Top
Image Alt

موقف المستشرقين من الحضارة الإسلامية

  /  موقف المستشرقين من الحضارة الإسلامية

موقف المستشرقين من الحضارة الإسلامية

أنتقل الآن إلى لون آخَر من ألوان موقف المستشرقين من الفكر الإسلامي، ومن تاريخ الحضارة الإسلامية، وسوف أختار نموذجًا واحدًا أو مجالًا واحدًا من مجالات الفكر التي شغل المستشرقون أنفسهم بالطعن فيها، وتوجيه الاتهامات إليها، وهي: مجال الفلسفة الإسلامية، أو الفكر الإسلامي النظري بالذات.

هناك فكرة عامة وشائعة يدندن حولها المستشرقون منذ ما يقرب من ثلاثة قرون، هذه الفكرة تتلخّص فيما يأتي:

إن الحضارة الإنسانية هي حضارة أوربية -فكرة أوربة الحضارة الإنسانية- وإن هذه الحضارة بدأت بالفلسفة اليونانية، وإذا انتَقَلت إلى منطقة جغرافية أخرى -كالمنطقة العربية مثلًا في العصور الوسطى- فإنما تنتقل إليها لتنقل إليها بعضًا من الحضارة، وبعضًا من السلوك الحضاري، ثم ما تلبث أن تعود إلي مهدها ومحضنها الطبيعي، وهي: البيئة الأوربية.

ففكرة أوربة الحضارة الإنسانية، أو مركزية أوربا للحضارة الإنسانية: فكرة أصيلة لدى المستشرقين، يحاولون أن يلقّنوها لشعوب العالم. وربما نجد عند التأمل: أنّ هناك علاقة قوية بين ما يُسمَّى الآن بفكرة العولمة، وفكرة أوْربة الحضارة الإنسانية التي نشأت في القرن الثالث، أو بَلْوَرها بعض المستشرقين في القرن الثالث، ودندن حولها كثير من المستشرقين في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وربما يجني العالم ثمرة هذه الفكرة الآن فيما يسمّى بالعولمة. صحيح؛ العولمة فكرة أمريكية مائة في المائة، ولكن ينبغي ألّا ننسى أنّ الحضارة الأمريكية امتداد للحضارة الأوربية فكرًا وثقافةً وعقيدةً أيضًا؛ فلا ينبغي أن نفصل بين الموقفيْن. إذا كان هناك فصل بينهما في المواقف السياسية، فهذا الفصل من باب البحث عن المصالح، وليس من باب الفصل الحضاري أو الانقسام الحضاري؛ وصرّح بهذه القضية حُكّام أمريكا في أكثر من موقف.

هذه الدعوى أو هذه الفكرة -التي هي: أوربة الحضارة الإنسانية- يترتّب على الإيمان بها عند الكثير من المستشرقين: أن يوجِّهوا سهام النقد إلى الحضارة الإسلامية، لينزعوا عنها كل ما هو حسن وينسبوه إلى الحضارة الأوربية، ويفرغُوها من كل شيء جميل وينسبوه إلى تأثرها بالحضارة اليونانية القديمة. وقد أقاموا في سبيل تحقيق هذا الهدف بعض الاتهامات التي وجهوها إلى العقلية العربية، وإلى القرآن الكريم، وإلى الفلسفة الإسلامية.

نجد فيلسوفًا أرّخ للفلسفة الإسلامية مثل: “دي بور”، كتب كتابًا بعنوان (تاريخ الفلسفة الإسلامية). يقول في مقدمة هذا الكتاب: “إن العقلية العربية أو إن العقلية السامية قبل اتصالها بالفلسفة اليونانية لم يكن لها علم بالفلسفة، ولم تعرف معنى التفلسف. وكان تفكيرها يقوم على نظرات في الإنسان ومصير الإنسان. وإذا عرض للعقل السامي ما يعجز عن إدراكه، لم يشقّ عليه أن يردّه إلى إرادة لا تُدرك مداها العقول”، يعني: إلى الله. فكرة: أن العقلية العربية عقلية ليس من طبيعتها التفلسف، ولا حب الفلسفة؛ لأنها عقلية ساذجة. بل أكثر من هذا: صرّح هذا الفيلسوف: أنّ العقلية العربية تميل إلى الأخذ بالجزئيات، ولا تعرف التعامل مع القضايا العقلية الكلية العامة. وهذا صرّح به أيضًا “رينان” في كتابه الشهير عن اللغات السامية، و”بيتز” في كتابه عن مذهب الذرة عند المسلمين؛ الفيلسوف الذي حقق كتاب (التمهيد) للباقلاني: “بيتز”.

معروف كلهم يُجمع على: أن العقلية العربية ليست صالحة للتفلسف، عقلية جزئية، وأنها إذا عرض لها أمر يشقّ فهْمه أو يصعب فهْمه تنسبه إلى الله. ويخرجون من هذه الأحكام الثلاثة إلى القول بأن الفلسفة أو التفلسف خاصية للعقل الآري أو العقل الأوربي، وليست من شأن العقلية العربية ولا العقلية السامية. كأن التفلسف يختص بأمّة دون أمّة، أو بفرد دون فرد، أو شعب أو جنس، هكذا يريدون أن يقولوا.

وقبل أن أنتقل إلى مناقشة هذه الادّعاءات أودّ أن أطرح سؤالًا: هل حقيقةً أن التفلسف خصوصية تتميّز بها أمّة دون أمّة؟ أمْ أنّ التفلسف أو الفكر عمومًا قضية إنسانية مشاعة بين بني الإنسان أين كان موقعه، وأيًّا كانت لغته، ثقافته، حضارته؟ إنه ظاهرة إنسانية وليس ميزة يختص بها شعب دون شعب أو أمّة دون أمّة، بدليل أننا وجدنا القضايا الفلسفية التي أثارها فلاسفة اليونان، أو ما يسمّونهم الآباء الشرعيِّين للتفلسف، وجدْنا نفس القضايا فكّر فيها الشاعر الجاهلي قبل الإسلام، وأبدى رأيه فيها، فنجد حتى أحدث المذاهب العبثية التي وجدناها في عصر الإلحاد في فرنسا عبّر عنها الشاعر الجاهلي قديمًا في قوله:

رَأَيتُ المَنايا خَبْطَ عَشواءَ مَن تُصِب

*تُمِتهُ وَمَن تُخطِئ يُعَمَّر فَيَهرَمِ
   

قضية الموت لم يوجد مثلًا: {لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38]، ولا {كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ}  [الأنبياء: 35]. يرى أنّ القضية عشوائية، لا نظام، ولا دقة، ولا اختيار، ولا يعترفون بمشيئة إلهية، إنما هي العبثيَّة.

نجد نفس القضية عبّر عنها شاعر آخَر في قوله:

أَرى قَبرَ نَحّامٍ بَخيلٍ بِمالِهِ

*كَقَبرِ غَويٍّ في البَطالَةِ مُفسِدِ

   

قبر رئيس الجمهورية ورئيس الدولة بجانب قبر الغفير والحقير.

تَرى جُثوَتَينِ مِن تُرابٍ عَلَيهِما

*صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفيحٍ مُنَضَّدِ
   

فكرة المساواة عند الموت: قضية فلسفية، وبجانب هذا وذاك نجد من كان يتعبّد على دين الحنيفية قبل الإسلام. فما هي القضايا الفلسفية التي أثارها فلاسفة اليونان ولا نظير لها في الحضارات الأخرى؟ نفس القضايا موجودة في كل حضارة وعند كل أمّة، كلّ ما في الأمر: أن أصحاب كلِّ بيئة يعبرون عن آرائهم ومعتقداتهم ومواقفهم من هذه القضايا حسب حظِّهم من الثقافة، وحسب طرائقهم في التعبير اللغوي؛ فليس هناك فارق نوعيّ بين حضارة وأخرى، وإنما الفارق في طرائق التعبير وفقط. إذن دعوى أنّ للفلسفة خصوصية بأمّة دون أمّة: دعوى تحتاج إلى دليل وبرهان، ولا سنَد لها أصلًا.

error: النص محمي !!