Top
Image Alt

مَن يُصلِّي على الميت، ومن يُصلَّى عليه، ومَن لا يصلَّى عليه

  /  مَن يُصلِّي على الميت، ومن يُصلَّى عليه، ومَن لا يصلَّى عليه

مَن يُصلِّي على الميت، ومن يُصلَّى عليه، ومَن لا يصلَّى عليه

أبواب الصلاة على الميت:

1. باب: مَن يُصلَّى عليه، ومَن لا يُصلَّى عليه:

الحديث:

عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: ((دخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالًا يصلون عليه حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغوا أدخلوا الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد)) رواه ابن ماجه.

أ. شرح الحديث:

وأما حديث: “صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم أفواجًا” وهو الحديث الذي معنا في هذا الباب فكما ذكرنا رواه البيهقي بإسناده عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: ((لما صُلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أُدخل الرجال فصلوا عليه بغير إمامٍ أرسالًا حتى فرغوا، ثم أُدخل النساء وصلين عليه، ثم أُدخل الصبيان فصلوا عليه، ثم أُدخل العبيد فصلوا عليه أرسالًا، لم يؤمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد)) وهذه الرواية فيها زيادة، وهم العبيد صلوا بعد الصبيان، قال الشافعي في (الأم) ورواه عنه أيضًا البيهقي؛ وذلك لعظم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، وتنافسهم فيمن يتولى الصلاة عليه، وصلُّوا عليه مرة بعد مرة.

وقوله: ((أَرسالًا)) بفتح الهمزة أي: متتابعين، كلما فرغ فوجٌ من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم أُدخل الفوج الذي يليه، فإذا انتهى الرجال أُدخل النساء على هذه الطريقة أفواجًا متتابعة، فإذا فرغ النساء أُدخل الصبيان أيضًا أفواجًا أفواجًا متتابعة، ثم بعد الصبيان أُدخل العبيد أفواجًا أفواجًا.

وقوله: “أفواجًا” أي: يدخل فوجٌ يصلون فرادى، ثم فوجٌ كذلك.

وقوله: “ليس من شرطها الجماعة” احترازٌ من الجمعة، فإنه يشترط في صلاة الجمعة الجماعة أما الجنازة فلا.

قوله: “سُهيل بن بيضاء” هي أمه، واسمها دعل، والبيضاء لقب، واسم أبيه وهب بن ربيعة، وكان سُهيل من السابقين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة والمدينة، وشهد بدرًا وما بعدها، وتوفي سنة تسعٍ من الهجرة، وكان هو وأبو بكرٍ الصديق رضي الله عنهما أسن الصحابة رضي الله عنهم وسهيل عندما مات صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، ومالك بن هبيرة صحابي مشهور مصري كان أميرًا لمعاوية على الجيوش.

وقوله في الحديث: ((إلا وجب)) قال النووي: هكذا هو في (المهذب) والذي في كتب الحديث: ((أوجب)) بالألف، وهو في رواية الحاكم والبيهقي: ((إلا غفر له)) وهو معنى وجب، وإن صحَّ الذي في (المهذب) كان معناه وجب له الجنة، وقول الشيرازي: فإن النساء لا يسن لهن الجماعة في الصلاة على الميت هذا مما يُنكر فيقال: هذا تعليل بنفس الحكم الذي ادعاه.

ب. أقوال العلماء في عدد من يصلي على الميت، وصلاة النساء عليه:

يكفي واحدٌ في الصلاة على الميت -يعني: إذا صلى على الميت فردٌ واحد سقط الحكم عن بقية المسلمين.  وهذا حكاه القاضي أبو الطيب، والقاضي حُسين، وابن الصباغ عن نص الشافعي في (الجامع الكبير) وأحد الوجهين يُشترط اثنان، والثاني يُشترط أربعة حكاهما القاضي حُسين، والبغوي، وآخرون من الخرسانيين، وقاسوا الأربعة على حمل الجنازة، ولا يخفى ما في هذا الرأي من التكلف؛ لذلك ضعف إمام الحرمين هذا بأن الأفضل في حمل الجنازة الحمل بين العمودين، وذلك يحصل بثلاثة، ولأنه إذا قلنا: يحمل الجَنازة أربعة لا يقال: إنه واجبٌ، وكلامنا هنا في الواجب، والأصح من الخلاف الاكتفاء بواحدٍ؛ لأنه يصدق عليه أنه صُلي على الميت ممن صححه الجرجاني، والرافعي، وغيرهما، وصحح بعضهم اشتراط الثلاثة، فإن قلنا: يُشترط اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة سقط الفرض بفعلهم جماعة أو فرادى بلا خلاف، لكن الجماعة أفضل، وتكثيرها أفضل، وعلى ذلك إن مات ميت في مكانٍ ما ولم يوجد من يصلي عليه إلا واحد فإن ذلك يجزئ، أما إذا كان الميت في قريةٍ أو في مدينةٍ فلا نكتفي بالواحد، ونقول: باشتراط الثلاثة أو أكثر؛ لأنه كلما كثر المصلون على الميت كلما شفعوا فيه بهذه الصلاة.

لكن هل يسقط هذا الفرض بصلاة النساء مع وجود الرجال -يعني: إذا صلى النساء على الميت مع وجود الرجال، ولم يصل أحد من الرجال هل يسقط بفعلهن هذا الفرد؟

فيه وجهان:

 أصحهما: لا يسقط، والثاني: يسقط، والخنثى كالمرأة في هذا، وأما إذا لم يحضره إلا النساء؛ فإنه يجب عليهن الصلاة عليه بلا خلاف، ويسقط الفرض بفعلهن بلا خلاف، ويصلين فرادى فإن صلين جماعة فلا بأس. هذه عبارة الشافعي والأصحاب، وسواءٌ كان الميت رجلًا أو امرأة، وحكى الرافعي عن حكاية أبي المكارم وجهًا ضعيفًا أنه يُستحب لهن الجماعة في جنازة المرأة، وهو شاذ.

ومن هنا يُعلم أن النساء إذا صلين على الميت مع وجود الرجال الصحيح أنه لا يُسقطن الفرض بصلاتهن على الميت، أما إذا لم يوجد الرجال فإذا صلى النساء على الميت، فإنه يسقط الفرض بفعلهن، وأما إذا حضر النساء مع الرجال فلا خلاف أنه لا يتوجه الفرض إليهن ولا يدخلن فيه صرح به الشيخ أبو حامد، ولو لم يحضر إلا رجلٌ واحد ونسوة، وقلنا: لا يسقط الفرض بواحد، وجب عليهن التتميم، وأما الصبيان المميزون: فمعلومٌ أنه لا يتوجه إليهم هذا الفرض، لكن هل يسقط الفرض بصلاتهم؟ فيه وجهان حكاهما البغوي وغيره، أصحهما يسقط قاله البغوي، ونص عليه الشافعي؛ لأنه تصح إمامته؛ فأُشبه البالغ.

ج. أولى الناس بالصلاة على الميت:

قال الشيرازي: وأولى الناس بالصلاة عليه الأب، ثم الجد، ثم الابن، ثم ابن الابن، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم على ترتيب العصبات؛ لأن القصد من الصلاة الدعاء للميت، ودعاء هؤلاء أرجى للإجابة؛ فإنهم أفجع بالميت من غيرهم، فكانوا بالتقديم أحق، فإن اجتمع أخٌ من أبٍ وأمٍّ، وأخٌ من أب فقط؛ فالمنصوص: أن الأخ من الأب والأم أولى. قال: ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: هذا هو الأول، والثاني أنهما سواء؛ لأن الأم لا مدخل لها في التقديم على الميت، فكان في الترجيح بها قولان، كما نقول في ولاية النكاح، ومنهم من قال: الأخ من الأب والأم أولى قولًا واحدًا؛ لأن الأم وإن لم يكن لها مدخلٌ في التقديم إلا أن لها مدخلًا في الصلاة على الميت فرجح بها قولًا واحدًا كما نقول في الميراث يقدم بها الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب حين كان لها مدخلٌ في الميراث، وإن لم يكن لها مدخل في التعصيب.

قال الشافعي -رحمه الله-: وإن اجتمع وليان في درجة قُدمَ الأسن -يعني: الأكبر سنًّا- لأن دعاءه أرجى إجابة، فإن لم يُحمد الأسن قُدِمَ الأقرأ الأفقه؛ لأنه أفضل وصلاته أكمل، فإن استويا أقرع بينهما؛ لأنهما تساويا في التقديم فأُقرع بينهما، وإن اجتمع حرٌّ وعبدٌ هو أقرب إليه من الحر، فالحر أولى؛ لأنه من أهل الولاية، والعبد ليس من أهل الولاية، وإن اجتمع الوالي والولي المناسب، ففيه قولان، قال الشافعي في القديم: الوالي أولى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤم الرجل في سلطانه)) وقال في الجديد: الولي أولى؛ لأنه ولاية تترتب فيها العصبات؛ فقُدِمَ الولي على الوالي كولاية النكاح.

2. باب: الصلاة على السقط والطفل:

الحديث:

عن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي أَمَامَهَا قَرِيبًا عَنْ يَمِينِهَا أَوْ عَنْ يَسَارِهَا، وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ)) رواه أحمد, وأبو داود, وقال فيه: ((والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها ويسارها قريبًا منها)) وفي رواية ((الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ )) رواه أحمد, والنسائي, والترمذي, وصححه.

أ. المعنى العام لهذا الحديث:

واضح من نص الحديث معناه العام, وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ينظم اتباع الجنائز, وينظم المشي مع الجنازة, فالراكب يسير خلف الجنازة, والماشي يمشي عن يمينها أو عن يسارها, ولكنه لا بد وأن يكون قريبًا منها, ويمشي حيث شاء؛ بحيث الذي يراه يعلم أنه متبع للجنازة, ويبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن السقط يصلَّى عليه ويُدعَى لوالديه بالمغفرة والرحمة؛ ذلك أننا دائمًا في دعائنا للميت ندعو له بأن يتقبل الله عز وجل حسناته, ويتجاوز عن سيئاته, ولكن السقط ليس له حسنات, ومن باب أولى ليست عليه سيئات, فالدعاء يكون لوالديه بالمغفرة والرحمة.

وجاءت روايات الحديث -كما ذكرنا- لتبين أن الماشي في الجنازة والمتبع لها يمشي خلفها أو عن يمينها أو عن يسارها كل ذلك جائز, لكن الراكب لا بد وأن يمشي خلفها, وسوف يجيء -إن شاء الله- في شرح الحديث هل يجوز أن يتبع المسلم الجنازة راكبًا أم لا؟ وكيف كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم حينما يمشي مع الجنازة؟

وهذا كله إذا كانت الجنازة محمولة على الأعناق؛ لأنه في أماكن الدفن القريبة إنما تُحمل الجنازة على الأعناق، ولا تركب سيارة، ولا خلاف ذلك, أما إذا حُملت الجنازة فطبعًا كل الذين يتبعونها لا بد وأن يركبوا مع الجنازة, هذا شيء لا خلاف فيه.

ب. مفردات الحديث:

“الراكب خلف الجنازة”: يعني الذي يتبع الجنازة، وهو راكب فرس أو حمار أو سيارة أو غيرها من الأشياء, لا بد وأن يمشي خلف الجنازة اتِّباعًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم لكن الماشي فحيث شاء منها يمشي أمامها أو عن يمينها أو عن يسارها, لكن لا بد وأن يكون قريبًا منها بحيث يعتقد الذي يراه أنه من المشيعين للجنازة ومن التابعين لها.

وروى ابن عمر أنه: ((رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ, وعمر يمشون أمام الجنازة)) وحديث ابن عمر هذا أخرجه الدارقطني, وابن حبان, والبيهقي من حديث بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه, وبه قال أحمد: إنما هو عن الزهري مرسل, وحديث سالم فعل ابن عمر, وحديث ابن عيينة وهم, قال الترمذي: أهل الحديث يرون المرسل أصح, قاله ابن المبارك, قال: وروى معمر, ويونس, ومالك عن الزهري: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي أمام الجنازة)) قال الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة, قال الترمذي: ورواه ابن جريج عن الزهري مثل ابن عيينة, ثم روى عن ابن المبارك أنه قال: أرى أن ابن جريج أخذه عن ابن عيينة, وقال النسائي: وصله خطأ والصواب مرسل, وقال أحمد: حدثنا حجاج قرأت على ابن جريج، حدثنا زياد بن سعد: أن ابن شهاب أخبره، حدثني سالم عن ابن عمر: “أنه كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يمشون أمامها” وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من فعل ابن عمر, وأبي بكر, وعمر, وعثمان, قال الزهري: وكذلك السنة.

قال ابن حجر في (التلخيص) فهذا أصح من حديث ابن عيينه, وصحح الدارقطني بعد ذلك الاختلاف أنه فعل ابن عمر, ورجح البيهقي الموصول؛ لأن ابن عيينة ثقة حافظ, وقد أتى بزيادة على من أرسل والزيادة من الثقة مقبولة, وقد قال لما قال له ابن المديني إنه قد خالفه الناس في هذا الحديث: إن الزهري حدثه به مرارًا عن سالم عن أبيه, قال ابن حجر: وهذا لا ينفي الوهم؛ لأنه ضبط أنه سمعه منه عن سالم عن أبيه, وهو كذلك إلا أن فيه إدراجًا, وقد جزم بصحة الحديث ابن المنذر وابن حزم.

وقد اختلف أهل العلم هل الأفضل لمتبع الجنازة أن يمشي خلفها أو أمامها؟

فقال الزهري, ومالك, والشافعي, وأحمد, والجمهور, وجماعة من الصحابة منهم أبو بكر, وعمر, وعثمان, وابن عمر, وأبو هريرة: إن المشي أمام الجنازة أفضل, واستدلوا بحديث ابن عمر هذا, وقال أبو حنيفة, وأصحابه, وحكاه الترمذي عن سفيان الثوري: إن المشي خلفها أفضل, واستدلوا بحديث ابن مسعود عند الترمذي وأبي داود قال: ((سألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن المشي خلف الجنازة فقال: ما دون الخبب)) فقرر قولهم: “خلف الجنازة”، ولم ينكره صلى الله عليه وسلم واستدلوا أيضًا بما رُوي عن طاوس أنه قال: “ما مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات إلا خلف الجنازة” قال الشوكاني: وهذا مع كونه مرسلًا لم أقف عليه في شيء من كتب الحديث, وروى في (البحر) عن علي رضي الله عنه أنه قال: “المشي خلف الجنازة أفضل”.

وحكى في (البحر) عن الثوري أنه قال: الراكب يمشي خلفها, والماشي أمامها, ويدل لما قاله حديث المغيرة بن شعبة الذي معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الراكب خلف الجنازة, والماشي أمامها قريبًا منها يمينها أو يسارها)) وهذا الحديث أخرجه أصحاب السنن, وصححه ابن حبان, والحاكم, وهذا مذهب قوي, لولا ما سيأتي من الأدلة الدالة على كراهة الركوب لمتبع الجنازة.

وقال أنس بن مالك: “إنه يمشي بين يديها, وخلفها, وعن يمينها وعن شمالها” رواه البخاري عنه تعليقًا, ووصله عبد الوهاب بن عطاء في (كتاب الجنائز) ووصله أيضًا ابن أبي شيبة, وعبد الرزاق.

ج. حكم اتباع الجنائز، واختلاف الأجر باختلاف الاتباع:

قال الشيرازي: يستحب اتباع الجنازة، لما روى البراء بن عازب رضي الله عنه قال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنائز, وعيادة المريض, وتشميت العاطس, وإجابة الداعي, ونصر المظلوم)) والمستحب أن لا ينصرف من يتبع الجنازة حتى تدفن؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط, وإن شهد دفنها فله قيراطان, القراط أعظم من أُحُد)).

قال النووي: هذان الحديثان رواهما البخاري ومسلم, وعازب والد البراء صحابي رضي الله عنه والتشميت: يقال بالشين المعجمة وبالمهملة لغتان, ووقع في (المهذب) القيراط أعظم من أُحد, والذي في الصحيحين -أعني البخاري ومسلم- القيراط مثل أُحد, وفي رواية لهما: ((القيراطان مثل الجبلين العظيمين)) وفي رواية لمسلم: ((أصغرهما مثل أُحد)) قال القاضي حسين وغيره: القيراط مقدار من الثواب يقع على القليل والكثير, فبيَّن في هذا الحديث مثل أحد.

قال النووي: واعلم أن القيراطين بالدفن إنما هما لمن صلى عليها, فيحصل له بالدفن والصلاة جميعًا قيراطان, وبالصلاة على انفرادها قيراط, وقد جاءت روايات الحديث في الصحيح ببيان هذا, وله نظائر في القرآن والسنة.

قال النووي: قال الشافعي والأصحاب: يستحب للرجال اتباع الجنازة حتى تدفن, وهذا مجمع عليه للأحاديث الصحيحة فيه, وأما النساء فيكره لهن اتباعها ولا يحرم, هذا هو الصواب, وهو الذي قاله أصحابنا, وأما قول الشيخ نصر المقدسي -رحمه الله- لا يجوز للنساء اتباع الجنازة، وهو محمول على كراهة التنزيه, فإن أراد به التحريم فهو مردود، مخالف لقول الأصحاب, بل للحديث الصحيح, قالت أم عطية رضي الله عنها: ((نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا)) رواه البخاري ومسلم, وهذا الحديث مرفوع, فهذه الصيغة معناها رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقرر في كتب الحديث والأصول, وقد سبق وقلنا: إن قول الصحابي أُمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فله حكم الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهذا منها.

ومعنى قول أم عطية: “ولم يعزم علينا” معناه: نهينا نهيًا شديدًا غير محتم, ومعناه كراهة تنزيه ليس بحرام, وأما الحديث المروي عن عليٍ رضي الله عنه “خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا نسوة جلوس قال: ما تجلسن؟ قلن: ننتظر الجنازة, قال: هل تغسلن؟ قلن: لا, قال: هل تحملن؟ قلن: لا…” وفي آخر الحديث قال: “فارجعن مأزورات غير مأجورات” هذا الحديث رواه ابن ماجه بإسنادٍ ضعيفٍ من رواية إسماعيل بن سليمان الأزرق, ونقل ابن أبي حاتم تضعيفه عن أعلام هذا الفن.

د. مذاهب العلماء في حكم الصلاة على السقط والطفل:

وقوله في الحديث: ((والسقط يصلى عليه, ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة)) السقط -كما ذكرنا-: هو الجنين الذي يُقذَف من الرحم قبل تمامه أو قبل كماله, فدل هذا الحديث على أن السقط يُصلَّى عليه, ويدعَى لوالديه بالمغفرة والرحمة, وفي هذا يقول الشيرازي -رحمه الله- إذا استهل السقط أو تحرك، ثم مات غسِّل وصلِّي عليه؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا استهل السقط غُسل وصُلي عليه)) ولأنه قد ثبت له حكم الدنيا في الإسلام فغُسل وصُلي عليه كغيره, وإن لم يستهل ولم يتحرك فإن لم يكن له أربعة أشهر كُفن بخرقة ودفن, وإن تم له أربعة أشهر ففيه قولان:

قال الشافعي في القديم: يصلَّى عليه؛ لأنه نُفخ فيه الروح، فصار كمن استهل, وقال في (الأم): لا يصلى عليه وهو الأصح؛ لأنه لم يثبت له حكم الدنيا في الميراث وفي غيره فلم يصل عليه, فإن قلنا: يصلى عليه غُسل كغير السقط, وإن قلنا: لا يصلى عليه ففي غسله قولان: قال: لا يغسَّل؛ لأنه لا يصلى عليه فلا يغسل كالشهيد, وقال في (الأم) يغسَّل؛ لأن الغسل قد ينفرد عن الصلاة كما نقول في الكافر.

3. باب: الصلاة على من قتل في حد:

الحديث:

عن جابر رضي الله عنه ((أن رجلًا من أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعترف بالزنا، فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربعة مرات، فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: هل أحصنت، قال: نعم، فأمر به فرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة فرّ، فأدرج فرُجم حتى مات، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرًا وصلَّى عليه)) رواه البخاري في صحيحه، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه وقالوا: ((ولم يصلِّ عليه)) وراوية الإثبات أولى، وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى على الغامدية، وقال الإمام أحمد: ما نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على أحد إلا على الغالّ وقاتل نفسه.

أ. تثبُّت الإمام من المقرّ بالزنا:

وقوله: ((فأعرض عنه)) زاد ابن مسافر ((فتنحى لشق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أعرض قبله)) بكسر القاف وفتح الموحدة، وفي راوية شعيب ((فتنحى تلقاء وجهه)) أي: انتقل من الناحية التي كان فيها إلى الناحية التي يستقبل بها وجه النبي صلى الله عليه وسلم و((تلقاء)) منصوب على الظرفيه، وأصله مصدر أقيم مقام الظرف، أي: مكان تلقاء، وليس من المصادر “تِفْعَال” بكسر أوله إلا هذا وتبيان وسائرها بفتح أوله، وإما الأسماء بهذا الوزن فكثيرة.

قوله: ((حتى ردد)) وفي رواية: ((حتى ردّ)) بدال واحدة، وفي رواية شعيب بن الليث ((حتى فني ذلك عليه)) وهي بمثلثة بعدها نون خفيفة أي: كرر.

وفي حديث بريدة عند مسلم قال: ((ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه، فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني)) وفي لفظ: ((فلم كان من الغد أتاه)) ووقع في مرسل سعيد بن المسيب عند مالك والنسائي من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد ((أن رجلًا من أسلم قال لأبي بكر الصديق: إن الآخر زنا، قال: فتب إلى الله، واستتر بستر الله، ثم أتى عمر كذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه ثلاثًًا، حتى إذا أكثر عليه بعث إلى أهله)).

قوله: ((فلما شهده على نفسه أربع شهادات)) وفي راوية أبي ذر: ((أربع مرات)) وفي رواية بريدة: ((حتى إذا كانت الرابعة حتى إذا كانت الرابعة قال: فبم أطهرك؟)) وفي حديث جابر بن سمره من طريق أبي عوانة عن سماك ((فشهد على نفسه أربع شهادات)) أخرجه مسلم، وأخرجه من طريق من شعبة عن سماك قال: ((فردّه مرتين)) وفي أخرى ((مرتين أو ثلاثًا)) قال شعبة: قال سماك: فذكرته لسعيد بن جبير فقال: أنه رده أربع مرات، ووقع في حديث أبي سعيد عن مسلم أيضًا ((فاعترف بالزنا ثلاث مرات)).

والجمع بينهما: أما راوية مرتين فتحمل على أنه اعترف مرتين في يوم ومرتين في يوم آخر لما يشعر به قول بريدة، فلما كان من الغد فاقتصر الراوي على أحدهما، أو مراده: اعترف مرتين في يومين، فيكون من الضرب اثنين في اثنين؛ فيكون الناتج أربعة، وقد وقع عند أبي داود من طريق إسرائيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ((جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا مرتين فطرده، ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين)) وأم رواية الثلاث فكأن المراد: الاقتصار على المرات التي رده فيها، وأم الرابعة فإنه لم يرده بل استثبت فيه وسأل عن عقله، لكن وقع في حديث أبي هريرة عند أبي داود من طريق عبد الرحمن بن الصامت ما يدل على أن الاستثبات فيه إنما وقع عند الرابعة، ولفظه: ((جاء الأسلمي فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حرامًا أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل في الخامسة فقال: أتدري ما الزاني … إلى آخره)) والمراد بالخامسة الصفة التي وقعت منه عند السؤال والاستثبات؛ لأن صفة الإعراض وقعت أربع مرات، وصفة الإقبال عليه للسؤال وقعت بعدها.

قوله: ((أبك جنون؟ قال: لا)) في رواية شعيب في الطلاق عند البخاري: ((وهل بك جنون؟)) وفي حديث بريدة: ((فسأل: أبه جنون؟)) فأخبر بأنه ليس بمجنون، وفي حديث أبي سعيد: ((ثم سأل قومه فقالوا: ما نعلم به بأس إلا أنه أصاب شيئًا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد لله)) وفي مرسل أبي سعيد ((بعث إلى أهله فقال: أشتكى به جنة؟ فقالوا: يا رسول الله إنه لصحيح)).

ويجمع بينهما بأنه سأله، ثم سأل عنه احتياطًا فإن فائدة سؤاله أنه لو ادعى الجنون لكان في ذلك دفعٌ لإقامة الحد عليه حتى يظهر خلاف دعواه، فلما أجاب بأنه لا جنونَ به سأل عنه؛ لاحتمال أن يكون كذلك ولا يعتد بقوله، وعند أبي داود من طريق نعيم بن هزال قال: كان ماعز بن مالك يتيمًا في حجر أبي، فأصاب جارية من الحي فقال له أبي: أئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك، ورجاء أن يكون له مخرج فذكر الحديث، فقال عياض: فائدة سؤاله: ((أبك جنون)) سترًا لحاله واستبعاد أن يلحّ عاقل بالاعتراف بما يقتضي إهلاكه، ولعله يرجع عن قوله، أو لأنه سمعه وحده أو ليتمّ أقراره أربعًا عند من يشترط ذلك، وأما سؤاله قومه عنه بعد ذلك فمبالغة في الاستثبات.

وتعقّب بعض الشرّاح قوله: “أو لأنه سمعه وحده” بأنه كلام ساقط؛ لأنه وقع في نفس الخبر أن ذلك كان بمحضر الصحابة في المسجد، قال ابن حجر: ويردّ بوجه آخر، وهو أن انفراده صلى الله عليه وسلم بسماع إقرار المقر كافٍ في الحكم عليه بعلمه اتفاقًا، إذ لا ينطق عن الهوى بخلاف غيره ففيه احتمال.

ب. بيان أن الحدّ لا يقام على المجنون والمجنونة:

فإذا زنى مجنون أو مجنونة فإنه لا يُقام على أحد منهما الحد؛ ولذلك أورد البخاري هذا الحديث تحت ترجمة: “لا يرجم المجنون والمجنونة” ومناسبة الترجمة قوله صلى الله عليه وسلم: ((أبك جنون)) وقد أورد البخاري في هذا الباب أيضًا قول علي لعمر رضي الله عنهما: “أما علمت أن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ” قال ابن حجر: تقدم بيان من وصله في باب الطلاق في الإغلاق، وأن أبا داود وابن حبان والنسائي أخرجوه مرفوعًا، ورجح النسائي الموقوف، ومع ذلك فهو مرفوع حكمًا.

وفي أول الأثر المذكور قصة تناسب هذه الترجمة وهو: عن ابن عباس أُتي عمر، أي: بمجنونة قد زنت وهي حُبْلَى فأراد أن يرجمها فقال له علي: “أما بلغك أن القلم قد رفع عن ثلاثة فذكرهم” ولفظ الحديث المرفوع عن ابن عباس ((مرَّ علي بن أبي طالب بمجنونة بني فلان قد زنت، فأمر عمر برجمها فردّها علي وقال لعمر: أما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، قال صدقت: فخلّى عنها)) هذه راوية جرير بن حازم عن الأعمش عن أبي ظبيان عن أبي داود وسندها متصل، لكن أعله النسائي بأن جرير بن حازم حدث بمصر بأحاديث غلط فيها.

وفي راوية جرير بن عبد الحميد عن الأعمش بسنده ((أُتي عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها الناس فأمر بها عمر أن ترجم، فمرّ بها علي بن أبي طالب فقال: ارجعوا بها، ثم أتاه فقال: أما علمت أن القلم قد رفع، فذكر الحديث وفي آخره قال: بلى قال: فما بال هذه ترجم؟ فأرسلها وجعل يكبر)) وقد أخذ الفقهاء بمقتضى هذه الأحاديث، لكن ذكر ابن حبان أن المراد برفع القلم ترك كتابة الشر عنهم دون الخير، قال ابن حجر: وقال شيخنا في شرح الترمذي: هو ظاهر في الصبي دون المجنون والنائم؛ لأنهما في حيز ما ليس قابلًا لصحة العبادة منه لزوال الشعور.

وحكي ابن العربي أن بعض الفقهاء سئل عن إسلام الصبي فقال: لا يصحّ، واستدل بهذا الحديث، فعورض بأن الذي ارتفع عنه قلم المؤاخذة، وأما قلم الثواب فلا؛ لقوله للمرأة لما سألته: ((ألهذا حجّ قال: نعم)) ولقوله: ((مروهم بالصلاة)) فإذا جرى له قلم الثواب فكلمة الإسلام أجلّ أنواع الصواب، فكيف يقال أنها تقع لغوًا ويعتد بحجه وصلاته.

واستدلوا بقوله: ((حتى يحتلم)) على أنه لا يؤاخذ قبل ذلك، واحتج من قال: يؤاخذ قبل ذلك بالردة وكذا من قال من المالكية: يقام الحد على المراهق ويعتبر طلاقه لقوله في الطريق أخرى ((حتى يكبر)) وأخرى ((حتى يشب)) وتعقبه ابن العربي بأن الرواية بلفظ: ((حتى يحتلم)) هي العلامة المحققة فيتعين اعتبارها وحمل باقي الروايات عليها.

ج. بيان معنى الإحصان، وبم يحصن المسلم؟:

قوله في الحديث: ((فهل أحصنت)) أي: تزوجت هذا معناه جزمًا هنا لافتراق الحكم في حد من تزوج ومن لم يتزوج.

والمحصن هو بفتح الصاد المهملة من الإحصان، ويأتي بمعنى العفة والتزويج والإسلام والحرية؛ لأن كل منها يمنع المكلف من عمل الفاحشة. قال ابن القطاع: رجل محصِن بكسر الصاد على القياس، وبفتحها على غير قياس، قال ابن الحجر: يمكن تخريجه على القياس أيضًا، وهو أن المراد هنا من له زوجه عقد عليها ودخل بها وأصابها، فكأن الذي زوجها له أو حمله على التزويج بها، وقال الراغب: يقال للمتزوجة: محصنة، أي أن زوجها أحصنها، قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا يكون الإحصان بالنكاح الفاسد ولا الشبهة، وخالفهم أبو ثور فقال: يكون محصنًا.

واحتجّ بأن النكاح الفاسد يعطي أحكام الصحيح في تقدير المهر ووجوب العدة ولحوق الولد وتحريم الريبة، وأجيب بعموم ((ادرءوا الحدود)) قال: وأجمعوا على أنه لا يكون بمجرد العقد محصنًا، واختلفوا إذا دخل بها وادعى أنه لم يصبها قال: حتى تقوم البينة أو يوجد منه إقرار أو يعلم له منها ولد، واختلف إذا تزوج الحرّ أمة هل تحصنه؟ فقال الأكثر: نعم، وعن العطاء والحسن وقتادة والثوري والكوفيين وأحمد وإسحاق: لا، واختلفوا إذا تزوج كتابية فقال إبراهيم وطاوس والشعبي: لا تحصنه، وعن الحسن: لا تحصنه حتى يطأها في الإسلام، أخرجهما ابن أبي شيبة، وعن جابر بن زيد وابن المسيب: تحصنه، وبه قال عطاء وسعيد بن جبير.

د. الدروس المستفادة من حديث جابر:

وفي هذا الحديث من الفوائد منزلة عظيمة لماعز بن مالك:

استمرَّ ماعز بن مالك على طلب إقامة الحدّ عليه مع توبته؛ ليطهر بذلك، ولم يرجع عن إقراره، مع أن الطبع البشري يقتضي أنه لا يستمر عن الإقرار بما يقتضي إزهاق نفسه، فجاهد نفسه على ذلك وقويَ عليها، وأقرّ من غير اضطرار إلى إقامة ذلك عليه بالشهادة مع وضوح الطريق إلى سلامته من القتل بالتوبة. ولا يقال: لعله لم يعلمْ أن الحدّ بعد أن يرفع للإمام يرتفع بالرجوع؛ لأنا نقول: كان له طريق أن يبرز أمره في صورة الاستفتاء فيعلم ما يخفى عليه من الأحكام، يعني: كان يمكنه أن يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستفتيًا يعرّض بنفسه ويقول: ما رأيك لو حدث من رجل كذا وكذا فيسمع الفتوى، لكنه أصرّ على تطهير نفسه وقتل نفسه في حدّ من حدود الله؛ توبة عظيمة لله تعالى.

يُستحب لمن وقع في معصية وندم أن يبادرَ إلى التوبة منها، ولا يخبر بها أحدًا، ويستتر بستر الله عليه، قال الله تعالى: {وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ وَجَنّةٍ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ (133) الّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السّرّآءِ وَالضّرّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذّنُوبَ إِلاّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرّواْ عَلَىَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [ال عمران: 133 – 135].

فإذا أصاب أحد ذنبًا وستره الله عليه فلا يعلم أحدًا بهذا الذنب، وأن يتوب فيما بينه وبين ربه، وأن يندم على هذا الفعل، وأن يستغفر الله عز وجل وأن يعزم عزمًا أكيدًا على ألا يعود إلى مثل ذلك أبدًا، وعليه أن يسارع بالتوبة إلى الله تعالى.

وإن اتفق أنه يخبر أحدًا فيستحب أن يأمره بالتوبة ويستر ذلك على الناس، كما جرى لماعز مع أبي بكر ثم عمر، وقد أخرج قصته معهما في (الموطأ) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب مرسلًا، ووصله أبو داود وغيره من رواية يزيد بن نعيم بن هزّال عن أبيه. وفي القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهزّال: ((لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك)) وذكر الثوب مبالغة، أي: لو لم تجد السبيل إلى ستره إلا بردائك مما عمل أمره كان أفضل مما أشرت به عليه من الإظهار.

يجب على من اطَّلع على ذلك أن يستر عليه، ولا يفضحه، ولا يرفع أمره إلى الإمام كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة (لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك)) وبهذا جزم الشافعي رحمه الله فقال: “أحب لمن أصاب ذنبًا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب” وهذا واضح، واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر، وقال ابن العربي: هذا كله في غير المجاهر، فأما إذا كان متظاهرًا بالفاحشة مجاهرًا فإني أحب مكاشفته؛ لينزجر هو وغيره.

وقد استُشكل استحباب الستر مع ما وقع من الثناء على ماعز والغامدية، قال ابن حجر: أجاب شيخنا في شرح الترمذي بأن الغامدية كان ظهر بها الحمل مع كونها غير ذات زوج، فتعذر الاستتار؛ للاطلاع على ما يشعر بالفاحشة، ومن ثمّ قيّد بعضهم ترجيح الاستتار؛ حيث لا يكون هناك ما يشعر بضده، وإن وجد فالرفع إلى الإمام؛ ليقيم عليه الحد أفضل.

قال ابن حجر: والذي يظهر أن الستر مستحبّ، والرفع لقصد المبالغة في التطهير أحب، والعلم عند الله تعالى.

التثبُّت في إزهاق نفس المسلم، والمبالغة في صيانته؛ لما وقع في هذا القصة من ترديده والإيماء إليه بالرجوع، والإشارة إلى قبول دعواه إن ادعى إكراهًا وأخطأ في معنى الزنا أو مباشرة دون الفرج مثلًا أو غير ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يقول له: ((لعلك قبلت، أو لامست، أو غامزت وتعتقد أن ذلك زنا؛ وليس كذلك)).

مشروعيةُ الإقرار بفعل الفاحشة عند الإمام وفي المسجد، والتصريح فيه بما يستحيى من التلفظ به من أنواع الرفث في القول من أجل الحاجة الملجئة لذلك، يعني: يجوز للإنسان أن يأتي إلى الإمام ويذكرُ كلامًا فيه رفث؛ حتى يعلم الإمام بما فعل.

ويؤخذ من قوله: ((هل أحصنت؟)) وجوب الاستفسار عن الحال التي تختلف الأحكام باختلافها؛ لأن الذي أحصن يرجم، والذي لم يحصن يجلد فقط ولا يرجم؛ فيجب الاستفسار عن الحال التي تختلف الأحكام بأحوالها.

وفيه -أي: في الحديث-: أن إقرار السكران لا أثر له، يؤخذ من قوله: ((استنكهوه)) والذين اعتبروه وقالوا: إن عقله زال بمعصيته، ولا دلالة في قصة ماعز؛ لاحتمال تقدمها على تحريم الخمر أو أن سكره وقع عن غير معصية.

وفيه أن المقر بالزنا إذا أقر يترك، فإن صرح بالرجوع فذاك، وإلا اتبع ورجم وهو قول الشافعي وأحمد، ودلالته من قصة ماعز ظاهرة، وقد وقع في حديث نعيم بن هزّال: ((هل تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه)) أخرجه أبو دواد وصححه الحاكم وحسنه، وللترمذي نحوه من حديث أبي هريرة وصححه الحاكم أيضًا، وعند أبي داود من حديث بريدة قال: ((كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدث أن ماعزًا والغامدية لو رجعا لم يطلبهما)) وعن المالكية في المشهور: لا يترك إذا هرب. وقيل: يشترط أن يؤخذ على الفور، فإن لم يؤخذ ترك. وعن ابن عيينة: إن أخذ في الحال أكملوا عليه الحد، وإن أخذ بعد أيام ترك. وعن أشهب: إن ذكر عذرًا يقبل ترك وإلا فلا، ونقله القعنبي عن مالك. وحكى بعضهم عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة، ومنهم من قيده بما بعد إقراره عند الحاكم، واحتجوا بأن الذين رجموه حتى مات بعد أن هرب لم يلزموا بديته، فلو شرع تركه لوجبت عليهم الدية.

والجواب أنه لم يصرّح بالرجوع، ولم يقل أحد: إن حدّ الرجم يسقط بمجرد الهرب، وقد عبّر في حديث بريدة بقوله: ((لعله يتوب)) واستدلوا به على الاكتفاء بالرجم في حدّ من أحضر من غير جلد، وأن المصلّى إذا لم يكن وقفًا لا يثبت له حكم المسجد، وأن المرجوم في الحد لا تشرع الصلاة عليه إذا مات بالحد، وأن من وجد ريح الخمر وجب عليه الحد من جهة استنكاه ماعز بعد أن قال له: ((أشربت خمرًا)).

قال القرطبي وهو قول مالك والشافعي كذا قال.

وقال المازري: استدل به بعضهم على أن طلاق السكران لا يقع، وتعقبه عياض بأنه لا يلزم من درء الحد به أنه لا يقع طلاقه؛ لوجود تهمته على ما يظهره من عدم العقل.

قال: ولم يختلف في غير الطافح أن طلاقه لازم، قال: ومذهبنا استلزامه بجميع أحكام الصحيح؛ لأنه أدخل ذلك على نفسه وهو حقيقة مذهب الشافعي، واستثنى من أكره ومن شرب ما ظنّ أنه غير مسكر، ووافقه بعض متأخري المالكية.

 وقال النووي: الصحيح عندنا صحة إقرار السكران ونفوذ أقواله فيما له وعليه، قال: والسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنه لو كان سكرانًا لم يقم عليه الحد، كذا أطلق فألزم التناقض وليس كذلك فإن مراده لم يقم عليه الحد لوجود الشبهة كما تقدم من كلام عياض.

ومن المذاهب الطريفة فيه قول الليث:

يعمل بأفعاله ولا يعمل بأقواله؛ لأنه يلتذّ بفعله ويشفي غيظه ولا يفقه أكثر ما يقول، وقد قال الله تعالى: {لاَ تَقْرَبُواْ الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىَ حَتّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43].

4. باب: الصلاة على الغائب بالنية، وعلى القبر إلى الشهر:

أ. الأحاديث الواردة في الصلاة على النجاشي:

الحديث الأول:

عن جابر رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى علي أصحمة النجاشي فكبّر عليه أربعًا)) وفي لفظٍ قال: ((توفي اليوم رجل صالح من الحبش، فهلموا فصلوا عليه، فصففنا خلفه فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن صفوف)) متفق عليهما.

الحديث الثاني:

عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصفّ بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات)) رواه الجماعة، وفي لفظٍ: ((نعى النجاشي لأصحابه ثم قال: استغفروا الله له، ثم خرج بأصحابه إلى المصلى، ثم قام فصلى بهم كما يصلي على الجنازة)) رواه أحمد.

الحديث الثالث:

عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أخاكم النجاشي قد مات، فقوموا فصلوا عليه، قال: فقمنا فصففنا عليه كما يصفّ على الميت، وصلينا عليه كما يصلى على الميت)) رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.

ب. شرح مفردات الحديث:

قوله في الحديث: ((نعى النجاشي)) النعي هو إعلام الناس بالميت الذي مات، يعني: يأتي رجل ويؤذن في الناس، ويعلمهم أن فلانًا ابن فلان قد توفي، وانتقل إلى رحمة الله تعالى، هذا هو النعي، وقد اختلف العلماء في حكم هذا النعي، يعني: ما الحكم إذا نعى أحد أحدًا ممن مات؟ قال الشيرازي: ويكره نعي الميت للناس، والنداء عليه للصلاة؛ لما روي عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: “إذا مت فلا تؤذنوا بي أحدًا إني أخاف أن يكون نعيًا” وقال عبد الله: “الإيذان بالميت من نعي الجاهلية” يعني: الإعلام بالميت.

قال النووي: النعي بفتح النون وكسر العين وتشديد الياء، ويقال: بإسكان العين وتخفيف الياء لغتان، لكن التشدد أشهر، والنداء بكسر النون وضمها لغتان الكسر أفصح، وروى الترمذي بإسناده عن حذيفة رضي الله عنه قال: ((إذا مت فلا تؤذنوا بي أحدًا إني أخاف أن يكون نعيًا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي)) قال الترمذي: حديث حسن، قال النووي: قال الشيرازي والبغوي وجماعة من أصحابنا: يكره نعي الميت، والنداء عليه للصلاة وغيرها، وذكر الصيدلاني وجهًا: أنه لا يكره، وقال صاحب (الحاوي): اختلف أصحابنا هل يستحب الإيذان بالميت وإشاعة موته في الناس بالنداء عليه والإعلام، فاستحبه بعضهم لكثرة المصلين والداعين له، وقال بعضهم: لا يستحب ذلك، وقال بعضهم: يستحب ذلك للغريب إذ لم يؤذن به لا يعلمه الناس، وقال صاحب (التتمة): يكره ترثية الميت بذكر آبائه وخصائله وأفعاله، ولكن الأولى الاستغفار له، وقال غيره: يكره نعيه والنداء عليه للصلاة، فأما تعريف أهله وأصدقائه بموته فلا بأس به، وقال ابن الصباغ في آخر كتاب الجنائز: قال أصحابنا: يكره النداء عليه ولا بأس أن يعرف أصدقاءه، وبه قال أحمد بن حنبل. وقال أبو حنيفة: لا بأس به، ونقل العبدري عن مالك وأبي حنيفة وداود أنه لا بأس بالنعي.

هذا ما ذكره الأصحاب، فقد ثبت في الصحيحين: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي لأصحابه في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى وصلى بهم عليه، وأنه صلى الله عليه وسلم نعى جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن أبي رواحه رضي الله عنهم وأنه صلى الله عليه وسلم قال في إنسانٍ كان يَقُمُّ المسجد (أي: يكنسه) فمات فدفن ليلًا: أفلا كنتم آذنتموني به)) وفي رواية: ((ما منعكم أن تعلموني به)) فهذه النصوص في الإباحة.

وجاء في الكراهة حديث حذيفة الذي ذكرناه، قال البيهقي: ويروى ذلك -يعني: النهي- عن ابن مسعود وابن عمر وأبي سعيد، ثم علقمة وابن المسيب، والربيع بن خيثم وإبراهيم النخعي رضي الله عنهم ولمن قال بالكراهة أن يجيب عن نعي النجاشي وغيره ممن سبق أنه لم يكن نعيًا وإنما كان مجرد إخبارٍ بموته فسمي نعيًا لشبهه به في كونه إعلامًا.

والجواب لمن قال بالإباحة: أن النهي إنما هو عن نعي الجاهلية الذي أشار إليه صاحب (التتمة) ولا يرد عليه قول حذيفة؛ لأنه لم يقل: إن الإعلام بمجرده نعي، وإنما قال: “أخاف أن يكون نعيًا” وكأنه خشي أن يتولد من الإعلام زيادة تؤدي إلى نعي الجاهلية.

قال النووي: والصحيح الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها وغيرها أن الإعلام بموته لمن لم يعلم ليس بمكروه، بل إن قصد به الإخبار لكثرة المصلين فهو متسحب، وإنما يكره ذكر المآثر والمفاخر بين الناس بذكره بهذه الأشياء، وهذا نعي الجاهلية المنهي عنه، فقد صحت الأحاديث بالإعلام فلا يجوز إلغاؤها، وبهذا الجواب أجاب بعض أئمة الفقه والحديث المحققين، فيجوز إعلام الناس بأن فلانًا ابن فلانٍ قد مات، أما النهي أن يقول في إعلام الناس: مات فلان ابن فلان الذي كان صاحب كذا وكان صاحب كذا، وبموته يحصل كذا وكذا، مات من كان كذا وكذا، هذا كله غير جائز، أما الجائز: فهو أن يعلم الناس بأن فلانًا قد مات؛ حتى يصلي عليه الناس؛ وحتى يحضره الأقربون والأصدقاء وغيرهم.

قوله أيضًا في الحديث: ((فكبّر عليه أربعًا)) فيه دليل على أن المشروع في تكبير الجنازة أربع تكبيرات -وسيأتي الكلام بالتفصيل.

قوله: ((وخرج بهم إلى المصلى)) تمسك بهذا من قال بكراهة صلاة الجنازة في المسجد، قال النووي: الصلاة على الميت في المسجد صحيحة جائزة لا كراهة فيها بل هي مستحبة، صرح باستحبابها في المسجد الشيخ أبو حامد شيخ الأصحاب وصاحب (الحاوي) وآخرون، قال: هذا مذهبنا، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكرٍ الصديق وعمر وهو مذهب عائشة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من الصحابة رضي الله عنهم وهو مذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وغيرهم من الفقهاء وبعض أصحاب مالك، وقال مالك وأبو حنيفة وابن أبي ذئب: تكره الصلاة على الميت في المسجد واحتجوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له)) رواه أبو داود وغيره، وقلنا: إنهم تمسكوا أيضًا بهذا الحديث الذي معنا: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى فصلى على النجاشي)).

قال النووي: واحتجّ أصحابنا بحديث عائشة المذكور وهو في (صحيح مسلم) وهو حديث: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد)) وأما حديث أبي هريرة الذي فيه النهي عن الصلاة في المسجد: ((من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له)) قال النووي: فجوابه من أوجه:

الوجه الأول: أنه ضعيف باتفاق الحفاظ، وممن نص على ضعفه الإمام أحمد بن حنبل وأبو بكر بن المنذر والبيهقي وآخرون، قال أحمد: هذا الحديث مما انفرد به صالح مولى التوأمة، وهو مختلف في عدالته، لكن معظم ما عابوا عليه الاختلاط، قالوا: وسماع ابن أبي ذئب ونحوه منه قبل الاختلاط، وهذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عنه.

والوجه الثاني: أن الذي ذكره أبو داود في روايته في جميع نسخ كتابه المعتمدة فلا شيء عليه، وعلى هذا لا دلالة فيه لو صحّ، وأما رواية: ((فلا شيء له)) فهي مع ضعفها غريبة، ولو صحّت لوجب حملها على: ((فلا شيء عليه)) للجمع بين الروايات، وقد جاء مثله في القرآن كقوله تعالي: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] أي: فعليها.

الجواب الثالث: أجاب به الخطابي وسائر أصحاب الشافعي: أنه لو ثبت هذا الحديث؛ لكان محمولًا على نقصان الأجر؛ لأن المصلي عليها في المسجد ينصرف غالبًا إلى أهله بعد الصلاة، أما من صلى عليها في الصحراء حضر دفنها غالبًا، فنقص أجر الأول، ويكون التقدير فلا أجر كامل له، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة بحضرة الطعام)) أي: صلاة كاملة. فإن قيل: لا حجة في حديث عائشة؛ لاحتمال أنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى عليه في المسجد لعذر مطر أو غيره، أو أنه وضعه خارج المسجد وصلي عليه هو في المسجد، أو أن المراد بالمسجد مصلى الجنائز -فالجواب أن هذه الاحتمالات كلها باطلة؛ لأن لفظ الحديث في صحيح مسلم: عن عباد بن عبد الله بن الزبير: ((أن عائشة رضي الله عنها أمرت أن تمرّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها فقالت: ما أسرع ما نسي الناس ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد)).

ج. حكم الصلاة على الغائب، ومذاهب العلماء في ذلك:

وقد استدلَّ بقصةِ النجاشي وموته القائلون بمشروعية الصلاة على الغائب عن البلد، قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): وبذلك قال الشافعي وأحمد وجمهور السلف؛ حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحدٍ من الصحابة منعه، قال الشافعي: الصلاة على الميت دعاء له، فكيف لا يدعى له وهو غائب أو في القبر؟! وذهبت الحنفية والمالكية: أنها لا تشرع الصلاة على الغائب مطلقًا.

قال ابن حجر: وعند بعض أهل العلم: إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه أو ما قرب منه لا إذا طالت المدة، حكاه ابن عبد البر. وقال ابن حبان: إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة، قال المحب الطبري: لم أرَ ذلك لغيره، واعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن هذه القصة بأعذار منها: أنه كان بأرضٍ لم يصل عليه بها أحد، ومن ثم قال الخطابي: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرضٍ ليس فيها من يصلي عليه.

وترجم بذلك أبو داود في (السنن) فقال: باب الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك في بلد آخر، قال ابن حجر: وهذا محتمل إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار أنه لم يصل عليه في بلده أحد.

وممن اختار هذا التفصيل شيخ الإسلام ابن تميمة حفيد المصنف صاحب (منتقى الأخبار) واستدل له بما أخرجه الطيالسي، وأحمد وابن ماجه، وابن قانع والطبراني والضياء المقدسي، عن أبي الطفيل عن حذيفة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أخاكم مات بغير أرضكم فقوموا فصلوا عليه)).

ومن الأعذار قولهم: إنه كشف له صلى الله عليه وسلم حتى رآه، فيكون حكمه حكم الحاضر بين يدي الإمام الذي لا يراه المؤتمون، ولا خلاف في جواز الصلاة على من كان كذلك، قال ابن دقيق العيد: هذا يحتاج إلى نقل ولو يثبت بالاحتمال، وتعقبه بعض الحنفية بأن الاحتمال كافٍ في مثل هذا من جهة المانع.

قال الحفاظ ابن حجر: وكأن مستند القائل بذلك ما ذكره الواحدي في أسباب النزول بغير إسنادٍ عن ابن عباس قال: ((كشف للنبي صلى الله عليه وسلم عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه)) ولابن حبان من حديث عمران بن حصين: ((فقام وصفوا خلفه وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه)) ولأبي عوانة من طريق أبانٍ وغيره عن يحيى: ((فصلينا خلفه ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا)).

error: النص محمي !!