Top
Image Alt

موقف المستشرقين من الشعائر والعقائد الإسلامية

  /  موقف المستشرقين من الشعائر والعقائد الإسلامية

موقف المستشرقين من الشعائر والعقائد الإسلامية

إذا كان هذا النموذج الذي قدّمناه عن موقف “جِب” وغيره من القرآن الكريم، وكيف تأثّر بهذه الأفكار المسمومة بعضُ المفكِّرين العرب، فأريد أن أضع أمام القارئ أيضًا نماذج قليلة وموجزة عن موقف المستشرقين من بعض الطقوس والشعائر الدينية والعقائد الدينية أيضًا.

في مطلع القرن العشرين، كتب الفيلسوف الفرنسي “رينان” كثيرًا عن الإسلام، وتناول بعض العقائد الإسلامية. أحيانًا يقارن بينها وبين ما في الديانة المسيحية، وما في الديانة اليهودية مثل: مقارنته بين عقيدتَي القضاء والقدَر عند المسيحيين وعند المسلمين، ليَخلص في النهاية إلى: أنّ هاتيْن الديانتيْن إحداهما ديانة ربانية التي هي المسيحية، والأخرى بشريّة، وأنّ هاتيْن الديانتيْن متناقضتان تمامًا. فإن الديانة الأولى -التي هي الديانة المسيحية- ديانة ربانية وارثة بلا واسطة آثار الآريِّين، ومقطوعة الصلة بالمرّة مع المذهب السامي، ولكنها مشتقّة منه وغصن من دوحته. ومن خصائص هذه الديانة -انظر لهذه العبارة: ترقية شأن الإنسان بتقريبه من الحضرة الإلهية. على حين أنّ الديانة الثانية البشرية -التي هي الإسلام- مَشوبة بتأثير مذهب السامية، تنحطّ بالإنسان إلى أسفل الدّرك، وترفع الإله عنه في علاه، وفي استعلاء لا نهاية له.

وينتهي من هذه المقارنة إلى التصريح بعبارة خطيرة جدًّا؛ حيث يقول: “إن الإله عند المسلمين متكبِّر جبّار مترفِّع على البشرية، يطلب أن يسير إليه العابد، بينما الإله في المسيحية عطوف متواضع يتودّد إلى الناس؛ فظهر في صورة بشر -الذي هو تجسّده في المسيح عليه السلام وذلك هو الإله الابن”.

لاحِظ المقارنة بين العقيدتيْن: فعقيدة التثليث في المسيحية قرّبت الإنسان من الإله، وأعطَتْه نموذجًا رفيعًا واقعيًّا في حياته يسعى ليقترب منه. أمّا عقيدة التوحيد فباعدت بين الإنسان والإله، وجعلت الإنسان متشائمًا من شدّة الخوف منه، ومِن جبروته وكبريائه.

أرأيت هذه المقارنة؟! “رينان” الفيلسوف الفرنسي يقارن بين إلَه المسلمين وإلَه النصارى، وإذا كان رينان يصف إله المسلمين بهذه الصفة، لا نريد أن نذهب معه في هذا المجال لنقارن بين موقف تجسّد الإله في شخصية المسيح عليه السلام وما يستتبع ذلك من عوامل نقْص ينبغي أن يُنزّه الله سبحانه وتعالى عنها، لا نريد أن نسير في هذا المجال، ولكن فقط أضع أمام حضراتكم موقف مفكِّري أوربا من عقائد المسلمين.

إذا انتقلنا إلى مستشرق آخَر نجده يتكلّم عن فريضة الزكاة بأسلوب ساخر، ويفهم القرآنية: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]: أن المسلمين يعتقدون أنّ المال نجس، وأنه من أصل شيطاني، ولا يجوز للمسلم أن يتمتّع بهذا المال إلّا بعد أن يطهّره، يطهّره بماذا؟ بأن يرجع هذا المال إلى الله لينفق في سبيل الله. قضيّة أو استنتاج في منتهى العجب!

وهذا الفهم الذي ذكَره هذا المستشرق لموقف الإسلام من فريضة الزكاة بالذات تردّد في أكثر من كتاب، وعند أكثر من مستشرق: أن موقف المسلمين من المال وعقيدتهم في المال: أنه نجس ويجب أن يتطهّر؛ بل إنّ بعضهم يربط بين خُلق الزهد في الإسلام، وانصراف كثير من المسلمين عن الحياة الدنيا إلى الانشغال بأمور الآخرة بهذه العقيدة، العقيدة الخاطئة التي يدَّعونها: أن المال أصله نجس وأصله شيطاني، وأنه لا يستعمل أو لا يحلّ استعماله إلّا بعد تطهيره بعودته إلى الله.

موقف آخَر للمستشرقين بالنسبة لقضية الزواج والمرأة: يفهمون قَوامة الرجل على المرأة بأنها لون من التّفوّق، ويَبنُون عليها قضية التفرقة العنصرية بين النوعيْن، بين الرجل والمرأة، ويجعلون ذلك أمارة على أنّ نظرة الإسلام إلى المرأة نظرة دونية احتقارية، وأنّ الرجل يتفوّق عليها، وأنّ الإسلام دين ذُكوري، كما يُردّد بعض المتهوِّسين الآن. فالإسلام -كما يرى هؤلاء- يَسمو بالرجل إلى ذروة الرفعة، بينما يهبط بالمرأة إلى درجة الحيوانية. أما طاعة المرأة للرجل، فيعرضونها على أنها نوع من الإذلال، وسبب لفرْض الرِّق والعبودية على نصف المجتمع -كما يقولون.

ولك أن تقرأ ماذا كتب المستشرقون عن قضية المرأة وعلاقتها بالرجل، وتفسيرهم الخاطئ المشبوه لعلاقة الرجل بالمرأة، وتفسيرهم الخاطئ لقضية القوامة التي تحدّث عنها القرآن الكريم، حتى إن اللورد “كرومر” في كتابه (مصر الحديثة) -واللورد “كرومر” هذا كان أحد مستشاري الاستعمار الإنجليزي في مصر في مطلع القرن العشرين- كتب في كتابه (مصر الحديثة): أن الرجل المسلم يتمسّك بالإسلام أشدّ من تمسّك المرأة المسلمة بالإسلام. ويعلل هذا الافتراض الخاطئ على أنّه ظاهرة في الحياة الإسلامية؛ لأنه يرجع إلى اختلاف وضعيّة كلٍّ من الرجل والمرأة في الإسلام على النحو المشار إليه الذي هو: أن الإسلام يجعل للرجل القوامة على المرأة.

ويشرح المستشرقون مبدأ الإسلام في عدم قبول المسلم لولاية الأجنبي بفكرة عدم التعاون مع الغير، أو بفكرة كراهية الغير؛ وهذا كلام خاطئ.

وتفسيرهم للجهاد أعجب وأعجب؛ فهو عند البعض قضية الحرص على الاعتداء على الغير، وأعطى الإسلام أتباعه هذه الصبغة الشرعية الدينية وجعَلها حقًّا له؛ كي يدفع بها المسلم لمهاجمة غير المسلم في وقت الأمن والسِّلم وفي وقت الحرب على السواء. إنهم يشرحون قضية الجهاد على أنها فكرة الغدر، أو تشجيع العدوان؛ ولهذا الشرح أثر سيّئ فيما يثار حول الإسلام الآن، وفي أجهزة الإعلام الغربية. إنهم يدندنون حول هذا المبدإ، وكلّ كلامهم فيه مبنيّ على خطإ، سواءٌ كان ذلك عن قصد وعمْد، أو كان ذلك عن سوء قصد وعمْد. كلامهم عن الجهاد ينمّ عن النوايا السيئة التي يشيعونها حول موقفهم من مبدإ الجهاد في الإسلام، وأنه مبدأ للدفاع عن النفس وليس للاعتداء على الغير.

وأكثر من هذا: بعضهم يفسِّر نداء بعض العلماء بضرورة العودة إلى القرآن الكريم وإلى السُّنة النبوية التي يمكن أن يفسِّروها تحت مبدإ الأصولية أو الإصلاح الديني، يُفسّرون ذلك على أنه نوع من انقسام المسلمين إلى طوائف. وبعضهم يفسِّره على أنه إسلام سُنِّيّ ضد الإسلام الشيعي؛ وهذه الفكرة ترمي في نظر الكثير منهم إلى تحكيم الخلافات المذهبية، وإثارة النعرات والعصبيات القبلية والجنسية أحيانًا بين طوائف المسلمين، مع أنها في واقع الأمر دعوة إلى التمسك بالإسلام في أصوله التي تدعو إلى التسامح والإخاء والمحبة والتعاون، ولكن المستشرقين عندما وقفوا على هذه الفكرة -فكرة العودة للإسلام- ورأوا أثرها الإيجابي في حياة الجماعة الإسلامية لو سارت في طريق الإسلام الصحيح -كما بيّن القرآن الكريم وكما شرحها الرسول صلى الله عليه  وسلم بأنها الرجوع إلى الحياة الإسلامية الصافية- لهالهم ذلك؛ ولذلك عارضوها وألصقوا بها الاتّهامات.

هذه بعض المواقف التي أثارها المستشرقون حول بعض القضايا الإسلامية، وآخِر صيحة يتكلّمون عنها الآن في إثارة الخلاف بين المسلمين هو: حديثهم عن الإسلام المتعدّد، حسب تعدّد الشعوب، وتعدّد الثقافات، وتعدّد الحضارات. فتجد بعضهم يتكلم عن إسلام الصوفية، والبعض الآخر يتكلّم عن إسلام الفقهاء، وآخَرون يتحدثون عن إسلام إيران أو إسلام الشِّيعة، أو إسلام السُّنة، أو الإسلام السّلفي، الإسلام الاعتزالي، الإسلام الأشعري … هذه كلها مسمّيات يحاول المستشرقون أن يدغدغوا عواطف المسلمين بها؛ ليثيروا الخلافات المذهبية بين الفِرَق الإسلامية، وبين الشعوب الإسلامية، ليَجْنوا من ذلك تفرّقَ وتمزُّق الصف العربي. هذا مُجمل موقف المستشرقين من القرآن، ومن بعض العقائد الإسلامية.

أمّا موقفهم من الحضارة الإسلامية ومن الفكر الإسلامي، فيُكمل لنا موقف المستشرقين بصفة عامة حول الفكر الإسلامي أصوله وفروعه. وطبعًا لم يكن الفيلسوف الفرنسي “رينان” ولا “جِب” وحدهما في الساحة، وإنما هي نماذج اخترتُها فقط؛ لأن آراءها كانت أكثر شيوعًا بين مَن أُسمِّيهم بأنصاف المثقفين، أو مَن ليست لهم دراية بالفكر الإسلامي ولا بأصول الإسلام. وإذا فتّشنا في الساحة، سوف نجد هناك مستشرقين آخَرين ربما كانوا أكثر حِدّة في الهجوم على الإسلام، مثل: “شاخت” في كتابه: (أصول الشريعة المحمدية) الذي جعله طعنًا في كتب السّنة الصحيحة كلها، وفي المسانيد، وفي الأحاديث الفقهية. وهناك “مارجليوث” المستشرق اليهودي، و”جولد تسيهر” وغيرهم.

لكن فقط اخترت هذه النماذج؛ لأن بعضها يطعن في العقيدة نصًّا، والبعض الآخَر يطعن في الإسلام بصفة عامة. أمّا بقية المستشرقين فيمكن أن يقال: إنّ بعضهم تخصّص في جزئية معيّنة، إمّا في الحضارة الإسلامية، وإمّا في الفلسفة الإسلامية، وإمّا في التصوف الإسلامي. لكن هؤلاء كتبوا عن الإسلام بعمومه وشموله، وأرادوا أن يوجِّهوا طعونهم نصًّا إلى المصدريْن الأساسيّين: القرآن الكريم، والسّنة النبوية المطهّرة. والطعن فيهما يتناول الطعن تلقائيًّا في شخصية الرسول صلى الله عليه  وسلم.

error: النص محمي !!