Top
Image Alt

موقف النحاة من القراءات

  /  موقف النحاة من القراءات

موقف النحاة من القراءات

لقد شغلت القراءات القرآنية أذهان النحاة منذ نشأة النحو؛ لأن النحاة الأُوَل الذين نشأ النحو على أيديهم كانوا قرَّاءً؛ كأبي عمرو بن العلاء, ولعل اهتمامهم بهذه القراءات وجَّهَهُم إلى الدراسة النحوية؛ ليلاءموا بين القراءات والعربية, بين ما سمعوا ورووا من القراءات، وبين ما سمعوا ورووا من كلام العرب.

وقد قَبِلَ النحاة قراءات ورفضوا أخرى؛ مما كان لهذا الموقف أثر في الدراسات النحوية، حيث اتجه النحاة إلى القراءات آخذين منها ما يؤيد وجهة نظرهم من جهة، ورافضين ما لم يقبله القياس أو يتفق مع الأصول من جهة أخرى، وكانت دائرة الخلاف تتسع وتضيق تبعًا لبعد هذه القراءات عن أصول العلماء ومقاييسهم، أو قربها منها.

ولم تكن الخلافات النحوية في مجال القراءات وقفًا على البصريين أو الكوفيين، بل تجاوزت ذلك إلى المذاهب الفردية والآراء الشخصية لمشاهير النحاة؛ حيث كثر بينهم الجدل حول هذه القراءات، واحتدم النزاع, وهذا يجرنا إلى بيان منهج البصريين والكوفيين في تعاملهم مع القراءات القرآنية.

إن علماء البصرة كانوا لا يحتجون بالقراءات إلا في القليل النادر الذي يتفق مع أصولهم، ويتناسق مع مقاييسهم، كاستدلالهم مثلًا في “كلا وكلتا” بقراءة حمزة والكسائي، فقد رأى هؤلاء العلماء البصريون أن “كلا وكلتا” فيهما إفراد لفظي وتثنية معنوية، والألف فيهما كالألف في: “عصا ورحى” واستدلوا على أن الألف فيهما ليست للتثنية أنها تجوز إمالتها، قال الله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23]، وقال تعالى: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا} [الكهف: 33] قرأهما حمزة والكسائي وخلف بإمالة الألف فيهما، ولو كانت الألف فيهما للتثنية؛ لَمَا جازت إمالتها لأن ألف التثنية لا تجوز إمالتها.

بينما توسع الكوفيون في الاستشهاد والاحتـجاج بالقـراءات القـرآنية في مسـائل النحـو وقـواعده؛ لأنهم رأوا أن القراءات سندها الرواية، وهي من أجل هذا أقوى في مجال الاستشهاد من الشعر وغيره؛ لأن شعار الرواة فيها الدقة والضبط والإتقان.

ومن ثم كانت القراءات في نظرهم مصدرًا لتقعيد القواعد، وبناء الأساليب وتصحيح الكلام، بغض النظر عن موافقتها للقياس المأخوذ أو عدم موافقتها؛ لأنها في ذاتها يجب أن تشتق منها المقاييس وتستمد الأصول.

وقد رأى كثير من المحدثين أن منهج الكوفيين أسلم وأصح في مضمار القراءات من منهج البصريين؛ لأن اتخاذ القراءات مصدرًا للاستشهاد يثري اللغة, ويزيد من رصيدها, ويجعلها غنية بأساليبها على الدوام؛ فلا تمد يدها إلى تعريب أو إلى دخيل.

والقراءات أقوى من المصادر الأخرى كالشعر وغيره؛ لأن رواة القراءات يتحرجون من عدم الدقة فيها، على حين لا يبالون بالحرج في غيرها حينما تخون الحافظة، أو يستبد النسيان، أو يقع على الألسنة التحريف.

وقد عجب بعض العلماء -ومنهم ابن حزم- من منطق البصريين إزاء القراءات.

وهناك مسائل قد اختلفت فيها وجهة نحويي البصرة والكوفة؛ بسبب القراءات القرآنية، وذلك مثل خلاف المدرستين في فعل الأمر، أمعرب أم مبني؟ حيث ذهب الكوفيون إلى أن فعل الأمر معرب مجزوم, وذهب البصريون إلى أنه مبني على السكون، ولكل حجته.

ونجد في التراث النحوي أيضًا قراءات, ظاهرهُا يدل على أنها متعارضة مع أصول العلماء, فانشغل النحاة بها، وبسبب هذه القراءات تعددت مسائل النحو، وفاضت كتبه حتى امتلأت بالآراء العديدة, كما في سورة المائدة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] فقد وقف العلماء عند قوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} حيث قُرِئ بجر “أرجلكم”، وقرئ أيضًا بنصبها: “وأرجلَكم”، فانشغل بهذه القراءة نفرٌ كثير من العلماء، منهم: أبو جعفر النحاس, والزَّجَّاج، والزمخشري, وغيرهم، فقد قال أبو جعفر النحاس: من قرأ بالنصب أي: “وامسحوا برءوسكم وأرجُلَكُم” جعله عطفًا على الأول وهو “واغسلوا” حيث قال في صدر الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} والتقدير: “واغسلوا أرجلكم” ثم قال: إن الأخفش وأبا عبيدة يذهبان إلى أن الخفض على الجوار، خفض الأرجل على الجوار، يعني: جوار أرجلكم لرءوسكم، إلا أن الخفض على الجوار والمعنى للغسل.

وقال الأخفش: مثله “هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ”, وقال أبو جعفر النحاس معقبًا: وهذا القول –أي: قول الأخفش- غلط عظيم؛ لأن الجوار لا يجوز في الكلام أن يقاس عليه وإنما هو غلط.

وينسب أبو جعفر النحاس قراءة النصب إلى عروة بن الزبير ونافع والكسائي، قال: وقرأ أنس بن مالك: “وأرجلكم” بالخفض، وهي قراءة أبي جعفر، وأبي عمرو بن العلاء، وعاصم، وحمزة، والأعمش, على أنه يقال: تمسحت بمعنى: تطهرت للصلاة؛ فتكون على هذا قراءة الخفض كالنصب.

error: النص محمي !!