Top
Image Alt

مِن خصائص الدّعوة الإسلامية (أ)

  /  مِن خصائص الدّعوة الإسلامية (أ)

مِن خصائص الدّعوة الإسلامية (أ)

والإسلام بهذه الخصائص يتقدّم مسيرة الحياة بفكر واضح، وعقيدة ثابتة، ومنهج متميِّز فريد، يرفض التقليد ويأبى التّبعية.

وإنّ اختيار مكّة المكرّمة مهدًا ونشأةً وبعثةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي كما وصفها إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: {رّبّنَآ إِنّيَ أَسْكَنتُ مِن ذُرّيّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرّمِ} [إبراهيم: 37].

فقد كانت مكة المكرمة بعيدة عن الحضارتيْن المؤثِّرتيْن في العالَم حينذاك، وهي: الحضارة الفارسية والرومانية، ممّا يوحي بخصوصيّتها واستقلالها، وعدم تأثّر الدعوة بما يدور في جوانب العالَم الأخرى. وهذه الخصوصية والاستقلالية التي اتّسمت بها الدّعوة إلى الإسلام، واتّصف بها المسلمون في كلّ زمان ومكان.

وهذا ممّا يُقلق الأعداء ويثير غيظهم وحقْدهم: أنّ المسلم ثابت المعالم، مميّز الشخصية، متفردٌ في عقيدته، وحيدٌ في سلوكه، لا نظير له في العبادة والأخلاق والمعاملة، يحتمي بدينه ويعتصم بمعتقداته، ويعتز بتاريخه، ويسابق الموت طلبًا للشهادة دفاعًا عن إسلامه.

ومن ثَم عمَد أعداء الإسلام للنّيل من هذه الخصائص الإسلامية، بالاستعمار العسكري أحيانًا، وبالغزو الفكري أحيانًا أخرى، وبعملائهم من بعض أبناء المسلمين الذين تربّوْا على موائد الاستشراق والتبشير والاحتلال.

وإنّنا إذْ نضَع بين أيدي الطّلاب والدّعاة خصائص الدعوة إلى الله، ليزداد إيمانهم بالإسلام، ويعظم حفظهم له ودفاعهم عنه. ولقد تحدّث القرآن الكريم عن بعض هذه الخصائص في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143].

وقد فسّرت سورة (الحج) هذه الخصائص في قوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبّكُمْ وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـَذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَـاةَ وَاعْتَصِمُواْ بِاللّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىَ وَنِعْمَ النّصِيرُ} [الحج: 77، 78].

فهل توجد أمّة من بين أمم الدنيا أو شعبٌ من شعوب الأرض، له خصائص الأمّة الإسلامية؟

ولقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم في وثيقة الموادعة بين المسلمين واليهود، بعد الهجرة إلى المدينة، عن خصائص أمّته الإسلامية حيث نصّت هذه الوثيقة على أنّ المسلمين أمّةٌ من دون الناس.

والمسلمون بهذه الخصوصية لا يستعلون على الآخَرين، ولا يستعبدون الشعوب، ولا يتميّزون على الأمم؛ وإنما هم بتلك الخصوصية يحملون على عاتقهم إخراج الناس من ظلمات الكفر إلى أنوار الإيمان، وهم مسئولون أمام الله -كأمّة دعوة- عن هداية العالَم. قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: 110].

أما عن خصائص الدّعوة الإسلامية، فهي على النحو التالي:

أولًا: إنّ دعوة الإسلام وثيقة الصّلة بدعوات الأنبياء والمرسلين، من لدُن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

فـ”الإسلام” هو الاسم الذي اختاره الله ليكون عنوانًا لجميع الرسالات. والمتتبِّع لقصص الأنبياء في القرآن الكريم، يجد أنّ الإسلام هو أساس كلّ رسالة، وجوهر كل شريعة، ومعلم كلّ ملّة، يُرى ذلك واضحًا في الأدلّة القرآنية التالية:

  • نوح عليه السلام يُعلن أنه من المسلمين، ويُحذِّر قومه من عاقبة الإعراض عن دعوة الإسلام. قال تعالى: {فَإِن تَوَلّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72].
  • إبراهيم عليه السلام يُعلن في جلاء تام أنه مسلم، وتبِعه في الإسلام حفيده يعقوب حينما حضرتْه الوفاة فوصّى أبناءه بالإسلام. قال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مّلّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدّنْيَا وَإِنّهُ فِي الاَخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصّىَ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيّ إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ لَكُمُ الدّينَ فَلاَ تَمُوتُنّ إَلاّ وَأَنْتُم مّسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـَهَكَ وَإِلَـَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 130 – 133].
  • ويوسف عليه السلام تمنّى أن يلْقى الله مسلمًا. قال تعالى: {رَبّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنتَ وَلِيّي فِي الدّنُيَا وَالاَخِرَةِ تَوَفّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ} [يوسف: 101].
  • وموسى عليه السلام يدعو قومه إلى الإسلام، ويُحرِّك مشاعرهم نحوه. قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَىَ يَقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكّلُوَاْ إِن كُنتُم مّسْلِمِينَ} [يونس: 84].
  • وحواريّو عيسى عليه السلام شهدوا بالإسلام. قال تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنّا وَاشْهَدْ بِأَنّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111].

وقد توثّقت هذه الصِّلة وقويت تلك الرابطة بالعهد والميثاق الذي أخذه الحقّ سبحانه وتعالى على جميع الأنبياء والمرسلين وأتباعهم، إن أدركوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به، وينصرونه ولا ينابذونه العداء، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنّ بِهِ وَلَتَنصُرُنّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىَ ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوَاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ} [آل عمران: 81].

وقد وُثِّق هذا العهد باللقاء المباشر بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الأنبياء والمرسلين ليلة الإسراء والمعراج، حيث استقبلوه بالحفاوة والتّرحاب قائلين له: ((مرحبًا بالأخ الصالح، والنّبيّ الصالح. نِعْم المَجيء جئتَ)). وقد صلّى بهم إمامًا.

ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي حينما قال:

أَسرى بِكَ اللَهُ لَيلاً إِذ مَلائِكُهُ

*وَالرُسلُ في المَسجِدِ الأَقصى
 عَلى قَدَمِ
لَمّا خَطَرتَ بِهِ اِلتَفّوا بِسَيِّدِهِم

*كَالشُهبِ بِالبَدرِ أَو كَالجُندِ بِالعَلَمِ

صَلّى وَراءَكَ مِنهُم كُلُّ ذي خَطَر

*وَمَن يَفُز بِحَبيبِ اللَهِ يَأتَمِمِ

 ولقد هيمن الإسلام على الرسالات السابقة، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48].

فالهيمنة على الكتب السابقة كما قال ابن عباس رضي الله عنه: “أي: مؤتمن عليهم”.

وهيمنة الإسلام على الشرائع السابقة تكون بما يلي:

أولًا: نسخ الإسلام لبعض التشريعات التي جاءت بها الأديان السابقة.

ثانيًا: تصحيح ما انحرف منها، ولا سيما ما يتعلّق بمسائل العقيدة. قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنّىَ يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30].

ثالثًا: تطهير سيرة الأنبياء والمرسلين ممّا لحِق بهم من أكاذيب وافتراءات تتنافى وعصمة الأنبياء وقُدسيّتهم وطهارتهم، ولقد ذُكرت هذه الافتراءات في العهد القديم والأناجيل المحرّفة.

رابعًا: إن القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة قد عملا على تعديل مسار تلك الأديان التي انحرفت، والاتجاه بها نحو الإسلام. قال تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىَ تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135].

ونفى القرآن الكريم ما أُطلِق على أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام من كونه يهوديًّا أو نصرانيًّا. قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67].

ولقد تحدث القرآن الكريم في أكثر من موضع عن تلك العلاقة الوثيقة بين رسُل الله أجمعين. قال تعالى: {آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].

ولقد عبّر الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا التواصل والترابط أصدق تعبير في قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلي ومَثَل الأنبياء قبلي كمَثَل رجُل بنَى بيتًا فأتمّه وأحسنه، إلاّ موضع لبِنة. فكان الناس يمُرّون بالبناء يقولون ما أتمّه! ما أحسَنَه! لولا هذه اللّبِنة! فأنا هذه اللبنة. وأنا خاتم الأنبياء والمرسلين)).

هذه العلاقة المتينة والصلة الوثيقة بين الرسُل والرسالات جميعًا، من خصائص الإسلام الذي يعمل على تدعيمها، ويُذكِّر بها من خلال القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة.

فالإيمان بجميع الأنبياء أصْل من أصول عقيدة الإسلام، ومن أهمّ خصائصه ومميزاته.

والإيمان بجميع الرسُل يوجب الإيمان بكلّ ما جاءوا به من عند الله من تشريعات، والتصديق بما أجرى الله على أيديهم من معجزات وأدلّة على أنّ جميع الأنبياء والمرسلين يجْمعهم منهج واحد.

error: النص محمي !!