Top
Image Alt

موقف العلماء عامة من التفسير الإشاري

  /  موقف العلماء عامة من التفسير الإشاري

موقف العلماء عامة من التفسير الإشاري

أولًا: مقالة ابن الصلاح:

قال ابن الصلاح في فتاواه، وقد سُئِلَ عن كلام الصوفية في القرآن فقال: “وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسِّر -رحمه الله- أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي (حقائق التفسير)، فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر. قال ابن الصلاح: وأنا أقول الظن بمن يوثق به منهم أنه: إذا قال شيئًا من أمثال ذلك أنه لم يذكره تفسيرًا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن، فإن النظير يذكر بالنظير”.

ومن ذلك كتاب النفس في الآية المذكورة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: 123] فكأنه قال: أُمرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفار، ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك؛ لما فيه من الإبهام والإلباس.

مقالة سعد الدين التفتازاني في التفسير الإشاري:

قد علَّق التفتازاني على قول النسفي في كتابه (العقائد): “والنصوص على ظواهرها، فالعدول عنها إلى معانٍ يدَّعيها أهل الباطن إلحاد”؛ فقال -رحمه الله: “وسمّوا الباطنية لادِّعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها، بل لها معانٍ باطنة، لا يعرفها إلا المعلِّم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية”، ثم قال: “وأمَّا ما يذهب إليه بعض المحققين من أنَّ النصوص محمولة على ظواهرها، ومع ذلك ففيها إشارات خفية إلى دقائق، تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان”.

مقالة ابن عطاء الله السكندري:

لقد نقل السيوطي عن ابن عطاء الله السكندري أنه قال في كتابه (لطائف المنن): “اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني الغريبة، ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له، ودلّت عليه في عرف اللسان، وثَمَّ أفهام باطلة تفهم عند الآية، والحديث لمن فتح الله قلبه، وقد جاء في الحديث: ((لكل آية ظهر وبطن))، فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم، أن يقول لك ذو جدل ومعارضة: هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله، فليس ذلك بإحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلّا هذا، وهم لم يقولوا ذلك، بل يقرون الظواهر على ظواهرها مرادًا بها موضوعاتها، ويفهمون عن الله تعالى ما أفهمهم”.

فهؤلاء العلماء حسَّنوا ظنَّهم بالقوم، فحمَّلوا أقوالهم الغريبة التي قالوها في القرآن على أنها ذكر لنظير ما ورد به القرآن، أو على أنَّها إشارات خفية، ومعانٍ إلهامية، تنهل على قلوب العارفين، وتزهوهم عن إرادة التفسير الحقيقي لكتاب الله، بمثل هذه الشروح الغريبة التي نقلت عنهم، وهذا عمل حسن وصنع جميل من هؤلاء العلماء، وقد تابعناهم عليه؛ حملًا لحال المؤمن على الصلاح، ولكن لم يلبث أن تبدد حسن ظنَّنا بالقوم، على أثر تلك المقالة التي قرأناها لابن عربي في فتوحاته، وفيها يصرَّح بأن مقالات الصوفية في كتاب الله، ليست إلّا تفسيرًا حقيقيًّا لمعاني القرآن، وشرحًا لمراد الله من ألفاظه وآياته، ويذكر لنا أن تسميتها إشارة ليس إلَّا من قبيل التقية والمدارة لعلماء الرسوم أهل الظاهر.

وفي هذه المقالة يحمل حملة شعواء على أهل الرسوم على حدِّ تعبيره، الذين ينكرون عليه وعلى غيره من الصوفية.

يقول الدكتور الذهبي: وإليك ما قاله بالنصِّ؛ لتقف على رأيه الصريح ولا التواء:

مقالة ابن عربي في التفسير الإشاري:

قال -رحمه الله-:

اعلم أنَّ الله عز وجل لمَّا خلق الخلق، خلق الإنسان أطوارًا، فمنَّا العالم والجاهل، ومنا المنصف والمعاند، ومنا القاهر ومنا المقهور، ومنا الحاكم ومنا المحكوم، ومنا المتحكِّم ومنا المتحكَّم فيه، ومنا الرئيس والمرءوس، ومنا الأمير والمأمور، ومنا الملك والسوقة، ومنا الحاسد والمحسود، وما خلق الله أشق ولا أشد من علماء الرسوم على أهل الله المختصين بخدمته، العارفين به من طريق الوهب الإلهي، الذي منحهم أسراره في خلقه، وفهَّمهم معاني كتابه، وإشارات خطابه، فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل -عليهم السلام؛ لمَّا كان الأمر في الوجود الواقع على ما سبق به العلم القديم -كما ذكرنا.

عدل أصحابنا إلى الإشارات، فكلامهم رضي الله عنهم في شرح كتابه العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إشارات، وإن كان ذلك حقيقة وتفسيرًا لمعانيه النافعة، ورد ذلك كله إلى نفسهم، مع تقريرهم إياه في العموم، وفيما نزل فيه، كما يعلمه أهل اللسان، الذين نزل الكتاب بلسانهم، فعمَّ به سبحانه عندهم الوجهين، كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] يعني: الآيات المنزلة في الآفاق، وفي أنفسهم، فكل آية منزلة لها وجهان: وجه يرونه في نفوسهم، ووجه آخر يرونه فيما خرج عنه، فيسمون ما يرونه في نفوسهم إشارة؛ ليأنس الفقيه صاحب الرسوم إلى ذلك، ولا يقولون في ذلك: إنه تفسير؛ وقاية لشرهم، وتشنيعهم في ذلك بالكفر عليه، وذلك لجهلهم بمواقع خطاب الحق، واقتدوا في ذلك بسنن الهدى.

فإن الله كان قادرًا على تنصيص ما تأوله أهل الله في كتابه، ومع ذلك فما فعل، بل أدرج في تلك الكلمات الإلهية، التي نزلت بلسان العامَّة علوم معاني الاختصاص، التي فهمها عباده حين فتح لهم فيها بعين الفهم الذي رزقهم، ولو كان علماء الرسوم ينصفون؛ لاعتبروا في نفوسهم إذن إذا نظروا في الآية بالعين الظاهرة التي يسلمونها فيما بينهم، فيرون أنهم يتفاضلون في ذلك، ويعلو بعضهم على بعض في الكلام في معنى تلك الآية، ويقر القاصر بفضل غير القاصر فيها، وكلهم في مجرى واحد…

ومع هذا الفضل المشهود لهم فيما بينهم في ذلك، ينكرون على أهل الله إذا جاءوا بشيء مما يغمض عن إدراكهم؛ وذلك لأنَّهم يعتقدون فيهم أنهم ليسوا بعلماء، وأن العلم لا يحصل إلا بالتعلُّم المعتاد في العرف، وصدقوا.

فإن أصحابنا ما حصل لهم ذلك العلم إلّا بالتعلُّم، وهو الإعلام الرحماني الرباني، قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم} [العلق: 1-5]، فإنه القائل: {أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78]، وقال تعالى: {خَلَقَ الإِنسَان * عَلَّمَهُ الْبَيَان} [الرحمن: 3، 4] فهو سبحانه معلّم الإنسان، فلا شكَّ أن أهل الله هم ورثة الرسل -عليهم السلام، والله تعالى يقول في حق الرسول: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113] وقال في حق عيسى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل} [آل عمران: 48] وقال في حق خضر صاحب موسى -عليهما السلام: {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65] فصدق علماء الرسوم عندنا فيما قالوا: إنَّ العلم لا يكون إلا بالتعلُّم، وأخطئوا في اعتقادهم أنَّ الله لا يعلِّم من ليس بنبي ولا رسول، يقول الله: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء} [البقرة: 269] وهي العلم، وجاء بـ{مَن} وهي نكرة، ولكنَّ علماء الرسوم لما آثروا الدنيا على الآخرة، وآثروا جانب الخلق على جانب الحق، وتعودوا أخذ العلم من الكتب ومن أفواه الرجال الذين من جنسهم، ورأوا في زعمهم أنهم من أهل الله بما علموا أو امتازوا به عن العامَّة، حجبهم ذلك عن أن يعلموا أن لله عبادًا تولَّى الله تعليمهم في سرائرهم، بما أنزله في كتبه وعلى ألسنة رسله، وهو العلم الصحيح عن العالِم المعلِّم الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه ولا غير مؤمن.

فإنَّ الذين قالوا: إن الله لا يعلم الجزئيات، ما أرادوا نفي العلم عنه، وإنما قصدوا بذلك أنَّه تعالى لا يتجدد له علم بشيء، بل علمها مندرجة في علمه بالكليات، فأثبتوا له العلم سبحانه، مع كونهم غير مؤمنين، وقصد تنزيهه سبحانه في ذلك وإن أخطئوا في التعبير عن ذلك، فتولى الله بعنايته لبعض عباده تعليمهم بنفسه، بإلهامه وإفهامه إياهم: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8] في إثر قوله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 7] فبيِّن لها الفجور من التقوى إلهامًا من الله؛ لتتجنب الفجور وتعمل بالتقوى.

وكما كان أصل تنزيل الكتاب من الله على أنبيائه، كان تنزيل الفهم على قلوب بعض المؤمنين، فالأنبياء -عليهم السلام- ما قالت على الله ما لم يقل لها، ولا أخرجت ذلك من نفوسها ولا من أفكارها، ولا تعلمت فيه، بل جاءت من عند الله، كما قال تعالى: {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد} [فصلت: 42] وقال فيه: إنه {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 42].

وإذا كان الأصل المتكلَّم فيه من عند الله، لا من فكر الإنسان ورويته، وعلماء الرسوم يعلمون ذلك، فينبغي أن يكون أهل الله العاملون به أحق بشرحه، وبيان ما أنزل الله فيه من علماء الرسوم، فيكون شرحه أيضًا تنزيلًا من عند الله على قلوب أهل العلم كما كان الأصل، وكذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في هذا الباب: ما هو إلا فهم يؤتيه الله من يشاء من عباده في هذا القرآن، فجعل ذلك عطاءً من الله، يعبِّر عن ذلك العطاء بالفهم عن الله، فأهل الله أولى به من غيرهم، فلما رأى أهل الله أنَّ الله قد جعل الدولة في الحياة الدنيا لأهل الظاهر من علماء الرسوم، وأعطاهم التحكم في الخلق بما يفتون به، وألحقهم بالذين يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة غافلون، وهم في إنكارهم على أهل الله يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، سلَّم أهل الله لهم أحوالهم؛ لأنهم علموا من أين تكلموا، وصانوا عنهم أنفسهم بتسميتهم الحقائق إشارات.

فإن علماء الرسوم لا ينكرون الإشارات، فإذا كان في غدٍ يوم القيامة يكون الأمر في الكل، أين عالم الرسوم من قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين أخبر عن نفسه أنه لو تكلَّم في الفاتحة من القرآن؛ لحمل منها سبعين وقرًا، هل هذا إلا من الفهم الذي أعطاه الله في القرآن؟! فاسم الفقيه أولى بهذه الطائفة من صاحب علم الرسم، فإن الله يقول فيهم: {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} [التوبة: 122] فأقامهم مقام الرسول في التفقه في الدين والإنذار.

وهو الذي يدعو إلى الله على بصيرة، كما يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة، لا على غلبة ظنٍّ كما يحكم عالم الرسوم، فشتَّان بين من هو فيما يفتي به ويقوله على بصيرة منه في دعائه إلى الله، وهو على بينة من ربه، وبين من يفتي في دين الله بغلبة ظنِّه.

ثم إن من شأن عالم الرسوم في الذبِّ عن نفسه أنه يجهل من يقول: فهمني ربي، ويرى أنه أفضل منه، وأنه صاحب العلم؛ إذ يقول من هو من أهل الله: إنَّ الله ألقى في سري مراده بهذا الحكم في هذه الآية، أو يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في واقعتي، فأعلمني بصحة هذا الخبر المروي عنه وبحكمه عنه.

قال أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه في هذا المقام، يخاطب علماء الرسوم: “أخذتم علمكم ميت عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون: حدثني فلان، وأين هو؟ قالوا: مات، عن فلان، وأين هو؟ قالوا: مات، وكان الشيخ أبو مدين -رحمه الله- إذا قيل له: قال فلان عن فلان، يقول: ما نريد نأكل قديدًا، ائتوني بلحم طري يرفع همم أصحابه، فأولئك أكلوه لحمًا طريًّا، والواهب لم يمت، وهو أقرب إليكم من حبل الوريد.

والفيض الإلهي والمبشرات ما سدَّ بابها وهي من أجزاء النبوة، والطريق واضحة، والباب مفتوح، والعمل مشروع، والله ليهرول ليلقى من أتى إليه يسعى: {الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} {هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] فمن كان معك بهذه المثابة من القرب مع دعواك العلم بذلك، والإيمان به، لم تترك الأخذ عنه والحديث معه، ونأخذ عن غيره، ولا نأخذ عنه، فتكون حديث عهد بربك.

رأينا في مقالة ابن عربي:

يقول: نحن لا ننكر على ابن عربي أنَّ ثَمَّ أفهامًا يلقيها الله في قلوب أصفيائه وأحبابه، ويخصهم بها دون غيرهم، على تفاوت بينهم في ذلك، بمقدار ما بينهم من تفاوت في درجات السلوك ومراتب الوصول، كما لا ننكر عليه أن تكون هذه الأفهام تفسيرًا للقرآن وبيانًا لمراد الله من كلامه، ولكن بشرط: أن تكون هذه الأفهام يمكن أن تدخل تحت مدلول اللفظ العربي للقرآن، وأن يكون لها شاهد شرعي يؤيدها، أمّا أن تكون هذه الأفهام خارجة عن مدلول اللفظ القرآني، وليس لها من الشرع ما يؤيدها؛ فذلك ما لا يمكن أن نقبله على أنه تفسير للآية، وبيان لمراد الله تعالى؛ لأن القرآن عربي قبل كل شيء كما قلنا، والله سبحانه وتعالى يقول في شأنه: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُون} [فصلت: 3] وحاشا لله أن يلغز في آياته أو يعمَّى على عباده طريق النظر في كتابه، وهو يقول: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر} [القمر: 17].

يقول الذهبي: هذا ما أدين الله عليه بالنسبة لكلام الصوفية: وعذري في ذلك أنِّي لم أسلك مسلك القوم، ولم أذق ذوقهم، ولم أعرف اصطلاحاتهم التي يصطلحون عليها، ولعلي إذا سلكت هذا الطريق، وانكشف لي من أستار الغيب ما انكشف لهم، أو على الأقل فهمت لغة القوم ووقفت على مصطلحاتهم؛ لعلي إذا حصل لي شيء من هذا تبدّل رأيي وتغير حكمي، فسلمت لهم كل ما يقولون به مهما كان بعيدًا وغريبًا.

وقد سأل رجل بعض العلماء أن يقرأ عليه تائية ابن الفارض، فقال له: دع عنك هذا، من جاع جوع القوم وسهر سهرهم رأى ما رأوا.

يقولون: إنهم يدركون بعض المعاني بعين اليقين، وما من شأنه أن يدرك بعين اليقين لا يمكن أن يدرك بعلم اليقين، إذن فلا بد لمن يريد أن يحكم على القوم حكمًا صحيحًا أن يجتهد في الوصول إلى ما وصولوا إليه بالعيان، دون أن يطلبه عن طريق البيان، فإنه طور وراء طور العقل.

ويقول ابن خلدون: وليس البرهان والدليل بنافع في هذا الطريق ردًّا وقبولًا؛ إذ هي من قبائل الوجدانيات.

ويقول الألوسي في مقدمة تفسيره جـ1، صـ8: “فالإنصاف كل الإنصاف، التسليم للسادة الصوفية الذين هم مركز الدائرة المحمدية ما هم عليه، واتهام ذهنك السقيم فيما لم يصل؛ لكثرة العوائق والعلائق إليه”.

ويقول الألوسي أيضًا بعد أن نقل عن ابن عربي ما قاله في تفسير الفاتحة في فتوحاته: “فإذا وقع الجدار، وانهدم السور، وامتزجت الأنهار، والتقى البحران، وعدم البرزخ، صار العذاب نعيمًا، وجهنم جنة، ولا عذاب ولا عقاب إلا نعيم وأمان بمشاهاة العيان”، يقول الألوسي بعد نقله لهذا الكلام الغريب: “وهذا وأمثاله محمول على معنًى صحيح يعرفه أهل الذوق، ولا ينافي ما وردت به الخواطر”، ثم قال: “وإياك أن تقول بظاهره مع ما أنت عليه، فكلما وجدت مثل هذا لأحد من أهل الله فسلّمه لهم بالمعنى الذي أرادوه، مما لا تعلمه أنت ولا أنا، لا بالمعنى الذي ينقدح في عقلك المشوب بالأوهام، فالأمر لله وراء ذلك”.

يقول الذهبي: والخلاصة: أنَّ مثل هذه التفاسير الغريبة للقرآن مزَلَّةُ قدَم لمن لم يعرف مقاصد القوم، وليتهم احتفظوا بها عند أنفسهم، ولم يذيعوها على الناس، فيوقعوهم في حيرة واختلاف، منهم من يأخذها على ظاهرها، ويعتقد أن ذلك هو مراد الله من كلامه، وإذا عارضه ما ينقل في كتب التفسير على خلافه، فربما كذَّب به أو أشكل عليه، ومنهم من يكذّبها على الإطلاق، ويرى أنها تقوّل على الله وبهتان، ليتهم فعلوا ذلك، إذن لأراحونا من هذه الحيرة، وأراحوا أنفسهم من كلام الناس فيهم، وقذف البعض لهم بالكفر والإلحاد في آيات الله.

شروط قبول التفسير الإشاري:

التفسير الإشاري له شروط:

  1. 1.     ألّا يكون التفسير الإشاري منافيًا للظاهر من النظم القرآني.
  2. 2.     أن يكون له شاهد شرعي يؤيده.
  3. 3.     ألّا يكون له معارض شرعي أو عقلي.

وهذه الشروط الثلاثة تحدَّثنا عنها في الماضي.

لَّا يدعي أن التفسير الإشاري هو المراد وحده دون الظاهر؛ بل لا بد أن نعترف بالمعنى الظاهر أولًا؛ إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادَّعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر، فهو كمن ادَّعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب.

إذا علمت هذا علمت بصورة قاطعة أنَّه لا يمكن لعاقل أن يقبل ما نقل عن بعض المتصوفة من أنه فسَّر قوله تعالى:{الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]، فقال: معناه “من ذلَّ” من الذل، “ذي” إشارة إلى النفس، “يشفي” من الشفاء، “ع” أمر من الوعي، وما نقل عن بعضهم من أنه فسَّر قوله تعالى:{وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين} [العنكبوت: 69] فجعل “لمع” فعلًا ماضيًا بمعنى أضاء، و”المحسنين” مفعولًا له.

هذا التفسير وأمثاله إلحاد في آيات الله، والله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} [فصلت: 40] قال الألوسي في تفسير هذه الآية: أي: ينحرفون في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة، فيحملونها على المحامل الباطلة، وهو مراد ابن عباس بقوله: “يضعون الكلام في غير موضعه”.

أهم كتب التفسير الإشاري (تفسير القرآن العظيم) للتستري:

هو أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس بن عيسى بن عبد الله التستري، المولود بتستر سنة 200 هجرية، وقيل: سنة 201 هجرية.

كان -رحمه الله- من كبار العارفين، ولم يكن له في الورع مثيل، وكان صاحب كرامات، ولقي الشيخ ذا النون المصري -رحمه الله- بمكة، وكان له اجتهاد وافر، ورياضة عظيمة، أقام بالبصرة زمنًا طويلًا، توفِّي بها سنة 283 هجرية.

التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:

هذا التفسير مطبوع في مجلد صغير الحجم، ولم يتعرَّض فيه مؤلفه لتفسير القرآن آية آية؛ بل تكلم عن آيات محدودة ومتفرقة من كل سورة، يقول الذهبي: ويظهر لنا أن سهلًا رضي الله عنه لم يؤلف هذا الكتاب، وإنما هي أقوال قالها سهل في آيات متفرقة من القرآن الكريم، ثم جمعها أبو بكر محمد بن أحمد البلدي، المذكور في أول الكتاب، والذي يقول كثيرًا: قال أبو بكر: سئل سهل عن معنى كذا، فقال: كذا، ثم ضمنها هذا الكتاب ونسبها إليه.

نقرأ في هذا الكتاب -هكذا يقول الذهبي- فنجد مؤلفه يقدم له بمقدمة يوضّح فيها معنى ظاهر القرآن وباطنه، ومعنى الحد والمطلع فيقول:

ما من آية في القرآن إلا ولها أربعة معانٍ: ظاهر وباطن وحد ومطلع: فالظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحد حلالها وحرامها، والمطلع إشراق القلب على المراد به فقهًا من الله عز وجل، فالعلم الظاهر علم عام، والفهم لباطنه، والمراد به خاص.

قال تعالى: {فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] أي: لا يفقهون خطابًا، ويقول في موضعٍ آخر: قال سهل: إن الله تعالى ما استولى وليًّا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا علمه القرآن؛ إما ظاهرًا وإما باطنًا، قيل له: إن الظاهر نعرفه، فالباطن ما هو؟ قال: فهمه، وإن فهمه هو المراد.

فمن هاتين العبارتين نأخذ أن سهلًا التستري يرى أنَّ الظاهر هو المعنى اللغوي المجرد، وأن الباطن هو المعنى الذي يفهم من اللفظ، ويريده الله تعالى من كلامه، كما نأخذ منه أنه يرى أن المعاني الظاهرة أمر عام يقف عليها كل من يعرف اللسان العربي، أمَّا المعاني الباطنة فأمر خاص يعرفه أهل الله، بتعليم الله إياهم وإرشادهم إليه.

كذلك نجد سهلًا رضي الله عنه لم يقتصر في تفسيره على المعاني الإشارية وحدها؛ بل نجده يذكر أحيانًا المعاني الظاهرة، ثم يعقِّبها بالمعاني الإشارية، وقد يقتصر أحيانًا على المعنى الإشاري وحده، كما يقتصر أحيانًا على المعنى الظاهري بدون أن يعرِّج على باطن الآية.

وحين يعرض سهل للمعاني الإشارية لا يكون واضحًا في كل ما يقوله، بل تارة بالمعاني الغريبة التي نستبعد أن تكون مرادة لله، وذلك كالمعاني التي نقلت عنه في معنى البسملة، وألف لام فاتحة البقرة، وتارةً بالمعاني الغريبة التي يمكن أن تكون من مدلول اللفظ، أو مما يشير إليه اللفظ، وذلك هو الغالب في تفسيره، كذلك نجد المؤلف ينحو في كتابه هذا منحى تزكية النفس وتطهير القلوب، والتحلي بالأخلاق والفضائل، التي يدل عليها القرآن ولو بطريق الإشارة، وكثيرًا ما يسوق من حكايات الصالحين وأخبارهم ما يكون شاهدًا لما يذكره، كما أنه يتعرَّض في بعض الأحيان لدفع إشكالات قد ترد على ظاهر اللفظ الكريم.

وهذه نماذج من تفسيره:

في سورة الأعراف عند تفسيره لقوله تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ} [الأعراف: 148] يقول ما نصه: عجلٌ، عجل كل إنسان ما أقبل عليه فأعرض به عن الله، من أهل وولد، ولا يتخلص من ذلك إلا بعد إفناء جميع حظوظه من أسبابه، فلم يتخلص عبدة العجل من عبادته إلّا بعد قتل النفوس.

وفي سورة الشعراء عند تفسيره لقوله تعالى -حكاية عن إبراهيم، عليه السلام: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِين * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِين * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّين} [الشعراء: 78- 82] يقول ما نصه: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين} أي: الذي خلقني لعبوديته يهديني إلى قربه، {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِين} قال: يطعمني لذة الإيمان، ويسقيني شراب التوكل والكفاية، {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين} قال: إذا تحركت بغيره لغيره عصمني، وإذا ملت إلى شهوة من الدنيا منعها عني، {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِين} الذي يميتني ثم يحييني بالذكر {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّين} أخرج كلامه على شروط الأدب بين الخوف والرجاء، ولم يحكم عليهم بالمغفرة. هذه المعاني -يقول الذهبي: كلها مقبولة، ويمكن إرجاعها بدون تكلف إلى اللفظ القرآني بدون معارضة شرعية أو عقلية، والكتاب في الغالب يسير على هذه الطريقة، وهي لا شوب فيها.

error: النص محمي !!