Top
Image Alt

موقف الإسلام من الشِّعر

  /  موقف الإسلام من الشِّعر

موقف الإسلام من الشِّعر

ذهب بعض الباحثين من العرب والمستشرقين إلى أن الإسلام أضعف من الشعر وغض من شأنه، واحتجوا في قولهم هذا بقول الله سبحانه وتعالى: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُون * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُون} [الشعراء: 224- 226]؛ ففهموا من ذلك أن القرآن يذم الشعر ويذم الشعراء.

– ونقلوا أيضًا حديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم القائل: ((لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا ودمًا خير له من أن يمتلئ شعرًا))، وقالوا: إن عمر بن الخطاب قال: “كان الشعر علمَ قوم لم يكن لهم علم أصح منه؛ فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب -أي: عن الشعر- وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت العرب عن الشعر وروايته”.

– ورددوا مقولة للأصمعي يقول فيها: “إن الشعر نَكِدٌ، بابه الشر؛ فإذا دخل الخير لان؛ هذا حسان بن ثابت كان فحلًا في الجاهلية؛ فلما جاء الإسلام ضعف شعره”.

– قول ابن خلدون: “انصرف العرب عن الشعر أول الإسلام بما شغلهم من أمر الدين والنبوة والوحي وما أدهشهم في أسلوب القرآن ونظمه؛ فأخرسوا عن ذلك، وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زمانًا”.

هذه هي الأسانيد التي استند إليها القائلون بأن الإسلام أضعف الشعر وهون من شأنه.

ورفض فريق من الباحثين هذا الادعاء، وقالوا: إن الإسلام لم يُضعف الشعر ولم يغض من شأنه؛ بل إن الإسلام نهض بالشعر وقوَّاه، وذهب هذا الفريق يفند ما استند إليه القائلون بضعف الشعر في الإسلام، فالآيات التي استندوا إليها والتي ذم القرآن فيها الشعراء بقوله: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُون}؛ هذه الآيات أتبعت باستثناء؛ حيث قال الله عز وجل: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون} [الشعراء: 227].

ففي الآيات -إذًا- استثناء لفريق من الشعراء وصفوا بأنهم مؤمنون، وأنهم يعملون الصالحات، وأنهم ذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا؛ فإذًا ليس كل الشعر مذمومًا وليس كل الشعراء مذمومين بنص هذه الآيات.

– ونظروا في القرآن الكريم؛ فوجدوا الآيات التي تتحدث عن القرآن وتنفي عنه صفة الشعر لا يفهم منها أنها تغض من شأن الشعر أو تحرمه، فالمشركون عندما انبهروا بإعجاز القرآن في بيانه؛ تخبطوا في حكمهم عليه، يحكي القرآن هذا التخبط في قوله: {بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُون} [الأنبياء: 5]، وأراد الله عز وجل أن يعلمهم أن القرآن إنما هو وحي الله إلى رسوله، وأنه ليس من كلام البشر فقال: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِين} [يس: 69]، وقال الله عز وجل عن القرآن: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُون * } [الحاقة: 41- 43].

فهذه الآيات تنفي عن القرآن صفة الشعر، وعن الرسول صلى الله عليه  وسلم صفة الشاعر؛ تنزيهًا لكلام الله عز وجل عن أن يكون من شيء مما عرفه البشر من كلام، شعر أو غير شعر.

– وتنزيه القرآن الكريم عن الشعر لا يعني تحريم الشعر ولا الغض من شأنه؛ فالقرآن الكريم نزَّه الرسول صلى الله عليه  وسلم ونفى عنه أن يكون تعلم القراءة أو الكتابة؛ قال عز وجل: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُون} [العنكبوت: 48] والمعنى: أنك يا محمد، لم تكن تقرأ ولا تكتب؛ لكي يكون للمشركين حجة في ادعاء أنك تعلمت هذا القرآن من أحد. وتنزيه الرسول صلى الله عليه  وسلم ونفي القراءة والكتابة عنه لا يعني تحريم القراءة والكتابة على الناس، ولا يعني الغض من شأنهما؛ فكذلك الشعر.

– أما مقولة الأصمعي: “إن الشعر نَكِدٌ، بابه الشر، فإذا دخل إلى الخير لان؛ هذا حسان كان فحلًا في الجاهلية؛ فلما جاء الإسلام ضعف شعره”. هذه المقولة فيها كلام؛ لأنه ليس صحيحًا أن كل الشعر إذا دخل الخير لان؛ أي: ضعف.

– ونحن نحتج على ذلك بمعلقة زهير بن أبي سُلمى وهي جاهلية، وهي من أروع الشعر وأبدعه، والقصيدة كلها ليس فيها شيء من الشر؛ فهي دعوة إلى الصلح وإشادة بمكارم الأخلاق؛ فكيف يقال: إن الشعر إذا دخل الخير لان؟! وكيف يقال: إن الشعر لا يجود ولا يقوى إلا في الشر؟! وعندنا شعر الحكمة، وشعر المديح الصادق، وشعر الرثاء، كلها من أبواب الخير، وكلها فيها شعر جيد وقوي.

– والقول بأن حسان بن ثابت كان فحلًا في الجاهلية وأن شعره ضعف في الإسلام، هذا أيضًا كلام لا يسلم على إطلاقه؛ لأن النقاد قالوا: إن الشعر اللين الضعيف الذي يروى لحسان في الإسلام هو شعر منحول محمول عليه، والذي يقرأ شعر حسان في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم والرد على المشركين، وفي رثاء الرسول صلى الله عليه  وسلم يدرك أن حسان يحتفظ بفحولته، وأن شعره لم يضعُف.

– والقول بأن المسلمين تشاغلوا عن الشعر وتركوه، وانشغلوا بالقرآن وبالجهاد وبالفتوح… يمكن أن يكون ذلك قد حدث، لكنه لم يحدث مع كل الشعراء، ولم يحدث طول الوقت؛ لأننا نقرأ أن الرسول صلى الله عليه  وسلم انتدب حسان بن ثابت، وانتدب غيره للرد على المشركين الذين كانوا يهجون الرسول صلى الله عليه  وسلم ويعيبون دينه، وأن الرسول صلى الله عليه  وسلم شجَّع نفرًا من أصحابه الشعراء على الرد على هؤلاء المشركين والدفاع عن الرسول صلى الله عليه  وسلم وعن الإسلام.

ويدل ذلك على موقف الرسول محمد صلى الله عليه  وسلم من الشعر، وهذا ليس غريبًا، فالرسول عربيٌّ فصيحٌ؛ بل هو أفصح العرب صلى الله عليه  وسلم وهو يطرب للكلمة البليغة الفصيحة ويقدِّرها حق قدرها، ما دامت هذه الكلمة تتوخَّى الغاية الشريفة التي تتناسب مع قيم الإسلام وأخلاقه وعقيدته؛ ولهذا نجده صلى الله عليه  وسلم يقول: ((إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمة))، ويروى عنه أيضًا: ((الشعر بمنزلة الكلام: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام)).

وإذًا فقوله صلى الله عليه  وسلم في الحديث الذي احتج به من قال بضعف الشعر في الإسلام، أو بأن الإسلام غضَّ من شأن الشعر، وهو القائل: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم -أو قلب أحدكم- قيحًا خير من أن يمتلئ شعرًا)) أو كما قال صلى الله عليه  وسلم فهذا يفسر على أن يكون هذا الامتلاء شاغلًا لهذا القلب عن ذكر الله عز وجل أو أن يكون ممتلئًا بالشعر الذي لا يتوافق مع عقيدة الإسلام ومع أخلاقه ومُثُله.

وإذًا؛ فالرسول صلى الله عليه  وسلم لم يحرم الشعر ولم يهجِّنه، أو لم يحرم الشعر كله، وإنما وجه الشعر إلى الوجهة الصحيحة التي تناسب عقيدة الإسلام وتناسب أخلاقه، وحرم صلى الله عليه  وسلم الشعر الذي ينحو منحًى مغايرًا لذلك، وهو بذلك متفق مع ما ورد في القرآن الكريم في الآيات التي غضت من شأن نوع من الشعر وفريق من الشعراء، أولئك الذين يتبعهم الغاوون، وأنهم في كل واد يهيمون، ويقولون ما لا يفعلون؛ فهؤلاء كذابون، لكن الشعراء الصادقين والشعر الذي يتوخى الحق ويتغيا العدل والنبل والأخلاق؛ فإن الرسول صلى الله عليه  وسلم كان يستمع إليه ويعجب به، ويطلب من بعض أصحابه أن ينشدوه إياه.

– والروايات الدالة على توجيه الرسول صلى الله عليه  وسلم للشعراء من أصحابه ألا يسلكوا مسالك الجاهلية في قولهم  الروايات في ذلك كثيرة؛ فقد روي أنه سمع كعب بن مالك يقول:

مُدافعُنا عن جذمنا كلُّ فخمة

*مدربة فيها القوانس تلمع

والجذم: الأصل والقبيلة، طلب منه الرسول صلى الله عليه  وسلم أن يغير كلمة “جذمنا”، أي: أصلنا وقبيلتنا، ويجعل مكانها كلمة “ديننا”؛ لأن الإسلام جعل رابطة الدين هي الرابطة التي تسود وتعلو كل رابطة حتى لو كانت رابطة القبيلة والقرابة، واستجاب كعب رضي الله  عنه   وحين قال النابغة الجعدي:

بلغنا السماء مجدنا وجدودنا

*وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

أحس النبي صلى الله عليه  وسلم أن الشاعر يتوجه توجهًا جاهليًّا في الفخر، فقال له: ((إلى أين يا أبا يعلى؟! فقال: إلى الجنة. فقال النبي صلى الله عليه  وسلم: إن شاء الله)).

ولما أنشد عبد الله بن رواحة رضي الله  عنه   قوله:

فَخَبِّروني أَثمانَ العَباءِ مَتى

*كُنتُم بَطاريقَ أَو دانَت لَكُم مُضَرُ

يخاطب قريشًا، يقول ابن رواحة: “فكأني عرفت في وجه رسول الله صلى الله عليه  وسلم الكراهية أن جعلت قومه أثمان العباء؛ فقلت على الفور:

نُجالِدُ الناسَ عَن عُرضٍ فَنَأسِرُهُم

*فينا النَبِيُّ وَفينا تَنزِلُ السُوَرُ

فعاد رسول الله صلى الله عليه  وسلم إلى طبيعته ورضاه.

ولما أنشد كعب بن زهير قصيدته التي اعتذر فيها إلى الرسول صلى الله عليه  وسلم وقال:

إن الرسول لنور يستضاء به

*مهند من سيوف الهند مسلول

قال صلى الله عليه  وسلم: “من سيوف الله”؛ فأصلحها كعب، بدل “سيوف الهند”.

ومن هذا الباب: استحسانه صلى الله عليه  وسلم للشعر الحسن الذي كان يتضمن معاني نبيلة؛ فكان صلى الله عليه  وسلم يستجيده ويبدي الرضا عنه وعن صاحبه:

لما أنشده النابغة الجعدي قوله:

ولا خير في حلم إذا لم تكن له

*بوادر تحمي صفوه أن يكدرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له

*حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

دعا له بالخير، وسر بقوله، وقال له: ((أجدت -أي: أحسنت- لا يفضض الله فاك)). ويقال: إن النابغة -ببركة هذه الدعوة المباركة- عاش مائة وثلاثين سنة لم تسقط له سنٌّ، ولما أنشده كعب بن مالك قوله:

جاءت سخينة كي تغالب ربها

*فليغلبن مُغالب الغلاب

 استحسن منه ذلك، وقال: ((لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا)).

ويقال: إنه صلى الله عليه  وسلم روي له قول سحيم عبد بني الحسحاس:

الحمد لله حمدًا لا انقطاع له

*فليس إحسانه عنا بمقطوع

قال: ((أحسن وصدق، وإن الله ليشكر مثل هذا، وإن سدد وقارب إنه لمن أهل الجنة)).

بل إن الرسول صلى الله عليه  وسلم يروى عنه: أنه كان يستجيد بعض الأشعار التي قيلت في الجاهلية، عندما يجد فيها معنًى يلتقي مع القيم الكريمة النبيلة التي يدعو إليها الإسلام:

فيروى أنه سمع قول سويد بن عامر:

لا تأمنن وإن أمسيت في حرم

*إن المنايا بجنبي كل إنسان

فكل ذي صاحبٍ يومًا يفارقه

*وكل زاد إن أبقيته فان

قال صلى الله عليه  وسلم: ((لو أدرك هذا الإسلام لأسلم)).

ويروى أنه كان يبدي إعجابه بقول عنترة:

ولقد أبيت على الطوى وأظله

*حتى أنال به كريم المأكل

وأنه صلى الله عليه  وسلم قال: “ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة”، وكان صلى الله عليه  وسلم يطلب من السيدة عائشة رضي الله  عنه  ما أن تسمعه بين الحين والآخر أبياتًا تحفظها، وفيها يقول الشاعر:

ارفع ضَعيفَكَ لا يُحِر بِكَ ضُعفَهُ

*يومًا فَتُدرِكُهُ عَواقِبُ ما جَنى

يَجزيكَ أَو يُثني عَلَيكَ وَإِنَّ مَن

*أَثنى عَلَيكَ بِما فَعَلتَ كَمَن جَزى

فيقول الرسول صلى الله عليه  وسلم: ((صدق يا عائشة؛ إن الله عز وجل إذا أجرى لرجل على يدي رجل خيرًا فلم يشكره؛ فليس لله بشاكر)).

وكان الرسول صلى الله عليه  وسلم يختزن في ذاكرته بعضًا من أشعار الجاهليين التي تدعو إلى الفضيلة ويتذكرها حين تنشد أمامه؛ فقد جاء عن أبي وداعة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه  وسلم وأبا بكر عند باب؛ فمر رجل وهو يقول:

يا أيها الرجل المحول رحله

*ألا نزلت بآل عبد الدار

هبلتك أمك لو نزلت برحلهم

*منعوك من هدم ومن إقتار

فالتفت رسول الله صلى الله عليه  وسلم إلى أبي بكر قائلًا: ((أهكذا قال؟!)) قال أبو بكر: لا والذي بعثك بالحق، ولكنه قال:

يا أيها الرجل المحول رحله

*ألا نزلت بآل عبد مناف

هبلتك أمك لو نزلت برحلهم

*منعوك من عدم ومن إقراف

الخالطين فقيرهم بغنيهم

*حتى يعود فقيرهم كالكافي

فهذا يدل على أن الرسول صلى الله عليه  وسلم كان يعرف الرواية الصحيحة للأبيات؛ ولذلك سأل أبا بكر عنها.

– ومن هذا الباب أيضًا: سماعه صلى الله عليه  وسلم للشعر واستجابته لمن استشفعوا بين يديه بالشعر في رد مظلمة عنهم:

وقد روي أنه لما تظاهرت بنو بكر وقريش على قبيلة خزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه  وسلم من العهد بفعلهم هذا، وكانت خزاعة حليفة لرسول الله صلى الله عليه  وسلم والمسلمين، خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه  وسلم فوقف بين يديه وهو جالس في المسجد؛ فأنشده قائلًا:

يا رب إني ناشد محمدًا

*حلف أبينا وأبيه الأتلدا

قد كنتم ولدا وكنا والدا

* ثُمّتَ أَسْلَمْنَا فلم ننزع يدا

فانصر هداك الله نصرًا أعتدا

*وادعُ عباد الله يأتوا مددا

فاستجاب له رسول الله صلى الله عليه  وسلم وقال: ((نُصِرت يا عمرو بن سالم)).

وقد أنشده كعب بن زهير قصيدته التي اعتذر فيها له صلى الله عليه  وسلم والتي مطلعها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

*……………………

وقد أشرنا إليها قبل ذلك، وقد استمع الرسول صلى الله عليه  وسلم لها، وأثاب عليها كعبًا -كما قالوا- وأهداه بردته الشريفة؛ فكل ذلك يدل على أن الرسول صلى الله عليه  وسلم لم يحرم الشعر ولم يستهجنه، وأنه كان صلى الله عليه  وسلم يستجيد الجيد منه ويستحسنه، وأنه كان يوجه الشعراء وجهة إسلامية خلقية تتفق ومبادئ الإسلام، وأنه كان صلى الله عليه  وسلم لا يكره من الشعر إلا ما كان يختلف مع عقيدة الإسلام وقيمه وأخلاقه.

وكيف يقال: إن الإسلام يغض من الشعر ويهوِّن من شأنه والرسول صلى الله عليه  وسلم استخدم الشعر سلاحًا في دعوته إلى الدين وفي رده على المشركين، وأنه كان يشجع أصحابه من الشعراء -خاصة حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة- ويروى أنه كان يقول لحسان: ((اهجهم وروح القدس معك)).

هذا عن موقف القرآن الكريم، وموقف الرسول صلى الله عليه  وسلم من الشعر.

أما أصحابه الكرام، ومنهم خلفاؤه الراشدون رضي الله  عنه  م فقد كانت مواقفهم من الشعر والشعراء مستمدة من موقف القرآن الكريم، وموقف الرسول صلى الله عليه  وسلم فقد كانوا رضي الله  عنه  م غير منصرفين ولا معرضين عن الشعر، وكان أكثرهم يقول الشعر ويستشهد به ويستحسنه إذا ما كان موافقًا لمبادئ الإسلام في العقيدة والأخلاق.

يدل على ذلك ما روي عن أبي سلمة: إذ يقول: لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم متحزقين ولا متماوتين. كانوا يتناشدون الأشعار ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدهم على شيء من أمر دينه؛ دارت حماليق عينيه كأنه مجنون.

وكانوا يتناشدون الأشعار على مسمع ومرأى من رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال جابر بن سمرة: جالست رسول الله صلى الله عليه  وسلم أكثر من مائة مرة؛ فكان أصحابه يتناشدون الأشعار في المسجد، وأشياء من أمر الجاهلية؛ فربما تبسم رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

الخلاصة: أن الإسلام لم يضعف من الشعر، ولم يغض من شأنه، ولم يحرمه، وأن الآيات التي جاءت في القرآن تنفي عن القرآن أنه شعر، وعن الرسول أنه شاعر؛ لا يفهم منها إلا تنزيه القرآن عن ذلك، وإثبات أنه وحي الله وكلام الله، وأن الرسول صلى الله عليه  وسلم لم يكن كما وصفه بعض المشركين بأنه شاعر أو كاهن، وأن الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم من توجيه الشعراء إلى الوجهة الصحيحة المتفقة مع عقيدة الإسلام وأخلاقه في قول الشعر، واستجادته للشعر الجيد، وإجازة روايته أمامه؛ بل والثناء على بعض الشعراء في بعض المواقف، وسير أصحابه الكرام على سيرته في ذلك؛ كل هذا يدل على أن الإسلام لم يغض من شأن الشعر ولم يضعفه.

ومسألة قوة الشعر وضعفه تختلف من شاعر إلى شاعر ومن قصيدة إلى قصيدة  حسب قوة العاطفة والدافع، وإجادة التعبير والتصوير، ونحن لو تتبعنا شعر هذه الفترة -فترة ظهور الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه  وسلم وخلفائه الراشدين- نستطيع أن نجد شعرًا ضعيفًا، وشعرًا قويًّا، وشعراء كبارًا احتفظوا بفحولتهم، وشعراء ضعفت شاعريتهم؛ لعوامل ليس منها أن الإسلام حرم الشعر أو هون من شأنه.

error: النص محمي !!