Top
Image Alt

موقف متأخري الباطنية من تفسير القرآن الكريم

  /  موقف متأخري الباطنية من تفسير القرآن الكريم

موقف متأخري الباطنية من تفسير القرآن الكريم

والمقصود بهم البابية والبهائية.

يقول الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون) الجزء الثاني ص253 يقول: إن الباطنية يعرفون بأسماء عدة، ولا تزال منهم بقية إلى يومنا هذا في كثير من بلاد المسلمين.

الباطنية يوجدون بالهند، ويعرفون بالبهرة أو الإسماعيلية، وزعيمهم أغاخان، الزعيم الإسماعيلي المعروف، ويوجدون في بلاد الأكراد، ويعرفون بالعلوية؛ حيث يقولون: علي هو الله. ويوجدون في تركيا، ويعرفون بالبكداشية، وفي مصر جماعة من البكداشية من أصل ألباني يقيمون في الجبل المعروف بالمغاوري، ويوجدون في بلاد العجم، ويعرفون بالبابية، ويوجدون في فلسطين ويعرفون بالبهائية، ومنهم جماعات في بلاد متفرقة.

وتوجد بالهند فرقة أخرى من الباطنية هي القاديانية، وهي أحدث فرقهم عهدًا وأقربها ظهورًا، هذه الفرق التي تنتشر بين المسلمين إلى اليوم لها رأي في التأويل الباطني للقرآن الكريم يتفق مع مبدأها ومشربها، ولعلمائها تأويلات قرآنية يميلون بها نحو مذاهبهم وعقائدهم، لكننا -كما يقول الذهبي- لم نقف على تفسير لهم إلا شيئًا يسيرًا للبابية والبهائية.

أولًا: نشأة البابية والبهائية:

البابية: نسبة إلى الباب، وهو لقب مرزا علي محمد الذي ابتدع هذه النحلة، وإليه تنسب هذه الطائفة باعتباره المؤسس الأول لها.

البهائية: نسبة إلى بهاء الله، وهو لقب مرزا حسين علي، الزعيم الثاني للبابية، وإليه تنسب هذه الطائفة باعتباره المؤسس الثاني لها.

أصل نشأة هذه الطائفة: أن مرزا علي محمد، الملقب بالباب، والمولود في سنة 1235 هجرية توفي عنه والده مرزا محمد رضا قبل فطامه فتربى في حجر خاله مرزا سيد علي، ونشأ معه في مدينة شيراز بجنوب إيران، واشتغل معه بالتجارة، ولما بلغ سنه الخامسة والعشرين ادعى أنه الباب، والباب عند الشيعة نائب المهدي المنتظر، وكان ادعاؤه هذا في سنة 1260 هجرية، وما لبث أن وصلت هذه الدعوة إلى طائفة من الجاهلين فصدقوا بها وتتابعوا عليها.

وكان عدد من صدقه في أول الأمر ثمانية عشر رجلًا، ثم أمر أتباعه هؤلاء بالانتشار في إيران وبلاد العراق يبشرون به وبدعوته، وأوصاهم بكتمان اسمه حتى يظهره هو بنفسه، ولما حج وفرغ من أعمال الحج أعلن دعوته في المجمع الكبير، فاشتهر اسمه، وذاعت دعوته، فثارت عليه طوائف المسلمين، وقاموا في سبيل دعوته يحاربونها بكل الوسائل.

بعد ذلك نأتي إلى البهائية:

بهاء الله، ولد بهاء الله سنة 1233 هجرية، وكان ابنه مرزا عباس من كبار وزراء الدولة في وقته، فلما قام الباب واشتهر أمره صدقه بهاء الله، فاشتد به أزر البابيين وكثرت جماعته.

ولما حدثت حادثة سنة 1268 هجرية، وهي محاولة اغتيال ناصر الدين شاه، قبض على بهاء الله، وسجن نحو أربعة أشهر، ثم أفرج عنه وأبعد إلى العراق، فدخل بغداد سنة 1269 هجرية، ومكث بها اثني عشر عامًا يدعو الناس إلى نفسه، ويزعم أنه هو الموعود به الذي أخبر عنه الباب.

وكان يشير إليه بلفظ من يظهره الله، وهنا تجمّع حوله بعض أتباعه الذين لحقوا به من البابيين، وتسموا حينئذ بالبهائيين.

الصلة بين عقائد البابية وعقائد الباطنية القدامى:

يقول الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون) الجزء الثاني ص257: بالرغم من أن هذه الفرقة لم تظهر إلا قريبًا، فإنا نجدها ليست بالفرقة المحدَثة في عقائدها وتعاليمها، بل هي في الحقيقة ونفس الأمر وليدة من ولائد الباطنية، تغذت من ديانات قديمة وآراء فلسفية ونزعات سياسية، ثم درجت تحذو حذو الباطنية الأُول، وتترسم خطاهم في كل شيء، وتؤول القرآن بمثل ما تأولوا لتصرف عنه قلوبًا تعلقت به ونفوسًا اطمأنت إليه.

ثم يقول الذهبي: والذي يقرأ تاريخ الباطنية الأول، ويطلع على ما في كتبهم من خرافات وأباطيل، ثم يقرأ تاريخ البابية والبهائية، ويطلع على ما في كتبهم من خرافات وأباطيل- لا يسعه إلا أن يحكم بأن روح الباطنية حلت في جسم مرزا علي ومرزا حسين علي؛ فخرجت للناس أخيرًا باسم البابية والبهائية.

تقوم دعوة قدماء الباطنية على إبطال الشريعة الإسلامية، وينفذون إلى عقول العامة بإظهار الحب والتشيع، بل والانتساب إلى آل البيت، ثم يصلون إلى أهوائهم ومآربهم بصرفهم القرآن إلى معانٍ باطنية لا يقبلها العقل ولا تمُد إلى الدين بسبب، وعلى هذا الأساس قامت دعوة البابية والبهائية، وبمثل هذه الوسيلة وصلوا إلى أغراضهم وأهوائهم.

تأويلات البابية والبهائية للقرآن الكريم:

نجد أن الباب فسر سورة يوسف، فمشى فيها على طريقة التأويل الذي لا يقره الشرع ولا يقبله العقل، ولا يمكن أن يفهمه إلا من يفهم لغة أصحاب العقول المريضة، وإليك بعض ما قاله الباب في تفسيره لسورة يوسف؛ لتقف على مقدار هذيانه وتلاعبه بالنصوص القرآنية، هكذا يقول الدكتور محمد حسين الذهبي.

عند قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِين} [يوسف: 4] يقول ما نصه: وقد قصد الرحمن من ذكر يوسف نفس الرسول، وثمرة البتول حسين بن علي بن أبي طالب مشهودًا؛ إذ قال حسين لأبيه يومًا: إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم بالاحتيال على الحق لله القديم سُجدًا، وإن الله قد أراد بالشمس فاطمة، وبالقمر محمدًا، وبالنجوم أئمة الحق في أم الكتاب معروفًا، فهم الذين يبكون على يوسف بإذن الله سجدًا وقيامًا.

تأويلات بهاء الله:

ويرى بهاء الله أن ما ورد في القرآن من الصراط والزكاة والصيام والحج والكعبة والبلد الحرام، وما إلى ذلك كله لا يراد به ظاهره، وإنما يراد به الأئمة، وفي هذا يقول في الكتاب: قال أبو جعفر الطوسي: قلت لأبي عبد الله: أنتم الصراط في كتاب الله، وأنتم الزكاة، وأنتم الحج؟ قال يا فلان: نحن الصراط في كتاب الله عز وجل ونحن الزكاة، ونحن الصيام، ونحن الحج، ونحن الشهر الحرام، ونحن البلد الحرام، ونحن كعبة الله، ونحن قبلة الله، ونحن وجه الله.

تأويلات عبد البهاء عباس:

يقول الذهبي في كتابه: كذلك نجد عبد البهاء يتكلم عن النبوة والوحي بما يوافق كلام قدماء الباطنية الذين قلدوا الفلاسفة فيقول: الأنبياء مرايا تنبئ عن الفيض الإلهي والتجلي الروحاني، وانطبعت فيها أشعة ساطعة من شمس الحقيقة، وارتسمت فيها الصور العالية ممثَّلة لها تجليات أسماء الله الحسنى، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} فهم معادن الرحمة ومهابط الوحي، ومشارق الأنوار ومصادر الإرسال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء: 107].

ويقول الذهبي: ونجد قرة العيون -إحدى أتباع الباب- تدعي أنها الصور الذي ينفخ فيه يوم القيامة، وتقول: إن الصور الذي ينتظرنا في اليوم الأخير هو أنا.

هذه تأويلات البهائية، وأيضًا هناك تأويلات لأبي الفضائل، فمن ذلك مثلًا أنه يفسر الروح الأمين الذي ورد في القرآن بأنه الحقيقة المقدسة، ثم يعرِّفها فيقول: هي غيب في ذاتها مجردة بحقيقتها عن الجسم أو الجسمانيات، فلا توصف بأوصاف الماديات، ولا تذكر بخصائصها، ولا يطلق عليها الخروج والدخول، ولا توصف بالتحيز والحلول.

وإنما هي حقيقة تتجلى في مظاهر أمر الله تعالى، عرشها قلوب الأصفياء، ومرآة تجليها صدور الأولياء، وإنما مثل طلوعها وإشراقها في النفوس القدسية، كمثل انطباع الشمس في المرايا، فلا يقال: إن الشمس حلت في المرآة، ولا إنها دخلت فيها، بل ولا يقال إنها: عرضت عليها، بل يقال: إن الشمس تجلت في المرآة، وظهرت منها، وأشرقت وانطبعت بها.

ومن ذلك أيضًا تأويلات أبي الفضائل يقول: {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين} [الأعراف: 143]. يقول: اعلم -حفظك الله- أن علماءنا -سامحهم الله- اختلفوا في رؤية الله تعالى وعدم جواز رؤيته، فالشيعة والمعتزلة أنكروا جواز رؤيته؛ حيث تقتضي الجهة والمقابلة، وهي من مقتضيات الجسد والتحين والتحدد وأمثال ذلك، وهو منزه عن تلك الأوصاف إذ لم يفهموا من لفظة الله سوى الذات، ولا شك أن الذات منزهة عن تلك الصفات.

وأهل السنة والجماعة جوزوا رؤية الله اعتمادًا على صريح الآيات، واستنادًا على صريح الأحاديث والروايات، وكانوا على هذه العقيدة الصالحة إلى أواسط القرون الهجرية، فمزجوها بالعقيدة الوهمية؛ حيث شاعت في تلك القرون بينهم المسائل الكلامية، فإنهم قالوا: إن رؤية الله جائزة وواقعة في القيامة إلا أنها ليس من قبيل الإحاطة بالنظر، فترى ذات الله من غير مواجهة ومقابلة وكيفية وإحاطة مما يرجع إلى الوهم الصحيح وإنكار الرؤية حقيقة.

وأهل البهاء قالوا: إن ذات الله بسبب تجردها وتقديسها الذاتي لا تدرك ولا توصف ولا تسمى باسم، ولا تشار بإشارة ولا تتعين بإرجاع ضمير.

وبعد، هذه نبذة من تأويلات البهائية للقرآن الكريم تعطينا دليلًا قويًّا وبرهانًا صادقًا على أن المذهب البابي أو البهائي يقوم على أطلال الباطنية، ويحمل في سريرته القصد إلى هدم شريعة الإسلام بمعول التأويل في آيات القرآن، ودعوى النبوة والرسالة بعد أن ختمها الله برسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

يقول الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون) الجزء الثاني ص278: إذا كان لنا كلمة بعد ذلك فهي أن البابية والبهائية وأسلافهم من الباطنية لم يكونوا أول من ابتدأ التأويل لنصوص الشريعة على هذه الصورة التي تأتي على بنيان الدين من قواعده، وإنما هو صنيع قلدوا فيه طائفة من فلاسفة اليهود الذين سبقوهم، فهذا هو “فيلُن” الفيلسوف اليهودي المولود ما بين عشرين وثلاثين سنة قبل الميلاد، نجده ألف كتابًا في تأويل التوراة ذاهبًا إلى أن كثيرًا مما فيها رموز إلى أشياء غير ظاهرة.

ويقول الكاتبون في تاريخ الفلسفة: إن هذا التأويل الرمزي كان موجودًا ومعروفًا عند أدباء اليهود بالإسكندرية قبل زمن “فيلن” ويذكرون أمثلة من تأويلهم أنهم فسروا آدم بالعقل، والجنة برياسة النفس، وإبراهيم بالفضيلة الناتجة من العلم، وإسحاق عندهم هو الفضيلة الغريزية، ويعقوب الفضيلة الحاصلة من التمرين، إلى أمثال هذا من التأويل، الذي لا يحوم عليه إلا الجاحدون المراءون، ولا يقبله منهم إلا قوم هم عن مواقع الحكمة ودلائل الحق غافلون.

فتأويلات البابية والبهائية المقصد منها هدم الشريعة الإسلامية؛ لذلك نجد أبا الفضائل في (الحجج البهية) يقرر أن جميع الديانات السماوية وغير السماوية واحدة من ناحية الاتفاق على العقائد الأصلية، وإن اختلفت في الأحكام الفرعية، وذلك حيث يقول في تفسيره لقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] يقول الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون) الجزء الثاني ص-276 يقول: فانظروا وفقكم الله كيف اعتبر في الآية الكريمة ديانات الصابئة والزردشتية والموسوية والنصرانية والإسلام دينًا واحدًا، كما اعتبر مؤسسها وشارعها إلهًا واحدًا على اختلافها في الأحكام والحدود والآداب.

وهذا منه كفر صريح؛ لأن الآية لا تدل على أكثر من اتحاد جميع الشرائع السماوية في أصول العقائد، أما الديانة الصابئية والديانة الزردشتية فلم يقلْ أحد أنها من شرائع الله حتى يسوّي بينها وبين سائر الشرائع السماوية.

كذلك نجد أبا الفضائل يقول بالرجعة، ويريد بها رجوع الحقيقة المقدسة التي هي الوحي على معنى أن الوحي بعد انقطاعه بموت محمد صلى الله عليه وسلم يرجع فينزل مرة ثانية على زعيمهم الباب ثم البهاء، ويفسر القيامة بأنها قيام مُظهر الحقيقة المقدسة والساعة بساعة طلوعها وإشراقها بعد الغيبة.

ويقول: وأما الرجعة والقيامة بالمعنى الذي تعتقد وتنتظره الأمم فهي أمر غير معقول، إذ هو مخالف للنواميس الطبيعية ومباين للسنن البهية.

ويقول أيضًا: إن جميع ما نزل في الكتب المقدسة من بشارات يوم الله ويوم القيامة، وظهور الرب، وورود الساعة وأشراطها لا بد أن تكون لتلك الألفاظ مقاصد معقولة ومفاهيم ممكنة ومعان غير المعاني الظاهرة، ومدلولات غير المدلولات الأولية.

وهكذا ترى أن تأويلات البابية والبهائية لكتاب الله سبحانه وتعالى المقصود منها هدم الشريعة الإسلامية.

error: النص محمي !!