإن لكل شخص قومًا، وفيه نسبه بحسب الواقع، وهي أمر معروف وبدهي، وليس في القرآن الكريم الافتخار بالقومية أو الدعوة إلى التجمع حولها، أو جعلها بديلًا عن الدين، بل ما ورد في السنة يدل على عكس ذلك، حيث وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها دعوى جاهلية، وأنها خبيثة يجب الانتهاء منها.
ودعاة القومية تجدهم في تلمسهم لأي أمر يمدحون فيه القوميات الجاهلية، يذكرون بعض الصفات الحميدة من الصدق والكرم والشجاعة والإيثار، ونحو ذلك، ويجعلونها حضارة عريقة لهم ويهولون من أمرها؛ ليحببوا الناس إلى الرجوع إليها. ويذكرون كذلك بعض الآثار من العمران أو التحف، ثم يقفون أمامها خاشعين ذليلين، زاعمين أن أهل العصور المتأخرة لا يمكنهم بحال عمل ذلك، أو ما يقاربه؛ وذلك ليملئوا فراغ قلوب من يصغون لكلامهم ممن قصر فَهمهم للإسلام.
ومن غرائب الأمور أن ينادي القوميون سواء أكانوا من العرب أو من غيرهم، بأن في التمسك بالقومية تحقيقًا للوحدة والتآلف، فهل تمت الوحدة الشاملة التي ينادي بها زعماء القومية العربية أو غيرهم؟ أم أن القومية كانت هي المعول الهدَّام للوحدة في كل بلد حلت به من بلدان العرب أو من غير العرب: {فَإِنّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَـَكِن تَعْمَىَ الْقُلُوبُ الّتِي فِي الصّدُورِ} [الحج: 46].
لقد ظن دعاة القومية – إن أحسنا بهم الظن- أنها رابطة حقيقية لتوحيد من يتعصبون لهم أيًّا كانت تلك القومية؛ إما وطنية أو اللغة بعينها، أو تاريخًا مشتركًا، ولكنها في الحقيقة سَراب: {يَحْسَبُهُ الظّمْآنُ مَآءً حَتّىَ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النور: 39].
فقد ثبت بتجارب الأمم على مر التاريخ أن الذي يوحد الناس حقيقة، ويؤلف بين قلوبهم ويجعلهم كالجسد الواحد أو كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، إنما هو الالتزام بمنهج الله تعالى ودينه القويم، وما عدا ذلك فإنه خُدع وتضليلات يُراد من ورائها مصالح بشرية تزول بزوال تلك المصالح، شأن التشريعات والاجتماعات الجاهلية التي أبت شرع الله تعالى، ورضوا بالتحاكم إلى الطاغوت، والاجتماع على ما يمليه عليهم.
وعلى القوميين أن يتفهموا مقالة الناس: “الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل”، أو قولهم: “الاعتراف بالحق فضيلة”.
لم يكن لدعاة القومية أسس خاصة في الدعوة إليها، وأنى يجدون ذلك وهم مختلفون فيما بينهم اختلافًا كثيرًا، فلم يجدوا غير آراء تصوروها لبناء القومية، ثم اختلفوا أيضا فيها – شأن الباطل دائمً.
وقد عرفتَ فيما سبق أن من القوميين مَن ذهب إلى أن أساس القومية هو الاتحاد في اللغة، ومنهم من قال: الاتفاق في التاريخ، ومنهم من جعلها الأرض، ومنهم من قال: هي المصلحة المشتركة بين أفراد الأمة، وجعل سبب اختلافهم يعود إلى هذه الآراء التي لا تركن إليها النفس تمامًا، ولا تصل إلى حد القناعة التامة، فلهذا كل أدلى بدلوه، أو رمَى بحجره عله يصيب.
أ. أما اللغة:
فالقول بأنها رباط قومي، كذِب ينقضه واقع حياة الناس، فقد وقع أن أممًا كثيرة تتكلم لغةً واحدةً، ولكن بينهم من التفاوت بل والعداوة ما لا يخفَى، وفي المقابل فإنه قد تجمع أقوام واتحدوا مع أنهم يتكلمون لغات مختلفة، مثل سويسرا اتحدوا مع أنهم يتكلمون ثلاث لغات.
ب. وأما التاريخ:
فإن التاريخ مراحل تمر بها البشرية تشتمل على صعود وانحدار، على خير وشر، وتقدم وتأخر في جميع نواحي الحياة، ويحوي كذلك اختلافات كثيرة؛ أما بالنسبة للمسلمين فإن تاريخهم الحقيقي المشرق إنما يبدأ بظهور الإسلام، يحنون إليه خلفًا عن سلف، إلا من أفسدت الحضارة الأوربية فطرته منهم، حين يحن إلى الحضارات الجاهلية السابقة، ويتباكى عليها ويفتخر بها.
ج. أما الأرض:
فقد صادف دعاة القومية في بناء قومياتهم على الأرض المشتركة متاعب وتناقضات جمة، وذلك أن الذين يتكلمون لغة واحدة وفوق أرض واحدة، ليس بالضرورة أن يكونوا كلهم من جنس واحد، و على لغة واحدة، من البداية إلى النهاية في أي أرض، فقد تنشأ لغة جديدة في بلد وتنتهي عن بلد لأمور كثيرة اعتقادية أو سياسية، إذ لا يمكن لأي أمة أن تدعي أنه لا يوجد لأي شخص بينهم انتماء إلى غيرهم.
ومن الأمثلة القريبة على ذلك الأمة العربية قبل الإسلام وبعده، إذ أنه قبل الإسلام كانت الأرض العربية هي شبه الجزيرة، ولكن بعد مجيء الإسلام دخلت أمم أخرى في الإسلام، وحين أن الإسلام لا يشعِر أحدًا بأنه غريب عنه، وأن الأرض كلها مخلوقة لأجله، فقد دخلت تلك الأمم في الإسلام، وأحبوه وأحبوا لغته وصارت هي اللغة الأساسية بينهم، كمصر والمغرب وغيرهما من البلدان التي أصبحت غربية، تعتز بدينها ولغتها، فهل يقال: إن الأرض هي التي وحدت بينهم وبين سائر إخوانهم العرب المسلمين؟ إن قالوا هذا، فقد ظهر كذبهم، وإن قالوا: إنه الإسلام، فقد قالوا بالحقيقة التي تناقض دعواهم صلاحية التجمع القومي على الأرض بدلًا عن الإسلام.
إن الإسلام لا يقف في طريق الشخص إذا انتسب لقومه أو لوطنه أو لأهله، بل إنه يشجِّع هذا المسلك ويحبذه إذا كان على أساس التواصل وصلة الرحم، بل أخبر الله -تبارك تعالى- أن انقسام الناس إلى شعوب وقبائل هو الحكمة بينها عز وجل بقوله: {يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينتسب الشخص إلى غير أبيه، أو ينتمي إلى غير مواليه، ولا يمنع كذلك أن ينتسب الإنسان إلى الوطن الذي يعيش فيه، ولا لومَ عليه إذا أحبه لا على أساس الفخر الجاهلي، وإنما لأنه وطنه، آواه، فإن تلك الأمور كلها لا حرجَ فيها، وواقع تعيشه البشرية كلها، ولا يمنعها الإسلام، إلا في حالة واحدة وهي الحالة التي يصبح ولاء الناس ومعاداتهم ومحبتهم واجتماعهم وافتراقهم كله قائم على دعوى القومية، والتعصب لها، وتقديمها على الأخوة الإسلامية.
وأما حينما يصل التعصب للقومية إلى أن يقدم الشخص ولاءَه ومحبته للآخر؛ لأنه من قومه، بينما يبتعد عن الآخر من غير قومه حتى وإن كان صالحًا تقيًّا، فهذا لا يعترف به الإسلام بل تعترف به القومية الجاهلية، وما أكثر ما ورد عن سير السلف الصالح -رضوان الله عليهم- من الصحابة ومَن بينهم إحسان، ما أكثر ما ورد عنهم تقديم أخوة الإيمان على أخوة النسب أو الدم، ولنا في مؤاخاة الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في أول الإسلام خير شاهد على ذلك، فإن قصصهم العطرة وسيرتهم المرضية لا تزال تضيء نورًا وهاجًا، وعبيرًا فواحًا إلى يومنا هذا؛ تخليدًا من الله -تبارك تعالى- لهم، وإكرامًا لأوليائه.
وأما القومية العربية التي دعا إليها ساطح الحصري فهي قومية جاهلية مغرضة، لها نفس الأهداف التي كانت نُصب أعين المتربصين بالإسلام، كما أنه هو نفسه أحد أولئك وإن ظهر بمظهر الغيور على مجد العرب كما يزعم، فإن العرب لا مجدَ لهم بغير الإسلام، بل هم أمة كانوا في حمئة الجاهلية كسائر الأمم، حتى أنقذهم الله بالإسلام، ورفع شأنهم به، ومن زعم غير هذا فقد جانب الحقيقة، وكذَب على التاريخ، وتشبع بما ليس فيه، ولا قيمةَ لأمجاده التي يزعمها قبل الإسلام، فإن زعمه هذا هو من جنس مزاعم هذا العصر المعكوسة التي تسمي الأشياء بغير اسمها، فتستحل الحرام وتحرم الحلال بذلك، حيث أضحت الخمر مشروبات روحية، والربا فائدة، والزنا حرية شخصية، وعداوة الآخرين من غير وطنه وطنية، والآراء الفاجرة حرية الكلمة، واحترام الماديات والعلامات، وبعض الأماكن واجب وطني، لا يجوز الخروج عليه، والمساس به، وكأنه جزء من الدين.
فما الذي يبقى لله -تبارك تعالى- في قلب اقتنع بترهات القوميين، ونسي أن المجد الحقيقي إنما هو في اتباع النور الذي أنزله الله -تبارك تعالى.

error: النص محمي !!