Top
Image Alt

موقف علي بن أبي طالب من الخلافة والخلفاء

  /  موقف علي بن أبي طالب من الخلافة والخلفاء

موقف علي بن أبي طالب من الخلافة والخلفاء

وفي الوقت الذي تعظم الشيعة قضية الإمامة وتراها القطب الأعظم للدين عندهم لم يُؤثر عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه ذهب إلى تقديس الخلافة أبدًا، أو أنه جعل الإمامة ركنًا من أركان العقيدة، ولكن الذي أُثِر عنه طبقًا للمصادر الإسلامية من شيعية وغير شيعية أنه كان زاهدًا فيها وغير حريص عليها، هذا، فضلًا عن حبه للخلفاء الراشدين الذين سبقوه، ومودّتِه لهم، وإصهارِه إليهم، ورثائِه إياهم عندما توفوا إلى رحمة الله تعالى، فيروي ابن أبي الحديد قولًا للإمام علي في الخلافة: “دعوني والتمسوا غيري، فإنَّا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان، وأعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلِّي أسمعكم وأطيَعكم لمن ولّيتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا”.

في كلمات أخرى يرويها ابن أبي الحديد أيضًا عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: “والله ما كان لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها، وحملتموني عليها، فلما أفضت إليّ نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا وما أمرنا بالحكم به فاتبعته، وما استنَّ النبي صلى الله عليه وسلم فاقتضيته”.

وهكذا يتحمل سيدنا علي رضي الله عنه أمانة الخلافة استجابة لطلب المسلمين، ولم يخطر بباله أنها منصب إلهي أو ركن من أركان العقيدة الإسلامية، وهذا أستاذ شيعي يشهد ويجتهد في المسألة وهو الدكتور موسى الموسوي في كتابه (الشيعة والتصحيح)، فيرى أن عليًّا أولى بالخلافة وليس بالإمامة على الصورة التي رسمها الشيعة المتأخرون زمانًا، ولكن المسلمين بايعوا الخلفاء الراشدين وعلي بايعهم، ثم بايع المسلمون عليًّا بعد عثمان، فلا غبار على شريعة الخلفاء الراشدين من أبي بكر إلى علي، كتاب (الشيعة والتصحيح) للدكتور موسى الموسوي.

ويمضي المجتهد الإيراني الشيعي الدكتور موسى الموسوي في القول بأن الإمام عليًّا كان يؤكِّد على شرعية بيعة الخلفاء الراشدين قائلًا: ومرة أخرى نقول: “إن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يعتقد الإمام علي والذين كانوا معه أنه أولى بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره، ولكن المسلمين اختاروا غيره، وبيْن أن يعتقد أن الخلافة حقه الإلهي ولكنها اغتصبت منه”، ثم يقول: والآن فلنستمع للإمام علي وهو يحدثنا عن هذا الأمر بكل وضوح وصراحة، ويؤكد شرعية انتخاب الخلفاء وعدم وجود نص سماوي في أمر الخلافة، ويردّد قولًا للإمام ذكره ابن أبي الحديد وهو: أنه بايعني القوم الذين بايعوا أبو بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار وللغائب أن يردّ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل سموه إمامًا كان ذلك لله رضًا، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين.

وفي موضع آخر من كتابه (الشيعة والتصحيح) يعود الدكتور موسى ليؤكّد على شرعية الخلفاء الراشدين وبيعة سيدنا علي رضي الله عنهم لهم قائلًا: إذا كانت الخلافة بنص سماوي، وكان هذا النص في علي، هل كان بإمكان الإمام علي أن يغض النظر عن هذا النص ويبايع الخلفاء ويرضخ لأمر لم يكن من حقهم؟! ثم اسمع رأي الإمام علي في الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين: كان علي شديد الحب للخلفاء الراشدين، كثيرَ التعاون معهم في دراسة مشاكل المسلمين وتحملِ مسئولية الحكم إبّان أسفاره كانوا يندبونه إلى ذلك.

ولعل أبلغ ما يمكن أن يصوِّر مكانة أبي بكر في قلب الإمام علي رضي الله عنه هو خطبة علي حين وقف على بابه يخاطبه يوم وفاته قائلًا: “رحمك الله يا أبا بكر، كنت أول القوم إسلامًا، وأخلصهم إيمانًا، وأشدهم يقينا، وأعظمهم عناء، وأحفظهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خُلقًا وفضلًا وهديًا وسمتًا؛ فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين خيرًا، صدَّقْت رسولَ الله حين كذبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وأسماك الله في كتابه صديقًا، فقال: {وَالّذِي جَآءَ بِالصّدْقِ وَصَدّقَ بِهِ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ} [الزمر: 33] يريد محمدًا صلى الله عليه وسلم ويريدك، وكنت والله للإسلام حصنًا، وعلى الكافرين عذابًا، لم تقلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك وكنت كالجبل لا تحركه العواصف، وكنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا في بدنك، قويًّا في أمر الله، متواضعًا في نفسك، وعظيمًا عند الله، جليلًا في الأرض كبيرًا عند المؤمنين، ولم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة؛ فالقوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه، والضعيف عندك قوي حتى تأخذ الحق له، فلا حرمنا الله أجرك، ولا أضلنا بعدك”.

هذا هو رثاء أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لأمير المؤمنين خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر رضي الله عنه، أو قُل بالأحرى هذا رأيه فيه، وتلك دمعة سكبها لفراقه، أفمثل هذا الذي رثاه سيدنا علي بهذه المعاني يُمكن لأتباع سيدنا علي أن يرموه بالكفر والرّدّة، وأن يصفوه بالجبت والطاغوت؟! والرأي نفسه قاله أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في عمر وعثمان –رضي الله عنهما، وهو كلام جميل كله صدق وأدب، وكلام موثق لا كذب فيه ولا تلفيق.

ثم يعود المجتهد والدكتور موسى الموسوي يستعرض الكثير من هذه المواقف ويردّدها ثم يقول: “لا يجوز تجريح الخلفاء وذمّهم بالكلام البذيء الذي نجده في أكثر كتب الشيعة، والكلام الذي يُغاير كل الموازين الإسلامية والأخلاقية، ويُناقض الإمام علي ومدحه وتمجيده في حقهم، ويجب على الشيعة أن تحترم الخلفاء الراشدين وتقدّر منزلتهم من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم صاهر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وعثمان رضي الله عنه صاهر النبي صلى الله عليه وسلم مرتين، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه صاهر عليًّا وتزوج من ابنته أم كلثوم رضي الله عنها”.

ويستطرد المجتهد الشيعي قائلًا: “ولا أطلب من الشيعة في هذه الدعوة التصحيحية أن تقول وتعتقد في الخلفاء الثلاثة الذين سبقوا عليًّا رضي الله عنه أكثر مما قاله الإمام في حقهم، فلو التزمت الشيعة بعمل الإمام علي لانتهى الخلاف وساد الأمة الإسلامية سلام فكري عميق فيه ضمان الوحدة الإسلامية الكبرى” (الشيعة والتصحيح).

ويقول الدكتور مصطفى الشكعة تعقيبًا على هذا الكلام: “هذا كلام عالم شيعي مجتهد جليل، يشاركه رأيه في هذا الموضوع كثير من علماء الشيعة وأعيانهم المعاصرين الذين تربطنا بالكثير منهم روابط أخوة إسلامية ومودّة قلبية وأواصر متينة من الود والمحبة، وإذا كان العالم المجتهد الدكتور الموسوي قد فصل الأمر في علاقات الحب والاحترام المتبادل بين الإمام علي والخلفاء الراشدين السابقين عليه، فإننا نضيف إلى قوله أن الإمام عليًّا رضي الله عنه لشدّة تعلقه بالخلفاء الراشدين الثلاثة رضي الله عنهم الذين سبقوه قد سمَّى ثلاثة من أبنائه بأسمائهم، فلقد سمى أحد أولاده أبا بكر، سمى ولدًا ثانيًا عمر، سمى ولدًا ثالثًا عثمان، وهذه قرينة كبرى على حب سيدنا علي لإخوانه الراشدين رضي الله عنهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

وإليك مزيدًا من مواقف علي بن أبي طالب من الخلافة وممن سبقه من الخلفاء: روى الإمام يحيى بن حمزة الزيدي عن سويد بن غفلة أنه قال: مررت بقوم ينتقصون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فأخبرت عليًّا رضي الله عنه عنهم، وقلت: لولا أنهم يرون أنك تضمر ما أعلنوا ما اجترءوا على ذلك، فقال علي رضي الله عنه: نعوذ بالله، رحمنا الله، ثم قام فأخذ بيدي فأدخلني المسجد فصعد المنبر ثم قبض على لحيته وهي بيضاء، فجعلت دموعه تتحادر عليها وجعل ينظر للقاع حتى اجتمع الناس، ثم خطب فقال: ما بال أقوام يذكرون أخوَي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيرَيْه وصاحبيه وسيدَي قريش وأبوَي المسلمين، وأنا مما يذكرون بريء وعليه معاقِب، صحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحب والوفاء والجِد في أمر الله، يأمران وينهيان، ويغضبان ويعاقبان، ولا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم كرأيهما رأيًا، ولا يحب كحبهما حبًّا، لما يرى من عزمهما في أمر الله، فقُبض صلى الله عليه وسلم وهو عنهما راضٍ والمسلمون راضون، فما تجاوز في أمرهما وسيرتهما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه في حياته وبعد موته، فقُبضا على ذلك رحمهما الله، فوالذي فلق الحبة وبَرَأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل ولا يبغضهما إلا شقي مارق، فحبهما قربة وبغضهما مروق، فالله أكبر.

هذا قول علي في الشيخين ورأيه فيهما، فعلى أي شيء يلعن الشيعة أبا بكر وعمر خاصة والصحابة عامة؟! هذا وتزعم الشيعة أن عليًّا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفته بنص أو وصية، فأين هذا النص وتلك الوصية؟ ولماذا لم يخرجها علي يومًا ما أو يعلنها على الناس؟ ولماذا لم يعرفها أحد من الصحابة فيعلنها في حينها عند مبايعة أبي بكر الصديق، أو مِن قبل ذلك أو مِن بعده؟ وماذا نقول في هذا النص الذي يدل على عدم وجود وصية أصلًا، وهو في ذلك واضح وضوح الشمس في جلاء النهار؛ حيث روت كتب السنة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عليًّا خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو في وجعه الذي تُوفي فيه فقال الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال علي رضي الله عنه: أصبح بحمد الله بارئًا، وأخذ بيده العباس رضي الله عنه وقال: أنت والله بعد ثلاث عبدُ العصا، وإني والله لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتوفى من وجعه هذا، وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله فيمن هذا الأمر؟ فإن كان فينا علمناه، وإن كان في غيرنا كلمناه فأوصى بنا، فقال علي: أما والله لئن سألناه فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني لا أسألها.

وواضح من هذه الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لم يكن هناك نصّ ولا وصية ولا تعيين على إمامة علي رضي الله عنه، وكيف يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى بالخلافة لعلي رضي الله عنه وهو الذي سارع إلى مبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لمجرد سماعه مبايعة المسلمين بالخلافة، أو بعد ستة أشهر كما قيل، حيث كان منشغلًا بزوجه فاطمة رضي الله عنها.

ومما يدل على أن عليًّا بايع أبا بكر منذ البداية ورضي بخلافته ما رواه الطبري من أن أبا سفيان بن حرب جاء إلى علي رضي الله عنه عقب تولية أبي بكر الخلافة، وقال له: ما بال الأمر -يريد الخلافة- في أقل حي من قريش، والله إن شئت لأملأنها عليه خيلًا ورجالًا، فقال له علي: يا أبا سفيان، طالما عاديت الإسلام وأهله فلم تضره شيئًا، وإنا وجدنا أبا بكر لها أهلًا.

error: النص محمي !!