Top
Image Alt

ميـراث الأم

  /  ميـراث الأم

ميـراث الأم

الأم صاحبة فرض نسبي، وهي من الأصول الوارثين بهذا الفرض، وفرضها يختلف مع وجود الفرع الوارث وعدمه، ومع وجود جمع من الإخوة وعدمه، ومع وجود أحد الزوجين وعدمه؛ ومن ثم فإن حالتها في الإرث ثلاث حالات كالأب تمامًا:

الأولى: ترث السدس.

الثانية: ترث ثلث التركة.

الثالثة: ترث ثلث الباقي, بعد فرض أحد الزوجين في المسألتين العمريتين.

الحالة الأولى: إرث الأم السدس:

فإن الأم ترث السدس فرضًا, وذلك في صورتين:

الأولى: إذا كان للميت فرع وارث مطلقًا -أي: من الذكور أو من الإناث- يرثُ بطريق الفرض أو التعصيب، مثل: الابن وابن الابن مهما نزل، أو البنت وبنت الابن، وسواء أكان الفرعُ الوارث واحدًا أم متعددًا، ففي كل هذا ترث الأم السدس فرضًا, وسبب إرث الأم السدس هنا أن الفرع الوارث حجبها نقصانًا من الثلث إلى السدس.

والفرع الوارث يرث بالفرض أو التعصيب -أي: متفق على إرثه- فخرج بذلك ابن البنت وبنت البنت، فهم وإن كانوا فروعًا وارثين، لكنهم لا يرادون هنا ولا تأثير لوجودهم على الأم، فترث مع وجودهم الثلث؛ لأنهم لا يرثون بالفرض ولا بالتعصيب، بل بجهة الرحم، وجهة الرحم مختلف فيها بين العلماء.

الصورة الثانية من الصورتين اللتين ترث فيهما الأم السدس: إذا كان للميت جمع من الإخوة, أيًّا كان هذا الجمع؛ ذكورًا فقط أو إناثًا فقط أو مشتركًا بينهما، أو كان الإخوة أشقاء أو لأب أو لأم أو لمشترك بينهما، فأي جمع من هؤلاء يحجب الأم نقصانًا من الثلث إلى السدس، سواء أكانوا –أي: الإخوة والأخوات- وارثين أم غير وارثين -كما سنعرف إن شاء الله- وهذا هو رأي جمهور الفقهاء.

ورأى الصحابي الجليل معاذ بن جبل  رضي الله عنه في نوع الإخوة الحاجبين رأيًا يخالف فيه رأي جمهور الفقهاء؛ فقد وقع خلافٌ بين الصحابي الجليل معاذ بن جبل  رضي الله عنه وجمهور الفقهاء من الصحابة في نوع الإخوة, الذين يحجبون الأم من الثلث إلى السدس؛ فعند الجمهور: الإخوة كما بيناه آنفًا من غير تخصيص، بينما يرى معاذ  رضي الله عنه أن هذا الجمع يشمل الإخوة الذكور تخصيصًا، والذكور مع الإناث تغليبًا، أما الأخوات الخُلص فلا تأثير لوجودهن على الأم، فترث معهن الثلث.

ووجهة نظر الصحابي الجليل معاذ بن جبل  رضي الله عنه في ذلك هو لفظ إخوة في قول الحق سبحانه وتعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11]، فهذا اللفظ لا يشمل الإناث الخلص, فلا يقال لهن: إخوة بل أخوات؛ لأن الإخوة جمع أخ, وهو مذكر.

الترجيح: والراجح في هذه المسألة هو رأي الجمهور؛ لعدم ورود ما يدل على التخصيص، ولإجماع الصحابة رضي الله عنهم على العمل به.

يقول ابن قدامة -يرحمه الله- في كتابه (المغني): “ولا فرق في حجبها -أي: الأم- بين الذكر والأنثى؛ لقوله تعالى: {إِخْوَةٌ}، وهذا يقع على الجميع بدليل قوله تعالى: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً} [النساء: 176]”, ففسر الإخوة بالرجال والنساء.

آراء الفقهاء في تحديد عدم الإخوة الحاجبين للأم, من الثلث إلى السدس:

اتفق الجميع على أن الواحد من الإخوة -ذكرًا كان أو أنثى- لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، كما اتفقوا كذلك على أن الثلاثة منهم يحجبونها من الثلث إلى السدس، واختلفوا في الاثنين؛ ذكرين كانا أم أنثيين أم ذكرًا وأنثى، والمسألة فيها مذهبان:

المذهب الأوَّل لجمهور الفقهاء: اتفق جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين، وكذلك الأئمة الأربعة على أن أقل عدد من الإخوة والأخوات، الذي يحجب الأم من الثلث إلى السدس هو اثنان فصاعدًا؛ فعلى هذا ترث الأم مع الواحد الثلث، ومع الاثنين السدس.

المذهب الثاني لابن عباس رضي الله عنهما: ذهب ابن عباس رضي الله عنهما إلى أنّ أقل الجمع الذي يحجب الأم من الثلث إلى السدس ثلاثة فصاعدًا؛ فعلى هذا ترث الأم مع الاثنين الثلث ومع الثلاثة السدس، وهذا على رأي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

عمدة الفريقين: إن منشأ الخلاف بين الجمهور وبين ابن عباس رضي الله عنهما يدور حول شيء واحدٍ, هو أقل الجمع. وفي هذا يقول العلامة ابن رشد -رحمه الله: “والخلافُ آيل إلى أقل ما يطلق عليه اسم الجمع؛ فمن قال: أقل ما يطلق عليه اسم الجمع ثلاثة قال: الإخوة الحاجبون ثلاثة فما فوق، ومن قال: أقل ما يطلق عليه الجمع اثنان قال: الإخوة الحاجبون هما اثنان”.

الترجيح: والذي يترجح عند النظر هو مذهب جمهور الفقهاء؛ لأن نظر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أقرب إلى ظاهر اللفظ، ونظر الصحابة أقرب إلى المعنى، والمعول عليه هو اعتبار معاني الشريعة ومقاصدها.

يقول العلامة ابن قدامة في كتابه (المغني): “إن إجماع الصحابة تم قبل مخالفة ابن عباس؛ بدليل أن ابن عباس لما قال لعثمان رضي الله عنهما: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك، فلم تحجب بهما الأم؟ قال: لا أستطيع أن أرد شيئًا كان قبلي ومضى في البلدان وتوارث الناس به، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه ابن ماجه في (سننه): ((الاثنان فما فوقهما جماعة)), فالحديث نص صريح في أن الاثنين جماعة، والجماعة غير التثنية”.

الحالة الثانية من حالات إرث الأم: إرث الأم ثلث التركة:

ترث الأم ثلث التركة فرضًا, بشروط ثلاثة:

الشرط الأول: عدم الفرع الوارث مذكرًا كان أو مؤنثًا، ويشمل الابن والبنت وابن الابن وبنت الابن، أي: الوارثات بالفرض أو بالتعصيب. فخرج بذلك من يرث بجهة الرحم مثل: ابن البنت وبنت البنت.

الشرط الثاني: عدم الجمع من الإخوة أيًّا كان نوعهم، من حيث كونهم أشقاء أو لأب أو لأم، وأيًّا كان جنسهم من حيث كونهم ذكورًا أو إناثًا، وقد حققنا القول في أقل الجمع من الإخوة بذكر آراء الفقهاء فيه، ووجهة كل قبل قليل, فليرجع إليه من شاء.

الشرط الثالث: ألا تكون المسألة عمرية أو غراوية، وهي أن ينحصر الإرث في الأبوين وأحد الزوجين، حيث يكون للأم فيها ثلث الباقي بعد أخذ أحد الزوجين فرضًا.

دليل الحالتين السابقتين: أي: إرث الأم سدس التركة -هذه هي الحالة الأولى- وإرثها ثلث التركة -هذه الحالة الثانية-: استدلوا على الحالتين السابقتين -إرث الأم السدس وإرثها الثلث- بالقرآن الكريم، حيث يقول الله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11].

ووجه الدلالة من الآية: دلت الآية الكريمة على أن الأم ترث السدس في صورتين, هما:

الأولى: وجود الفرع الوارث لقوله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ}.

والثانية: وجود جمع من الإخوة لقوله سبحانه: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ}, والنص صريح فيهما لا يحتمل التأويل.

كما دلت الآية أيضًا على أن الأم ترث الثلث عند عدم هاتين الصورتين؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} أي: انحصر الإرث في الأبوين، فلم يكن لهما ولد أو غيره، وهذا الغير هو الإخوة بدليل ذكرهم في الآية؛ وقد تم العمل بهذا وإجماع الصحابة عليه، كما أنه رأي الأئمة الأربعة.

الحالة الثالثة: إرث الأم ثلث الباقي:

هذه الحالة هي الشرط الثالث في إرث الأم لثلث التركة, فإذا لم يتحقق هذا الشرط فإنها لا ترث ثلث التركة؛ بل ثلث الباقي، وهذا يكون في مسألتين مشهورتين، نفردهما بالحديث تفصيلًا فيما يأتي.

error: النص محمي !!