Top
Image Alt

ميراث الجدة

  /  ميراث الجدة

ميراث الجدة

الجدة صاحبةُ فرضٍ نَسَبي استحقته بصلة القرابة والنسب، وهي من الأصول الوارثات بهذا الفرض النسبي؛ ولبيان ذلك نقول:

الجدة نوعان:

أ. جدةٌ صحيحة: وهي كل جدة أدلت إلى الميت بمحض الإناث، كأم الأم وأمهاتها المُدليات بإناث خُلص، كأم أم الأم مهما علت، أو أدلت بمحض الذكور كأم الأب وأم أبي الأب وأم أبي أبي الأب، أو أدلت بمحض الإناث إلى محض الذكور، كأم أم الأب وأم أم أم أبي الأب.

أو بعبارة أخرى نقول: الجدّة الصحيحة هي التي لا تكون نسبتها إلى الميت عن طريق الجد غير الصحيح -أي: الفاسد- الذي هو أبو الأم. وقد عبر الفرضيونَ عن هذه الجدة بالجدة الصحيحة؛ لأنها ترث بالفرض. وما ذكر من فرض هذه المسائل إنما هو بحسب الإمكان العقلي، وإن لم يُجوز الخارجي اجتماع أكثر من أربع جدات.

قال الشهرزوري -رحمه الله- في فرائضه: “لا يتصور في الوجود أكثر من أربع جدات: أم أم الأم وأم أبي الأم، وأم أم الأب وأم أبي الأب، فتسقط أم أبي الأم؛ لأنها جدة غير صحيحة، وتكون الثلاث البواقي وارثات، وإنما تذكر الزيادة للحساب -أي: للتمرين فيه- والرياضة بكثرة الوسائل وتشحيذ الأذهان”. وقال القرافي في ذخيرته: “وهو لا يدرك في زمننا هذا؛ لتقاصر الأعمار -أي: لقصر الأعمار”.

ب. الجدة غير الصحيحة: وهي كل جَدّة أدلت إلى الميت بذكور إلى إناث، كأم أبي الأم وأم أبي أم الأب، أو بعبارة أخرى نقول: الجدة غير الصحيحة هي التي أدلت إلى الميت عن طريق الجد غير الصحيح، أو هي من أدلت بذكر بين أمين. ويُعبّر الفرضيون عن هذه بالجدة الفاسدة؛ لأنها لا ترثُ بالفرض بل بجهة الرحم؛ لأنها من ذوي الأرحام, ولأنها أدلت إلى الميت بغير وارث.

فرض الجدة, ودليله, وشرطه:

أولًا: فرض الجدة:

أما فرض الجدة فهو السدس. جاء في (الذخيرة) للقرافي: “قال ابن يُونس: لا خلاف أن الجدة أم الأم وإن علت لها السدس إذا انفردت، وكذلك أم الأب؛ اتفق الناس على هذه الجملة”.

ثانيًا: دليل فرض الجدة:

يُستدل لميراث الجدة السدس, من السنة والإجماع.

أما السنة فما رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي في (جامعه)، ما روي: “أن الجدة جاءت إلى أبي بكر الصديق  رضي الله عنه فسألته ميراثها, فقال: “ما لك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس. فسأل الناس, فقال المغيرة بن شعبة  رضي الله عنه: ((حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس)) فقال –أي: أبو بكر- للمغيرة: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة  رضي الله عنه فقال مثلما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر؛ أي: أعطاها السدس.

قال: ثم جاءت الجدّة الأُخرى أم الأب إلى عمر فسألته ميراثها, فقال: ما لك في كتاب الله شيء، ولكن هو ذاك السدس؛ فإذا اجتمعتما فهو بينكما, وأيكما خلت -أي: انفردت- فهو لها”.

ووجه الدلالة من الحديث: أفاد الحديث السابق أن فرض الجدة السدس، وأن الذي فرضه لها هو النبي صلى الله عليه وسلم وليس الصديق أو عمر، وذلك بشهادة عدلين من عدول الصحابة: المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة، وأن ما حدث من أبي بكر ما هو إلا إنفاذ ما قرره المعصوم صلى الله عليه وسلم, وكذلك ما فعله عمر مع الجدة الأخرى؛ فقد روي أن الجدة التي جاءت إلى أبي بكر هي أم الأم، وأن التي جاءت إلى عمر هي أم الأب, وقيل غير ذلك.

وأما الإجماع؛ فقد تم هذا من كل من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما دون نكير من أحد, فكان إجماعًا.

ثالثًا: شرط إرث الجدة, ودليله:

يُشترط لإرث الجَدّة السدس عدم وجود الأم، سواء كانت الجدة أم الأم أو أم الأب، فجميع الجدات محجوبات بالأم.

ودليل هذا السُّنة النبوية؛ فلقد روى أبو داود في (سننه) عن ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للجدة السدس, إذا لم تكن دونها أم)).

ووجه الدلالة من الحديث: أن هذا الحديث -أي: حديث ابن بريدة- دل على شيئين:

الأول: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم للجدة السدس، وهذا هو ما أفاده الحديث السابق.

الأمر الثاني الذي أفاده حديث ابن بريدة: هو أن استحقاق الجدة للسدس إنما هو مشروط بعدم وجود الأم، وأنها لا ترث معها شيئًا.

يقول ابن قدامة في كتابه (المغني): ” قال أبو بكر بن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للجدة السدس, إذا لم يكن للميت أم. وقال: وأجمع أهل العلم على أن الأم تحجب الجدات من جميع الجهات”.

عدد الجدات الوارثات في كل مذهب:

اختلف العلماء في عدد الجدات الوارثات, والمسألة فيها ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول للحنفية والشافعية: مذهب كل من الحنفية والشافعية أن الجدات الوارثات أكثر من ثلاث، حيث جعلوا السدس للجدات فرضًا وإن كثرن، هكذا على الإطلاق من غير تحديد بعدد معين.

المذهب الثاني للمالكية: الذي يرثُ عند المالكية جدتان فقط؛ فلقد جاء في (الذخيرة) للقرافي: “ولا يُوَرِّث مالك إلا اثنتين: أم الأب وأم الأم، فإن عدمتا فأمهاتهما مقامهما؛ أما أم الجد فلا ترث عند مالك. وقد ذهب زيد  رضي الله عنه -يقصد بذلك زيد بن ثابت الفرضي- إلى توريثها، فعلى مذهبه يمكن اجتماع ثلاث جدات يرثن السدس بالسوية، وهن: أم الأم وأم الأب وأم أبي الأب, والمذهب خلافه”.

يقول العلامة ابن رشد في كتابه (بداية المجتهد): “جعل أبو بكر السدس بين الجدتين أم الأم وأم الأب، فواجب ألّا يتعدى في هذا السنة وإجماع الصحابة”.

المذهب الثالث للحنابلة: يورث الحنابلة ثلاث جدات, هن: أم الأم وأم الأب وأم أبي الأب، فلقد جاء في (كشاف القناع) للبهوتي: “ولا يرث أكثر من ثلاث جدات, وهن: أم الأم وأم الأب وأم الجد أبي الأب فقط، ومن كان من أمهاتهن وإن علون أمومة. روي ذلك عن علي وزيد بن ثابت وابن مسعود رضي الله عنهم”.

ويُستدل الحنابلة على هذا, بما رواه سعيد بن منصور  رضي الله عنه في (سُننه) عن إبراهيم النخعي: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم ورّث ثلاث جدات؛ ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قِبل الأم)). ووجه الدلالة من هذا الأثر: أن الأثر نص في الدلالة على مذهب الحنابلة؛ حيث ورد لفظ الجدات بالثلاث، فهذا يدل على شيئين:

الأول: جواز توريثهن إذا اجتمعن.

والثاني: عدم جواز الزيادة عليهن.

وهذا يدل على التحديد بثلاث, وأنه لا يورث من فوقها.

الترجيح:

الذي نرى ترجيحه من بين هذه المذاهب الثلاثة هو مذهب الحنابلة، القائل بتوريث ثلاث جدات؛ ثنتين من قِبل الأب وواحدة من قبل الأم، فهو وسط بين مذهب المالكية القائل بتوريث جدتين فقط، وبين مذهب الحنفية والشافعية القائل بالإطلاق، أي: بتوريث أكثر من ثلاث جدات, ولأن مذهب الحنابلة هو الذي وردت السنة به، فقد وردت بجدتين وبثلاث، ولم ترد بأكثر من ذلك، فالوقوف عند ذلك أولى -والله أعلم.

فرض الجدات عند اجتماعهن, ودليل ذلك:

أما فرض الجدات الوارثات عند اجتماعهن فهو السدس أيضًا كالواحدة، فإذا كن أكثر من واحدة فإنهن يقتسمنه بالتساوي؛ بشرط تساويهن في الدرجة.

وأما الدليل على فرض السدس للجدات واشتراكهن فيه، فهو السنة والإجماع.

أما السُّنة فما رواه الدارقطني في (سننه) من حديث عبادة بن الصامت  رضي الله عنه, وكذلك ما رواه أبو داود في (سننه): ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى للجدتين في الميراث السدس)), وما رواه الدارقطني في (سننه) من حديث عبد الرحمن بن يزيد قال: ((أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث جدات السدس؛ ثنتين من قبل الأب وواحدة من قبل الأم)), وما رواه سعيد بن منصور في (سننه) عن إبراهيم النخعي: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث ثلاث جدات؛ ثنتين من قبل الأب وواحدة من قبل الأم)).

ووجه الدلالة من الأحاديث: دلت الأحاديث الثلاثة على أن الجدات إذا تعددن؛ فإن فرضهن السدس لا أكثر وإنهن يشتركن فيه، والشركة تقتضي التسوية حيث وردت الأحاديث على الإطلاق، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى إحدى الجدات أكثر من غيرها. وأما الإجماع, فقد أجمعت الأمة على ذلك.

هل ترث الجدة لأب مع وجود ابنها؟

مذهبُ جمهور الفقهاء, الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة -في غير ظاهر المذهب- أن الجدة لأب لا ترث مع وجود ابنها؛ بل تسقط به، سواء كانت الجدة أم الأب، فإنها لا ترث مع وجود ابنها الذي هو الأب، أو كانت أم الجد؛ فإنها لا ترث أيضًا مع وجود ابنها الذي هو الجد.

وبهذا قال زيد بن ثابت  رضي الله عنه وهو مروي عن عثمان وعلي، وبه قال الثوري والأوزاعي. ووجهتهم في هذا: أنها تدلي به فلا ترث معه؛ كالجد لا يرث مع وجود الأب، وأم الأم لا ترث مع وجود الأم.

بينما يرى الحنابلة في ظاهر مذهب الإمام أحمد -يرحمه الله- أنها ترث معه ولا تسقط به؛ فإن عمر وابن مسعود وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهم ورثوها مع ابنها، وبه قال شريح والحسن وابن سيرين وإسحاق وابن المنذر. واستدلوا على ذلك بما أخرجه الترمذي في (جامعه), عن ابن مسعود  رضي الله عنه قال: ((أول جدة أطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم السدس أم أب مع ابنها, وابنها حي)). والحديث صريح في توريثه صلى الله عليه وسلم أم الأب مع وجود ابنها، فلا تسقط به.

وقالوا -أي: الحنابلة في ظاهر المذهب: ولأن الجدات أمهات يرثن ميراث الأم لا ميراث الأب؛ فلا يُحجبن به كأمهات الأم, ولأنها ترث بطريق الفرض فلا تكون العصوبة حاجبة لها.

الترجيحُ:

والذي نرى ترجيحه في هذه المسألة هو مذهب جمهور الفقهاء، القائل بعدم إرث الجدة لأب مع وجود ابنها، وأنها تسقط به، وأن ما استدل به الحنابلة في ظاهر المذهب قد تكلم فيه الترمذي الذي أخرجه, فقال: “هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا, إلا من هذا الوجه”, وقد ورث بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجدة مع ابنها, ولم يورثها بعضهم.

error: النص محمي !!