Top
Image Alt

موقف اللغويين من الاحتجاج بالحديث النبوي

  /  موقف اللغويين من الاحتجاج بالحديث النبوي

موقف اللغويين من الاحتجاج بالحديث النبوي

إن الناظر في كتب كثيرٍ من اللغويين الأولين والمتأخرين، يرى أنهم كانوا يحتجون بالحديث النبوي في تحقيق اللفظ اللغوي، والتَّوثق من صدقه, كما في (معاني القرآن) للفراء، و(مجاز القرآن) لأبي عبيدة. وكذلك أصحاب المعاجم قد أفادوا من الحديث النبوي أيما إفادة, كما في (العين) للخليل بن أحمد، و(جمهرة اللغة) لابن دريد، و(البارع) لأبي علي القالي، وغيرها من معاجم.

احتجاج المتقدمين بالحديث، بين الكثرة والقلة:

لا شك أن اللغويين كان احتجاجهم بالحديث النبوي أكثر من احتجاج النحويين، وبعض العلماء كانوا نحاةً ولغويين في آنٍ واحدٍ، فالمبرد مثلًا نراه قد أكثر من اعتماد الحديث في كتابه الشهير (الكامل في اللغة والأدب), بينما كان اهتمامه بالحديث في مسائل النحو والصرف أقل، ومن الذين عُنوا بالحديث ثعلب، وأبو علي الفارسي, وتلميذه ابن جني, والزمخشري، وابن الشجري.

فكل هؤلاء احتجوا بالحديث في اللغة والنحو، إلا أن التوسع في الاستشهاد النحوي بحديث النبي صلى الله عليه  وسلم ليبتدئ حقا بالسهيلي في كتابه الشهير (الأمالي)، ثم يأتي ابن مالك في كتاب (التسهيل) وفي كتابه الآخر (شواهد التوضيح في مشكلات الجامع الصحيح).

وكان يعاصر ابنَ مالك الإمامُ الرضي الإستراباذي, الذي كان يتولى شرح أهم كتابين ظهرَا لابن الحاجب -هما: (الكافية) في النحو، و(الشافية) في الصرف- شرحًا وافيًا دالًّا على سعة الاطلاع. وهو في شرحيه هذين يعتمد الحديث النبوي جزءًا من مذهبه, وتميز الرضي أيضا بالأخذ بكلام أهل البيت, حيث رآه لا يقل فصاحةً عن فصاحة الحديث النبوي, وهناك غيرهم ممن توسع في الاحتجاج بالحديث النبوي.

وممن يعد من تلامذة أبي حيان عبدُ الله بن عبد الرحمن، المعروف بابن عقيل، الذي أخذ بالحديث في أشهر مؤلفاته وهو (شرح ألفية بن مالك) الذائع في الآفاق, غير مبالٍ ألا يتفق مع أستاذه؛ حين لم يجد لدى أستاذه ما يقتنع به ويطمئن إليه.

ونعجب أن أبا حيان -وهو على رأس الرافضين للاحتجاج بالحديث- اضطر إلى أن يحتج بالحديث النبوي، مثلما احتج بحديث: «أَوَمُخرجي هم؟» على قلب واو “مخرجو” إلى ياء, وإدغامها في ياء المتكلم، والأصل: “أومخرجوي”.

هذا, ونتساءل: بم نفسر قلة الحديث النبوي في كتب بعض المتقدمين مثل سيبويه وغيره، وقد تكون هذه القلة سببًا في شيوع الأقوال والمزاعم بأن المتقدمين بصفة عامة, رفضوا الاستشهاد بالحديث؟

لقد رأى بعض العلماء أن السبب يرجع إلى استغناء سيبويه بالقرآن عن الحديث، وبعضهم يرى استغناءه بكلام العرب عن الحديث، لكن الدكتور محمد ضاري حمادي رأى أن الأسباب الفكرية المذهبية السياسية التي سادت بيئة العلماء في هذا الزمن المتقدم, جعلتهم يبتعدون عن الحديث؛ ذلك أنهم تأثروا بالصدام الذي كان بين المتكلمين والمحدثين؛ فخافوا وتهيبوا من تورطهم في معركة عقائدية عنيفة، زهقت فيها أرواح، واضطربت فيها شعوب، وسماها التاريخ بمحنة ابن حنبل.

موقف المجمع اللغوي القاهري، من قضية الاستشهاد بالحديث النبوي:

لقد بحث مجمع اللغة في القاهرة هذه المسألة، وانتهى إلى الاحتجاج ببعض الأحاديث النبوية في أحوال خاصة مبينة، فيما يأتي:

لا يحتج في العربية بحديث لا يوجد في الكتب المدونة في الصدر الأول، بينما يحتج بالحديث المدون في الكتب الصحاح الستة فما قبلها، على الوجه الآتي:

الأحاديث المتواترة والمشهورة، الأحاديث التي تستعمل ألفاظها في العبادات، الأحاديث التي تعد من جوامع الكلم، الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه  وسلم لبيان أنه كان صلى الله عليه  وسلم يخاطب كلَّ قومٍ بلغتهم، الأحاديث التي دونها من نشأ بين العرب الفصحاء، الأحاديث التي عرف من حال رواتها أنهم لا يجيزون رواية الحديث بالمعنى، مثل: القاسم بن محمد، وابن سيرين، الأحاديث المروية من طرق متعددة وألفاظها واحدة.

وقد رأى الدكتور محمد ضاري حمادي أن لهذا القرار صداه، فقد وجدت فيه الدراسات اللغوية والنحوية الحديثة ضالتها, ووجدت فيه وضعًا للأمر في نصابه, وسندًا عاضدًا لموقفها المتمثل في لزوم الاحتجاج بالحديث، ومن ثم في ردها العلمي على من تنكر لهذا من العصور الخالية؛ ولذا تدافعت البحوث اللغوية والنحوية بعد القرار تشيد به، وتدعو إلى إحلال الحديث محله الحق من البناء النحوي في كل إصلاح مرتقب.

error: النص محمي !!