Top
Image Alt

موقف متقدمي الباطنية من تفسير القرآن الكريم

  /  موقف متقدمي الباطنية من تفسير القرآن الكريم

موقف متقدمي الباطنية من تفسير القرآن الكريم

1. منهج تفسير الإمامية الإسماعيلية الباطنية:

أ. التعريف بالباطنية:               

والإسماعيلية من الشيعة الإمامية، تُنسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وهم يُلقبون بالباطنية أيضًا؛ لقولهم بباطن القرآن دون ظاهره، أو لقولهم بالإمام الباطن المستور، والحقّ أن هذه الطائفة لا يمكن أن تكون داخلة في عداد طوائف المسلمين، وإنما هي في الأصل جماعة من المجوس، رَأَوْا شوكة الإسلام قوية لا تُقهر، وأبصروا عزّة المسلمين فتيّة، لا تُغلب ولا تُكسر، فاشتعلت بين جوانحهم نار الحقد على الإسلام والمسلمين، ورَأَوْا أنهم لا سبيل لهم إلى الانتصار على المسلمين بقوة الحديد والنار، ولا طاقة لهم بالوقوف أمام جيشهم الزّاخر الجرّار، فسلكوا طريق الاحتيال الذي يوصلهم إلى مآربهم وأهوائهم: {لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} [الصف: 8] وخفي على هؤلاء الملاحدة أن: {وَاللّهُ مُتِمّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8].

ب. موقف متقدّمي الباطنية من تفسير القرآن الكريم:

منهجهم: التشكيك في القرآن الكريم، فهو -في وجهة نظرهم- خير معول لهم على تركيز عقائدهم، وهدم الدّين، فجرى القوم في تأويلاتهم على هذا المنهج في شرحهم لكتاب الله تعالى؛ فكان من تأويلاتهم ما يأتي:

الوضوء: عبارة عن مولاة الإمام.

التيمم: هو الأخذ من المأذون عند غيبة الإمام الذي هو الحجة.

الصلاة: عبارة عن الناطق الذي هو الرسول؛ بدليل قوله تعالى: {إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45].

الغسل: تجديد العهد، ممّن أفشى سرًّا من أسرارهم من غير قصد، وإفشاء السر عندهم على هذا النحو هو معنى الاحتلام.

الزكاة: عبارة عن تزكية النفس، بمعرفة ما هم عليه من الدين.

الكعبة: النبي.

الباب: عليّ.

الصفا: هو النبي.

المروة: علي.

الميقات: الإيناس.

التلبية: إجابة الدعوة.

الطواف بالبيت سبعًا: موالاة الأئمة السبعة.

الجنة: راحة الأبدان من التكاليف.

النار: مشقتها بمزاولة التكاليف.

وتأوّلوا أنهار الجنة، فقالوا: أنهارٌ من لبن -أي: معادن العلم، اللبن: العلم الباطن- يرتفع به أهلها، ويتغذون به تغذيُّا تدوم به حياتهم اللطيفة، فإن غذاء الروح اللطيفة بارتضاع العلم من المعلم، كما أن حياة الجسم الكثيف بارتضاع اللبن من ثدي الأم، وأنهار من خمر هو العلم الظاهر، وأنهار من عسل مصفّى هو علم الباطن المأخوذ من الحجج، والأئمة.

كذلك نجد الباطنية يرفضون المعجزات، ولا يعترفون بها للرسل، وينكرون نزول ملائكة من السماء بالوحي من الله؛ بل زادوا على ذلك: فأنكروا أن يكون في السماء ملك، وفي الأرض شيطان، وأنكروا آدم والدجال، و ي{َأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} [الكهف: 94]، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام آيات من القرآن تُكذّب دعواهم هذه، فتخلّصوا منها بمبدئهم الذي صاروا عليه في تفسيرهم، وهو: إنكار الظاهر، والأخذ بالباطن، وأولوا هذه الآيات بما يتّفق ومذهبهم.

فتأوّلوا الملائكة على دعائهم الذين يدعون إلى بدعتهم، وتأوّلوا الشياطين على مخالفيهم، وتأوّلوا كل ما جاء في القرآن من معجزات الأنبياء -عليهم السلام- فقالوا: الطوفان: طوفان العلم، أغرق به المتمسكون بالسنة، والسفينة: حرزه، الذي تحصّن به من استجاب لدعوته، ونار إبراهيم: عبارة عن غضب نمرود عليه، لا النار الحقيقية، وذبح إسحاق: أخذ العهد عليه.

وعصا موسى: حجّته التي تلقّفت ما يكونون يأفكون من الشّبه لا الخشب، وانفلاق البحر: افتراق علم موسى فيهم على أقسام، والبحر: هو العلم، والغمام الذي أضلّهم: الإمام الذي نصّبه موسى لإرشادهم، وإفاضة العلم عليهم: { [الأعراف: 133]، هي سؤالات موسى، والتزاماته التي سلّطت عليهم.

و {الْمَنّ وَالسّلْوَىَ} [الأعراف: 160]، علم نزل من السماء لداعٍ من الدعاة، هو المراد بالسلوى، وتسبيح الجبال: تسبيح رجال شداد في الدين، راسخين في اليقين، والجن الذي ملكهم سليمان بن داود: باطنية ذلك الزمان، والشياطين: هم الظاهرية، الذين كلّفوا بالأعمال الشّاقّة، وعيسى: له أبٌ من حيث الظاهر، وإنما أراد بالأب المنفي: الإمام، إذ لم يكن له إمام؛ بل استفاد العلم من الله بغير واسطة، وزعموا -لعنهم الله- أن أباه يوسف النجار، وكلامه في المهد: اطلاعه في مهد القالب قبل التخلص منه على ما يتطلع عليه غيره بعد الوفاة والخلاص من القالب.

وإحياء الموتى من عيسى: الإحياء بحياة العلم عن موت الجهل بالباطل، وإبراء الأعمى عن عمى الضلالة، والأبرص عن برص الكفر ببصيرة الحق المبين، وإبليس وآدم: عبارة عن أبي بكر وعلي، إذ أُمر أبو بكر بالسجود لعلي والطاعة له، فأبى واستكبر، والدجال: أبو بكر، وكان أعورَ؛ إذ لم يبصروا إلا بعين الظاهر دون عين الباطن، ويأجوج ومأجوج، هم: أهل الظاهر.

بل بالغوا، فقالوا: إن الأنبياء قوم أحبّوا الزعامة، فساسوا العامة بالنواميس والحيل؛ طلبًا للزعامة بدعوة النبوة والإمامة.

هذا، وإن مِمَّا زعمته الباطنية: أن من عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها، وتأولوا في ذلك قوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبّكَ حَتّىَ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]، وحملوا اليقين على معرفة التأويل.

كذلك استحلوا نكاح البنات والأخوات وجميع المحارم، بحجة أن الأخ أحق بأخته، والأب أولى بابنته، وهكذا.

ولست أدري على أي وجه تأوّلوا آية النساء، التي حرمت ذلك، ومنعته منعًا باتًّا.

ومن جملة تأويلاتهم الباطلة التي يتوصّلون بها إلى هواهم النفسي، ومأربهم الشخصي: أنهم بعد أن يلقوا على المدعو ما يشكّكون به، وتتطلع إلى معرفته من جهته لنفسه، يقولون له: لا نظهره إلا بتقديم خير عليه، فيطلبون مائة وتسعة عشر درهمًا من السبيكة الخالصة، ويقولون: هذا تأويل قوله تعالى: {وَأَقْرَضُواْ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً} [الحديد: 18]، فالحاء والسين والنون والألف: إذا جُمع عددها بحساب الجمل، يكون مبلغه مائة وتسعة عشر!!

ومَن الذي قال: إن القرآن يخضع في تفسيره وفَهم معانيه إلى حساب الجمل؟!! اللهم إن هذا لا يصدر إلا عن مخلف، أو زنديق، يريد أن يضلّ الناس، ويحتال على سلب أموالهم بدعوى يدّعيها على كتاب الله.

كذلك نجدهم يحرصون على نفي وجود الإله الحق، والنبي المرسل محمد صلى الله عليه وسلم ليتوصلوا بذلك إلى رفع التكاليف، فنراهم يقولون للمبتدئ:

إن الله خلق الناس، واختار منهم محمدًا صلى الله عليه وسلم فيستحسنُ المبتدئ هذا الكلامَ، ثم يُقال له: أتدري من محمد؟ فيقول: نعم، محمد رسول الله، خرج من مكة، وادّعى النبوة، وأظهر الرسالة، وعرض المعجزة، فيقولون له: ليس هذا الذي تقوله إلا كقول هؤلاء الحمير -يقصدون بذلك: المؤمنين من أهل الإسلام- إنما محمد: أنت، فيستعيذ السامع، ويقول: لست أنا محمدًا، فيقولون له: الله تعالى وصفه في هذا القرآن، فقال: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ} [التوبة: 128]، وهؤلاء الحمير، يقولون: من مكة، فيقول له: على أي معنى تقول: أنا محمد؟! فيقول: خِلقتك وصورتك خلقة محمد، فالرأس بمنزلة الميم، واليدان بمنزلة الحاء، والصرّة بمنزلة الميم، والرجلان بمنزلة الدال، وكذلك أنت عليّ أيضًا: عينك هي العين، والأنف اللام هي، والفم الياء!!

وبهذا يوهمه أنه هو محمد الذي جاء ذكره في القرآن.

أما ما يُدَّعى من وجود رسول اسمه محمد فهذا ظاهره غير مراد؛ ولأجل أن يوهمه أيضًا بأنه لا إله موجود على الحقيقة، وما جاء في القرآن من ذلك فظواهرُ غيرُ مرادةٍ، نجده يقول للمبتدئ: إن المراد بإثبات الذّات يرجع إلى نفسك، ويئوّلون عليه قوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبّ هَـَذَا الْبَيْتِ} [قريش: 3]، ويقولون: الرب هو الروح، والبيت: هو البدن.

ولقد وصل غلوّ بعض الباطنية، إلى ادعاء ألوهية محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأنه هو الذي كلّم موسى، بقوله: {إِنّيَ أَنَاْ رَبّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12].

وفي هذا: يروي لنا البغدادي، صاحب (الفَرق بين الفِرق)، قصةَ رجل دخل في دعوة الباطنية، ثم وفّقه الله لتركها، والرجوع إلى رشده، يحكي هذا الرجل قصّته للبغدادي، فيقول: إنهم لما وثقوا بإيمانه قالوا له: إن المُسَمِّين بالأنبياء كنوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، محمد، وكل من ادّعى النبوة، كانوا أصحابَ نواميس ومخاريق، أحبّوا الزّعامة على العامة، فخدعوهم، واستعبدوهم بشرائعهم!

قال الحاكي، للبغدادي: ثم ناقض الذي كشف لي هذا السّرّ، بأن قال: ينبغي أن تعلم أنَّ محمد بن إسماعيل بن جعفر هو الذي نادى موسى بن عمران من الشجرة، فقال له: {إِنّيَ أَنَاْ رَبّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} ثم قال: فقلت: سخُنت عينك، تدعوني إلى الكفر برب قديم خالق للعالم! ثم تدعوني مع ذلك لإقرار بربوبية إنسان مخلوق! وتزعم أنه كان قبل ولادته إلهًا مرسلًا لموسى! فإن كان موسى عندك كاذبًا، فالذي زعمت أنه أرسله أكذب، فقال: إنك لا تفلح أبدًا، وندم على إفشاء أسراره إليَّ، وتبتُ من بدعتهم.

فهكذا تتضح نيّة الباطنية الخبيثة عن القرآن الكريم، وعن الدين الإسلامي، وأنهم دخلوا فيه ليس عن إيمان، وإنما هو تحريف للكلم عن مواضعه، بدعوى هدم الدين من أساسه.

جـ. موقف متأخري الباطنية من تفسير القرآن الكريم:

انقسموا إلى فرق، فهناك: البابية، وهناك: البهائية؛ والبابية: نسبة إلى الباب، وهو لقب ميرزا عليّ محمد، الذي ابتدع هذه النحلة؛ والبهائية: نسبة إلى بهاء الله، وهو لقب ميرزا حسين علي الزعيم الثاني للبابية، وإليه تُنسب هذه الطائفة، باعتباره المؤسّس الثاني لها.

فسَّر الباب سورة يوسف، فمشى فيها على طريقة التأويل الذي لا يقرّه الشّرع، ولا يقبله العقل، فعند قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَأَبتِ إِنّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4]، يقول ما نصّه: وقد قصد الرحمن من ذكر يوسف: نفس الرسول، وثمرة البتول، حسين بن عليّ بن أبي طالب مشهودًا، إذ قال حسين، لأبيه يومًا: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَأَبتِ إِنّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ} بالإحاطة على الحق، لله القديم سجادًا، وإن الله قد أراد بالشمس: فاطمة، وبالقمر: محمدًا، وبالنجوم: أئمة الحق في أمّ في الكتاب معروفًا، فهم الذين يبكون على يوسف -بإذن الله- سجّدًا وقيامًا.

وهكذا نجد من تفسيرات البابية، ما يُخالف القواعد الأصيلة في تفسير القرآن؛ بل الخروج عن العقيدة الصحيحة للمسلمين.

وكذلك البهائية: لا يعترفون بالبعث، ولا الجنة والنار؛ حيث يفسّرون يوم الجزاء، ويوم القيامة، بمجيء ميرزا حسين، الملقب ببهاء الله، وكذلك يقصدون بالجنة: الحياة الروحانية، وبالنار: الموت الروحاني، والموت الروحي، هو: تكذيب دعوته.

وهكذا نجد من تخاريف تفاسيرهم في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدلّ على أنهم ليسوا من المسلمين في شيء.

2. بعض ملامح منهج الشوكاني في (فتح القدير):

أ. حياة الشهداء:

إن الشوكاني يقرّر في تفسيره أن الشهداء أحياء حياة حقيقية لا مجازية، وذلك حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] يقول: قد اختلف أهل العلم في الشهداء المذكورين في هذه الآية، مَنْ هم؟ فقيل: شهداء أحد، شهداء بدر، شهداء بئر معونة، وعلى فرض أنها نزلت في سبب خاص فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومعنى الآية عند الجمهور: أنهم أحياء، حياة محققة، ثم اختلفوا: فمنهم مَن قال: إنها ترد إليهم أرواحهم في قبورهم فيتنعّمون، وقال مجاهد: يرزقون من ثمر الجنة أي: يجدون ريحها، وليسوا فيها.

وذهب ما عدا الجمهور إلى أنها حياة مجازية، والمعنى: أنهم في حكم الله مستحقّون للنعيم في الجنة؛ والصحيح الأول، ولا موجب للمصير إلى المجاز.

وقد وردت السنة المطهرة بأن أرواحهم في أجواف طيور خضر، وأنهم في الجنة يرزقون ويأكلون ويتمتعون.

ب. موقف الشوكاني، من المتشابه:

وهو كل ما ورد في القرآن من ألفاظ توهم التشبيه حملها على ظاهرها، وفوض الكيف إلى الله؛ ولهذا نراه مثلًا: عند تفسيره لقوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ} [البقرة: 255]، يقول: الكرسي الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته، وقال بعض السلف: إن الكرسي هنا: عبارة عن العلم، ورجع هذا القول ابن جرير، وقيل: {كُرْسِيّهُ} قدرته التي يمسك بها: {السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ}، كما يقال: اجعل لهذا الحائط كرسيًّا أي: ما يقيمه، ويسنده، وقيل للكرسي: هو العرش، وقيل: هو تصوير لعظمته، ولا حقيقة له، وقيل: هو عبارة عن الملك؛ والحق: القول الأول، ولا وجه للعدول عند المعنى الحقيقي إلى مجرد خيالات، وضلالات.

جـ. موقفه من مسألة خلق القرآن:

لم يرضَ الشوكاني موقف أهل السنة، ولا موقف المعتزلة من مسألة خلق القرآن، وإنما رضي أن يكون من العلماء الوقوف في هذه المسألة، فلم يجزم فيها برأي، وراح يلقي باللائمة على من يقطع بأن القرآن قديم، أو مخلوق، فعندما تعرض لتفسير قوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رّبّهِمْ مّحْدَثٍ إِلاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2] يقول ما نصه:

قد استُدل بوصف الذكر بكونه محدثًا، على أن القرآن: {مّحْدَثٍ} لأن الذكر هنا: هو القرآن، وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف؛ لأنه متجدّد في النزول، فالمعنى: محدثٌ تنزيله، وإنما النزاع في الكلام النفسي، وهذه المسألة -أعني: قدم القرآن وحدوثه- قد ابتلي بها كثير من أهل العلم.

ولقد أصاب أئمة السنة بامتناعهم من الإجابة إلى القول بخلق القرآن، وحدوثه، وحفظ الله بهم أمة نبيه عن الابتداع، ولكن -رحمهم الله- جاوزوا ذلك إلى القول بقِدَمِهِ، ولم يقتصروا على ذلك حتى كفّروا من قال بالحدوث، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من وقف.

وليتهم لم يجاوزوا حدّ الوقف، وإرجاع العلم إلى علّام الغيوب، فإنه لم يُسمع من السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم إلى وقت قيام المحنة، وظهور القول في هذه المسألة شيء من الكلام، ولا تنقل عنهم كلمة في ذلك، فكان الامتناع من الإجابة إلى ما دُعوا إليه، والتمسّك بأذيال الوقف، وإرجاع علم ذلك إلى عالمه هو الطريقة المثلى، وفيه السلامة، والخلوص من تكفير طوائف من عباد الله، والأمر لله سبحانه وتعالى.

وهكذا كان منهج الشوكاني؛ فسخِر من عقول العامة، وهزأ من تعاليم المعتزلة، وندّد ببعض مواقف أهل السنة.

error: النص محمي !!