Top
Image Alt

موقف المستشرقين من الفلسفة الإسلامية

  /  موقف المستشرقين من الفلسفة الإسلامية

موقف المستشرقين من الفلسفة الإسلامية

أجدني مضطرًّا الآن إلى التوقف عن الحديث عن موقف المستشرقين من القرآن الكريم؛ لأن هذا الموقف كلّما زدناه تفصيلًا أغرانا بالحديث عنه؛ وسوف أكتفي بهذا لأنتقل إلى قضية أخرى من مواقف المستشرقين من الإسلام ومن الفكر الإسلامي؛ حتى نكون على درجة كافية من إلْمامنا بنظرات المستشرقين المتنوّعة والمتلوّنة حول الفكر الإسلامي وقضاياه.

كان للمستشرقين موقف من الفلسفة الإسلامية والتصوف الإسلامي، لعلّني قد أشرتُ فيما مضى إلى أنّ هناك فكرة مسيطرة على العقلية الأوربية، وهي: أنّ الحضارة الإنسانية حضارة أوربية، نشأت في أوربا وترعرعت في أوربا، ولا تزدهر خارج البيئة الأوربية، التي هي فكرة أوربة الحضارة الإنسانية. هذه القضية يحاول كلّ فيلسوف أن يستدلّ على صحة هذا الزعم الخاطئ بما شاء من أدلّة، يحاول أن يجمع حولها كلّ ما عنّ له ممَّا يظنّه براهين، وما يظنّه أدلة على صحة قوله؛ ولذلك نقرأ في كُتبهم التي وضعوها للتأريخ للفلسفة الإسلامية، هذه الدعوى ملفوفةً ومسوقة بألفاظ وبراهين تختلفُ من فيلسوف لآخَر.

وجدنا ذلك عند “دي بور”، وعند “هنري كوربان”، وعند “رينان”، وعند “جون ستيورات ميل”، وغيرهم … كأنهم تواصوا فيما بينهم على هذه القضية: أنَّ الحضارة الإنسانية حضارة أوربية، وحين انتقلَت إلى العالم الإسلامي عن طريق الترجمة في العصور الوسطى، فإنما انتقلت هذه الحضارة لتحضِّر العرب فقط.

ويمكن أن نطرح سؤالًا: إذا كانت الحضارة العربية والفلسفة الإسلامية ما هي إلا تكرار للفلسفة اليونانية -كما يقولون- لماذا أتعبوا أنفسهم في دراستها؟ لماذا أجهدوا أنفسهم وبذلوا فيها وقتًا طويلًا في التأريخ لها والحديث حولها؟ لماذا؟ نجد الإجابة على هذا السؤال تتكرَّر بعبارات تكاد تكون هي هي عند مؤرِّخي الفلسفة الإسلامية من الأوربيِّين. يقولون: إننا نقرؤها لنعرف أثر الحضارة والمدنية الأوربية على العالم الإسلامي، كأنّ الحضارة العربية لم تُسهم إطلاقًا في مسار الحضارة الإنسانية. نعم هكذا يقولون. بل أكثر من هذا؛ يقولون: إن العقلية العربية ليست صالحة للتفلسف. وقد أشرنا إلى ذلك.

وهذه الأمور نودّ أن نتوقف أمامها قضية قضية، لنبيّن هل هذه دعاوى نكتفي في القول بأنها دعاوى لا يسندها دليل ولا برهان، أم أنها تحمل نوعًا من الحقد الدفين على الفلسفة الإسلامية وعلى الفكر الإسلامي بصفة عامة.

نتوقف مع القضية الأولى وهي التي تدَّعي: أن الفلسفة الإسلامية تكرار للفلسفة اليونانية، وأن العرب لا يعرفون الفلسفة.

من القضايا التي لا تحتاج إلى دليل: أن الحضارات الإنسانية كالأواني المستطرقة، لا بدّ أن يتأثر لاحقُها بسابقها. والحضارة اليونانية التي يتحدّثون عنها ويدّعون أنها أمّ الحضارات، لو قرأنا تاريخ الحضارات أو (تاريخ العلم) لـ”سارتون” -وهذا ما توصّلوا إليه أخيرًا- سوف نجد أنّ ما في هذه الحضارة من أشياء يتِيهون بها على العقلية الإنسانية عمومًا، نجدها ليست بنتًا شرعية للعقلية الآرية التي يدّعونها، ولا للعقلية الأوربية، بل إنّ معظم ما فيها من أشياء جديدة على الفكر في وقتها هي ثمرات لأثر حضارات سابقة على الحضارة اليونانية. فمن المعلوم تاريخيًّا: أن “أفلاطون” قد زار منطقة الشرق العربي، وجاء إلى مدرسة الإسكندرية، وعاش في منطقة الشرق ما يقرب من عشر سنين، وعاد إلى أثينا وهو يحمل معه معالم الرياضيات والهندسة لـ”فيثاغورث”، ومعالم الفكر في التوحيد التي كانت منتشرة في بلاد الشرق، ومعالم الحضارة الشرقية القديمة في فارس، وبعض الآراء الدينية التي كانت موجودة في مصر آنذاك. وبمجرد أن عاد إلى أثينا، وجدنا هذه الأفكار تشيع وتنتشر في الحضارة اليونانية وفي الفلسفة اليونانية. ومن وجهة نظري هذا لا يعيب الحضارة اليونانية أن تأخذ من الحضارات السابقة عليها؛ لأن هذا أمر طبيعي. لكن الذي يُعاب على المستشرقين: أنهم يدّعون الأصالة لحضارتهم، ويَنفون الأصالة عن حضارات الآخَرين، مع أنّ هذا شيء عام إنساني مشترك بين كل الحضارات. فلا يُعيب الحضارة الإسلامية ولا الفلسفة الإسلامية: أن تأخذ بعض الأشياء عن الفلسفة اليونانية القديمة. كما لا يعيب الفلسفة اليونانية: أن نجد فيها آثارًا لفلاسفة الهند، ولفلاسفة الصين، وللحضارة الفرعونية القديمة، وللآراء وللأفكار الهندسية التي كانت موجودة في مدرسة الإسكندرية.

هذه قضية ألفت النظر إليها حتى لا نُتّهم بالتعصّب، وحتى لا يتعصّب علينا فلاسفة أوربا بدعوى أنّ الحضارة أو الفلسفة الإسلامية تكرار للفلسفة اليونانية القديمة.

حقيقة، لقد بدأت هذه الحملة المسعورة على الفكر الإسلامي في القرن التاسع عشر؛ حيث وُضعت مؤلفات كثيرة جدًّا تتّهم الإسلام بأنه يتنافى مع العلم، وأن الحضارة الإسلامية والفلسفة الإسلامية تكرار لفلاسفة اليونان و … و … كما أشرنا إلى ذلك؛ ولكن للأسف الشديد، أن هذه الأفكار وجدنا بعضها يتردّد في كتابات بعض المفكِّرين أو المشتغلين بالفكر العربي من أبناء العرب أنفسهم. وهذا ما يدعونا إلى الغرابة. كيف تأثر هؤلاء بهذه الدعاوى الكاذبة، ولم يُعنوا أنفسهم بالبحث عن الحقيقة، ليعلموا هل هذه دعاوى كاذبة، أم أن هذه دعاوى لها نصيب من الموضوعية والعقلانية؟

دعوى: أن الفلسفة الإسلامية تكرار للفلسفة اليونانية دعوى تحتاج إلى شيء من التحفظ، وأحب أن أوضح هنا بعض الحقائق:

أولًا: لو فتّشنا نحن في الثقافة الغربية وتاريخها الطويل، وحاولنا أن ننتقدها بنفس المقاييس التي تناول بها المستشرقون علماءنا وأسلافنا وحضارتنا، لما نَجا منهم واحد، وعلى رأس هؤلاء “أرسطو” أعظم فلاسفة اليونان والغرب على الإطلاق كما يُسمّونه. لقد وقع في كثير من الأخطاء التي كانت تدين بها أوربا على أنها مسلّمات بدهية، حتى اكتشف الغرب خطأها في القرن الخامس عشر. فلقد رفض “أرسطو” المذهب القائل بأنّ أصل الوجود هو: “الذّرّة”، أي: الوحدة، وأخذ بنظرية العناصر الأربعة القائلة بأنّ أصل الأشياء هو: الماء، والهواء، والنار، والتراب. وهذه النظرية قد رفضها مفكِّرو اليونان قبل “أرسطو” لظهور فسادها.

وقال “أرسطو” بأن الجِسميْن المختلفَي الثّقل إذا سقطا من شاهق، فإن سرعتهما في السقوط تتناسب مع ثِقلهما تناسبًا رأسيًّا، بمعنى: أننا لو ألقَيْنا من شاهق -من ارتفاع كبير- حجريْن وزْن أحدِهما كيلو جرام واحد، ووزْن الآخَر نصف الكيلو مثلًا، فإنّ الحجر الأوّل يصل إلى الأرض في نصف المدة التي يستغرقها الحجر الثاني؛ وهذا أمْر قد ثبت بطلانه، كما هو معروف في علوم الطبيعة. وهذا لا يعيب “أرسطو”، كما لا يعيب بعض مفكِّري الإسلام إذا وقعوا في أخطاء. فإذا أخذ المستشرقون على العرب أخطاء ومآخذ، فهذا شيء لم تَخْلُ منه أمّة من الأمم حتى نقول خَلَت منه الأمّة العربية.

وأمّا إذا كانت مآخذ المستشرقين على الثقافة العربية بهدف إنكار أصالتها، وسلْب فضْلها على مسار الحضارة الإسلامية، فمِن واجبنا الآن: أن نعرِّف ونعرِّف وأن نكشف النقاب عن جهود علمائنا، وعن فضل الثقافة العربية والإسلامية على النهضة الحديثة. وسوف تكون هذه القضايا التي وجّهها المستشرقون إلى الثقافة العربية هي مدخلنا إلى توضيح الفضل الكبير الذي كان للفكر الإسلامي، وما له من أصالة، وما له من دَوْر مهمٍّ في حمل لواء الحضارة الإنسانية في وقت كانت أوربا منغمِسة في جهالة القرون الوسطى. كانت مكبّلة بقيود التقليد الأعمى للحضارات السابقة، وكانت تتعبّد بآراءٍ وأفكار أثبت العلْم أنها خرافات لا أصل لها في ميزان العلم.

فدعوى المستشرقين: أنّ العقلية العربية أقلُّ شأنًا من العقلية الآرية، هذه دعوى تفتقد إلى برهان يسندها على الأقل. ولا يملك المستشرقون في هذه الدعوى إلا قضية التعصب للجنس، والتعصب للثقافة؛ بل إنّني أجدها امتدادًا طبيعيًّا لأكذوبة إسرائيل في وقتنا الحاضر: بأنهم شعب الله المختار الذي يجب أن يَسود العالَم. ولعل هذه الدعوى الأخيرة -فوقية الجنس الآري على الجنس السامي- امتداد لدعوى إسرائيل: بأنهم شعب الله المختار. وأنا أطرح على إخوتي وأخواتي سؤالًا: أليست هناك علاقة بين القضيّتيْن؟ فما أسهل على المرء أن يرسل الدعاوى العامّة على عِلاتها بلا بدليل ولا برهان، لكن فقط لكي ينفث بها عن رغبة ملحّة أو هوًى مكبوت. أما المنهج العلمي الصحيح، فإنه يرفض تمامًا أمثال هذه الدعاوى، ومن الخطإ الفاحش أن يدّعي المستشرقون أنّ الفلسفة الإسلامية وليدة الفكر العربي وحده أو العقلية العربية وحدها؛ لأن الفلسفة الإسلامية قد أسهم فيها مفكِّرون من شعوب أخرى لا ينتمون إلى الجنس العربي، ولا إلى اللغة العربية. فقد أسهم فيها الهنود، والفُرس، والأتراك، والسوريون، والمصريون، والأندلسيون، وكلّ من دان بالإسلام عقيدة، أو نطق العربية لغة؛ ولذلك نجد مِن الآثار النبوية: ((ليست العربية مِن أحدكم بأب وأمّ، وإنما هي الدِّين واللغة؛ فمن نطق العربية فهو عربيّ، ومن دان بالإسلام فهو عربيّ)). ولعل ممّا يؤكد هذا: أن الأقباط في مصر الآن إذا سألْتَ المثقّف منهم يقول لك: “أنا مسيحيّ العقيدة، إسلامي الثقافة”. هذا هو المنهج العلمي.

أمّا عن دعواهم: بأنّ الإسلام أو القرآن الكريم يعوق العمل العقلي، فقد بيّنّا ذلك تفصيلًا، وأوضحنا أنّ هذه الدعوى كاذبة لا أصل لها، وهي إن دلّت على شيء فإنما تدلّ على جهلهم بالقرآن الكريم، وعلى جهلهم بما في القرآن من أوامر ونواهٍ تحفز العقل حفزًا، وتأمُره أمرًا إلهيًّا بالنظر في ملكوت السماوات والأرض. هذه أمور ينبغي أن نوضِّحها لأنفسنا حتى إذا ما قرأناها في كتابات غيرنا نعلم ما في هذه الدعوى من أخطاء.

أمّا اتّهام بعض المستشرقين للتفكير العربي بأن العقلية العربية لا تصلح للتفلسف، أو دعوى بعضهم بأنها تميل إلى التفكير الجزئي ولا تأخذ بالقضايا الكلية، فأنا أودّ أن أوضِّح لحضراتكم: أن ميْل العقلية العربية إلى البدء بالجزئيات هل هي عيب يُعاب على العقل العربي؟ أم أنّ هذه ميزة ينبغي أن تُحمد للعرب؟

من المعلوم: أن المنهج العلمي الآن -خاصّة منهج الاستقراء- يبدأ بفحص الجزئيات قبل أن يَبني القضايا الكلية، ويتساءل أو يحلِّل المشكلات الكبرى إلى جزئيات صغيرة، ويحاول أن يجد لهذه الجزئيات حلًّا جزئية جزئية. ومن المعلوم في منهج الاستقراء: أن الباحث يتناول المشكلة، ثم يطرح مجموعة من الأسئلة يتوسّم في كلّ سؤال حلًّا لهذه المشكلة. وهذه الأسئلة التي يطرحها هي ما نُسمّيه في منهج البحث العلمي بالفروض العلمية، وما على الباحث إلا أن يختبر هذه الفروض فرضًا فرضًا، ويستبعد الفروض الزائفة ويستبقي الفرض الصحيح.

على سبيل المثال: عندنا في مصر مثلًا انتشر مرض البلهارسيا بين أفراد الشعب المصري: هذه مشكلة تحتاج إلى حلّ. نجد المهتمِّين بهذه القضية من العلماء في وزارة الصحة حاولوا أن يحلِّلوا هذه الظاهرة، ويتساءلوا عن أسبابها. ما هو سبب انتشار مرض البلهارسيا في الشعب المصري؟ هل هذا السبب يعود إلى البيئة؟ إلى السكن الذي يسكنه الإنسان في مصر؟ وجدوا أنّ الكلّ الذي يسكن في طبقة ريفية أو في منطقة ريفية مصاب بالمرض. من يقيم في الحضر ومن يقيم في البادية مصاب بالمرض. إذن لا يصلح هذا الفرض. هل الهواء الذي يتنفّسه الإنسان سبب في هذا المرض؟ وجدوا أيضًا: أنّ الإنسان الذي يسكن في منطقة زراعية، أو منطقة صناعية، أو بيئة حضرية، كلّهم مصابون بهذا المرض؛ فلا يصلح هذا الفرض أيضًا. قالوا: هل ماء النيل سبب في انتشار هذه الظاهرة؟ بحثوا هذا الفرض، ووجدوا أنّ الذي يشرب من ماء النيل غالبًا يصاب بهذا المرض، أما الذي لا يشرب من ماء النيل فلا يصاب بالمرض. وضعوا أيديَهم على هذا الفرض وقالوا: إنّ هذا الفرض يصلح أن نعلِّل به انتشار مرض البلهارسيا في الشعب المصري. فبدءوا يبحثون في ماء النيل، فوجدوه مشتملًا على ميكروب البلهارسيا، فوضعوا قاعدة: كلّ من يشرب ماء النيل من غير معالجة لهذا الماء معرّض للإصابة بالبلهارسيا. وأصبحت هذه حقيقة علمية. لكن كيف وصلوا إلى هذه الحقيقة؟ بتجزئة المشكلة عن طريق فرض الفروض حولها.

إذًا معنى أن العقلية العربية تهتمّ بالجزئيات، معنى هذا: أنها عقلية علمية، تبدأ ببحث الجزئيات أولًا، ثم تنتهي من بحث هذه الجزئيات إلى وضع قاعدة علمية أو قانون عام. يفسر المشكلة التي يعيشها الإنسان ويحلّلها، ثم يضع للإنسان أيضًا قاعدة يخرج منها بقانون عام. إذا عاش الإنسان هذه الظروف وشرب من ماء النيل، فهو معرّض لمرض البلهارسيا، فيفسِّر بها حاضره ويتنبّأ بها لمستقبله. فهل هذا يعاب على العقلية العربية، أم أن هذه ميزة ينبغي أن تُحمد للعقلية العربية؟

فهذا يدلّنا على: أنّ العرب يأخذون بالمنهج العلمي الحديث، الذي يقوم أساسًا على خطوات محدّدة. أُولى هذه الخطوات هي: ما يُسمّى بمرحلة البحث، وفيها يقوم الباحث بجمع الملاحظات والتجارب في العلوم الطبيعية والإنسانية على سواء، وجمع هذه الملاحظات ليس إلا ملاحظة الأشياء الجزئية المتباعدة، ثم يحاول أن يربط بين هذه الأشياء الجزئية بما يتخيّله من علاقات ومناسبات تجمع بينها؛ وبهذا وحده يمكن للباحث أن يفسِّر الظواهر والوقائع التجريبية. فكيف يعد ذلك اتهامًا للعقلية العربية، وهو ركيزة أساسية من ركائز العلم التجريبي في القرن العشرين؟!

error: النص محمي !!