Top
Image Alt

موقف العلماء من الاحتجاج بالسنة

  /  موقف العلماء من الاحتجاج بالسنة

موقف العلماء من الاحتجاج بالسنة

حُجّية السنة النبوية:

يقول ابن قدامة -رحمه الله: وقول رسول الله صلى الله عليه  وسلم حجة، فحجية السنة ضرورية دينية، وهو يغني من في قلبه ذرة من إيمان عن بيان أدلة حجيتها، يعني: كون السنة حجة هذا لا يحتاج إلى إقامة أدلة، عند من كان في قلبه ذرة من إيمان.

والسنة حجة بأنواعها الثلاثة: التي هي السنة القولية، أو الفعلية، أو التقريرية؛ وإنما ذكر ابن قدامة -رحمه الله- السنة القولية فقط في قوله: وقول رسول الله صلى الله عليه  وسلم حجة؛ لأنَّها الأغلب، فمعظم السنة سنة قولية، فأغلب ما يصدر عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم هو السنة القولية؛ لذلك قال ابن قدامة -رحمه الله: وقول رسول الله صلى الله عليه  وسلم حجة، فمراده السنة بأنواعها الثلاثة: القولية، والفعلية، والتقريرية.

إذا تقرر هذا فهل من أدلة على حجية السنة نقيمها ضد من ينكر السنة؟

2. أدلة جمهور العلماء على الاحتجاج بالسنة:

أ. من الكتاب:

الدليل الأول على حجية السنة:

الوجه الأول: قال ابن قدامة -رحمه الله: وقول رسول الله صلى الله عليه  وسلم حجة لدلالة المُعجز على صدقه.

فالله تعالى أخبرنا أن كل ما ينطق به هذا الرسول صلى الله عليه  وسلم هو وحي وليس من عند نفسه، فقال: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ (3) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ} [النجم: 3، 4] وهذا صريح في الدلالة على أنَّ السنة كالوحي المنزل في وجوب العمل كما ذكر ذلك القرطبي في تفسيره.

وجه آخر على أنَّ السنة حجة: لدلالة المعجز على صدقها، والمراد بالمعجز هو القرآن الكريم، فإن ورود القرآن الكريم موافقًا لما يدَّعيه النبي صلى الله عليه  وسلم منزل منزلة قول الله تعالى لرسوله: صدقت فيما أخبرت به عني.

وجه ثالث: وهو أنَّ الرسول صلى الله عليه  وسلم معصوم من تعمد ما يخل بالتبليغ إجماعًا، يعني: الأمور التي يبلغها الرسول صلى الله عليه  وسلم إلى الأمة هو معصوم فيها بإجماع العلماء، وذلك بدلالة القرآن الكريم على ذلك، وكذلك معصوم صلى الله عليه  وسلم من المعاصي التي تخل بالتبليغ، وهذا يستلزم أن كل خبر أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه  وسلم فهو صدق مطابق لما عند الله تبارك وتعالى.

هذا حاصل الدليل الأول الذي ذكره ابن قدامة في روضته، في قوله:

وقول رسول الله صلى الله عليه  وسلم حجة لدلالة المعجز -يعني: القرآن- على صدقه -يعني: على صدق رسول الله صلى الله عليه  وسلم- فالقرآن أثبت أن ما يتكلم به النبي وحي، قال: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ (3) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ} وكون ما ينطق به النبي وحي، هذا يستدعي أن يجب العمل به كالقرآن تمامًا بتمام.

الدليل الثاني على حجية السنة:

قال ابن قدامة -رحمه الله: وأمر الله سبحانه وتعالى بطاعته ورد في القرآن الكريم.

فآيات كثيرة فيها أمر بوجوب طاعة الرسول صلى الله عليه  وسلم منها على سبيل المثال: قول الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [آل عمران: 31]، وقال الله تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرّسُولَ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132]، وقال سبحانه: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مّمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء: 65]، وقال سبحانه: {مّنْ يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلّىَ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [النساء: 80]، وقال سبحانه وتعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ} [النحل: 44]، وقوله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ} [الحشر: 7].

فهذه الآيات القرآنية وغيرها كثير تدل دلالة واضحة على وجوب اتباع رسول الله صلى الله عليه  وسلم في كل شيء، وفي كل وقت، في حياته وبعد مماته؛ لأنها آيات عامة لم تخصص بزمن دون زمن، وإذا كان الله تعالى قد أمر بطاعة رسوله صلى الله عليه  وسلم ومعلوم عند الأصوليين أن الأمر إذا تجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، فيكون كل ما صدر عن الرسول صلى الله عليه  وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات يجب قبوله والعمل عليه فتكون السنة حينئذٍ حجة.

الدليل الثالث على حجية السنة:

ذكره ابن قدامة في (الروضة) قال:

وتحذيره من مخالفة أمره، يعني: وأمر الله تعالى بطاعته وتحذير الله من مخالفة أمره، فالله تعالى قد حذر من مخالفة أمر رسوله صلى الله عليه  وسلم قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، ففي هذه الآية حذر الله سبحانه وتعالى من مخالفة رسوله صلى الله عليه  وسلم فليزم من ذلك وجوب موافقة الرسول ومتابعته في كل ما يصدر عنه؛ لأن المخالفة حرام؛ لأن الله تعالى رتب على المخالفة عقاب.

ب. الدليل من السنة على حجية السنة:

جاء في السنة المطهرة ما يدل على حجيتها ووجوب التمسك بها، ولعلنا ذكرنا لكم طرفًا من هذه الأحاديث عند الكلام على عناية المسلمين بالسنة والاهتمام بها، فمن هذه الأحاديث: قول الرسول صلى الله عليه  وسلم: ((تركت فيكم اثنتين لن تضلوا ما تمسكتم بهما؛ كتاب الله وسنتي)) الحديث أورده ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله).

وعن أبي هريرة رضي الله  عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلّا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)) الحديث رواه البخاري والحاكم وغيرهما.

إذن هذان دليلان من أحاديث النبي صلى الله عليه  وسلم تثبت حجية السنة النبوية.

ج. الدليل من الإجماع على حجية السنة:

أجمع صحابة رسول الله صلى الله عليه  وسلم ومن بعدهم من المسلمين إلى يومنا هذا على وجوب التمسك بسنة النبي صلى الله عليه  وسلم في حال حياته وبعد مماته، ولم يفرقوا أبدًا بين الاحتجاج بالقرآن والاحتجاج بالسنة، فكلاهما حُجة ملزمة.

وقد روي أن أبا بكرٍ رضي الله  عنه كان إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في السنة، فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، وإلا جمع الصحابة واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به، وهذا ما عرف فيما بعد بالإجماع.

إذن منهج الصحابة رضي الله  عنهم في معرفة الأحكام الشرعية النظر أولًا في القرآن، فإن لم يجدوا الحكم في القرآن انتقلوا إلى السنة، فإن لم يجدوا الحكم في السنة استشار الخليفة الأول أبو بكر الصحابة، فإن اتفق رأيهم على شيء قضوا به، وهذا ما يُعرف بالإجماع.

وقصة الجدَّة التي جاءت إلى أبي بكرٍ رضي الله  عنه تطلب ميراثها من ولد بنتها واضحة في ذلك، حيث قال لها رضي الله  عنه: “ما لك في كتاب الله شيء -يعني: لا أحفظ في القرآن آيةً تجعل لك نصيبًا أو سهمًا في التركة، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه  وسلم شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل رضي الله  عنه الناس- فقال المغيرة بن شعبة رضي الله  عنه: حضرت رسول الله صلى الله عليه  وسلم أعطاها السدس، فقال أبو بكر رضي الله  عنه: هل معك غيرك؟ يعني: يصدق ما تقول فقام محمد بن مسلمة رضي الله  عنه فقال مثلما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر رضي الله  عنه “. الحديث رواه أبو داود، وابن ماجه، والدارمي، والإمام أحمد -رحمهم الله جميعًا.

وقد روي أيضًا عن عمر رضي الله  عنه ما يدل على التمسك بالسنة ووجوب الرجوع إليها، فقد ثبت عنه رضي الله  عنه أنه قال: “أُذكرُ اللهَ امرأً سمع من رسول الله صلى الله عليه  وسلم في الجنين، فقام حَمْل بن مالك بن النابغة وقال: كنت بين جاريتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسْطَح فقتلتها وجنينها، فقضى النبي صلى الله عليه  وسلم في الجنين بغُرة”. والغُرة عبد أو أمة.

وحاصل هذه القضية: أنها رُفعت دعوى إلى عمر بن الخطاب فيمن اعتدى على جنين، ما الذي يجب في هذه القضية؟ فعمر رضي الله  عنه لم يحفظ في القرآن شيئًا يدل على دية الجنين، ولم يحفظ من سنة رسول الله صلى الله عليه  وسلم شيئًا في دية الجنين، فذَكّر الناس وسأل الناس، هل أحد منكم سمع قضاءً من رسول الله صلى الله عليه  وسلم في مثل هذا؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة وأخبر أنَّ النبي صلى الله عليه  وسلم جعل غُرة ديةً للجنين، والغُرة -كما قلت لكم- العبد أو الأمة، فقال عمر رضي الله  عنه: “لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره”.

فالشاهد: أن عمر رضي الله  عنه لما وقف على الخبر في دية الجنين، عمل بمقتضاه؛ لأنه يعلم أن السنة حجة ودليل تأتي بعد القرآن الكريم. هذا هو الدليل من الإجماع على حجية السنة.

د. الدليل العقلي على حجية السنة:

هل العقل يقضي بأن السنة أمر ضروري ولا بد منها في معرفة الأحكام الشرعية؟

قال أهل العلم: إن الدليل القطعي دلّ على أن محمدًا صلى الله عليه  وسلم رسول الله إلى خلقه، وأنه خاتم النبيين، قال تعالى: {مّا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ وَلَـَكِن رّسُولَ اللّهِ وَخَاتَمَ النّبِيّينَ وَكَانَ اللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 40]، وما دام رسول الله صلى الله عليه  وسلم رسولًا من قِبل الله إلى خلقه فبدهيٌ أنه يجب على الجميع أن يتبعوه وينقادوا له ويتمسكوا بما جاء به.

إذن العقل يقضي بأنَّ النبي صلى الله عليه  وسلم ما دام رسولًا من قِبل الله فالعقل يقضي أن على الناس جميعًا أن ينقادوا له ويتمسكوا بما جاء به. وهذا هو الدليل من المعقول على حجية السنة.

وما ذكرناه من أدلة من القرآن والسنة، والإجماع، والمعقول على حجية السنة هو دليل مذهب جماهير أهل العلم، ولم يشذ عن ذلك إلا طائفة من الزنادقة ومن غلاة الرافضة.

error: النص محمي !!