Top
Image Alt

موقف العلامة ابن فارس من التطور اللغوي

  /  موقف العلامة ابن فارس من التطور اللغوي

موقف العلامة ابن فارس من التطور اللغوي

لقد تناول ابن فارس تفسير تطور اللغة، ورأى أن اللغةَ لم تنشأ دفعةً واحدة، وإنما نشأت على مراحل، بدأت بآدم  عليه السلام ومرورًا بعرب الأنبياء، وانتهاءً بخاتم النبيين محمد صلى الله عليه  وسلم.

وقد أرجع الدكتور عبده الراجحي موقفَ ابن فارس من التطور هذا، وهو أن اللغة بدأت بآدم, ثم ازدادت في عهود عرب الأنبياء, ثم اكتملت في عهد محمد صلى الله عليه  وسلم إلى تشيع ابن فارس، ثم ذكر أن تفسير ابن فارس هذا لا يتصل باللغة بسبب.

ولقد أنكرَ ابن فارس التطور عن طريق تأثر العربية باللغات الأخرى؛ حيث عقد في كتابه (الصاحبي) بابًا عنوانه: “باب القول في اللغة التي بها نزل القرآن, وأنه ليس في كتاب الله -جل ثناؤه- شيء بغير لغة العرب”, وساق ابن فارس ثلاثًا من الآيات القرآنية فيه؛ ليدلل بها على عدم وقوع أعجمي في القرآن الكريم هي قوله تعالى: { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3]، وقال: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4]، وقال الله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195].

وأرجع ما يُظن أنه واقعٌ في القرآن من اللغات الأخرى إلى باب الموافقة، وضرب لذلك أمثلةً؛ منها: الإستبرق بالعربية وهو الغليظ من الديباج, وهو “إستبره” بالفارسية.

وقد نقل عن أبي عبيد القاسم بن سلَّام, الخلاف الذي دار بين العلماء في مدى وقوع الأعجمي في لغة القرآن الكريم؛ حيث إن أبا عبيد وفق بين القائلين بوقوع الأعجمي في القرآن والقائلين بخلو القرآن من الأعجمي، وذلك بأن هذه الحروف أصولها عجمية -كما قال الفقهاء- إلا أنها سقطت إلى العربِ فأعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها؛ فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب؛ فمن قال: إنها عربية فهو صادق، ومن قال: عجمية فهو صادق.

ويتضح من كلام ابن فارس أنه أنكر تغير اللغة عن طريق تأثرها باللغات الأجنبية, حين رأى عدم وقوع شيء من الأعجمي في لغة القرآن الكريم، وما يُظن أنه من قبيل الأعجمي يرد إلى باب التوافق بين اللغات، ولم يرَ ابن فارس سببًا لتغيّر بعض ألفاظ العربية غير الإسلام؛ لذلك عقد له فصلًا أو بابًا مستقلًّا عنوانه: “باب الأسباب الإسلامية”, وذكر في صدره أن العرب تحولوا بسبب الإسلام من حال إلى حال، وتحولت اللغة بالسبب نفسه من حال إلى حال.

وحقًّا, لقد أثَّر الإسلام في اللغة العربية وأهلها، فالعربية لم تكن قبل الإسلام غير صورة صادقة لحياة أهلها؛ فهي لهجات متعددة، تصطنع كلّ لهجة منها قبيلةٌ من تلك القبائل المنتشرة في أرجاء الجزيرة، ولا تكاد هذه اللهجات تتوحد إلا في ملتقى عام أو سوق مشترك؛ حيث تسود بين الجميع لغة مشتركة ما تلبث أن تُنسى عند عودة تلك القبائل إلى دورها أو مضاربها.

ومما يجب أن نلفت النظر إليه, هو أن العرب وإن لم يكونوا أصحاب مظاهر حضارية أو سياسية أو علمية أو ثقافية عالية في هذه الفترة من حياتهم, إلا أنهم لم يُحرموا الاستعداد والفطرة السليمة التي أهَّلتهم لاستقبال كل هذه المظاهر واستيعابها وتطبيقها, والوصول فيها في زمنٍ يسير إلى درجة التقدم والإبداع.

ويلاحظ أن اللسان العربي لم يتأثر بالتغيرات المفاجئة التي شهدها يوم نزل القرآن، بل نما، فكان تأثره تأثرًا إيجابيًّا لا سلبيًّا، فقد استطاع أن يستوعب القرآن الكريم وهو كلام الله ودستور الحياة لأمة لم يمضِ عليها قرن من الزمان, حتى وصلت رايتها إلى أكثر أجزاء الدنيا المعروفة في ذلك الوقت، وقد وحَّد هذا الدين الحنيف أمة العرب بعد تفرق, فتوحَّد لسانهم حين خضعت جميعًا لحكومة واحدة, وتحررت أمم أخرى في العراق وسوريا وفارس ومصر وإفريقيا وأوروبا، وتكونت إمبراطورية واسعة الأطراف وانتشر في هذه الأرجاء دين عظيم لا يقتصر دوره على تنظيم عَلاقة المرء بربه كغيره من الأديان السابقة, وإنما يتجاوز ذلك إلى تنظيم علاقة المرء بأخيه وبعشيرته وبأفراد مجتمعه؛ بل بكل بني جنسه، ونشأت وارتقت سريعًا حضارة جديدة ومدنية حديثة تقوم على العلم وترتكز على الثقافة، ولا تترك أي مظهر من مظاهر الرقي إلا أخذت منه بنصيب، وأسهمت فيه بقدر كبير. وهكذا تغير وجه الحياة في معظم أرجاء المعمورة، ووجدت العربية نفسها مطالبةً بالخروج من عُزلتها؛ حتى تفيَ بحاجة كل هذه الأمة الكبيرة والدولة الواسعة التي صنعها الإسلام، وحتى تُواكب ذلك التغير الاجتماعي الكبير وتلاحقه في مختلف جوانبه الدينية والسياسية والعلمية والثقافية.

error: النص محمي !!