Top
Image Alt

مِن خصائص الدّعوة الإسلاميّة (ب)

  /  مِن خصائص الدّعوة الإسلاميّة (ب)

مِن خصائص الدّعوة الإسلاميّة (ب)

وإنّ من خصائص الدعوة الإسلامية: أنها أقرّت تلك الرّوابط واعترفت بها ولم تُنكرها، رغم عدم اعتراف الآخّرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وهم -وإن اعترفوا بها ظاهرًا، أو مداراة، أو حرصًا على مصالحهم في بلاد المسلمين- فهم في حقيقة أمْرهم لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يطيقون حتى ذكْر اسمه.

وهذا هو الفرْق الشاسع بين ما اختصّ به الإسلام نحو الرسالات السابقة، وبين ما يُضمره له الآخَرون من حقدٍ أسود وغلّ دفين، أسفر عن وجهٍ قبيح، وكشّر عن أنيابه في العدوان الذي يحصل على ديار المسلمين الآن. ويصحب هذا العدوان دعوات خبيثة وماكرة لحرمان الإسلام من خصوصيّة الهيمنة والتصحيح للأديان والمِلل الأخرى، والعمل على فقدان شخصيته المستقلّة وعقائده المتميزة، وعباداته وأخلاقه المتفرّدة، تحت دعاوى: لقاء الحضارات، وحوار الأديان، وتلاحم الثقافات. وقد حفلت بهذا الأمر المنتدياتُ الفكريّة، وروّجت له وسائل الإعلام، وأقيمت له المؤتمرات، وشُكِّلت له اللِّجان، ورُصدت لذلك الأموال،

وهُرع إلى هذا الحوار بعضُ المسلمين الذي انخدعوا ببريقه، وتولّى كِبرَه مَن تغذّى على موائد الغرب، وانغمس في بريق حضارته المادّيّة الزائفة، حتى عمِيتْ بصيرتُه وطُمس قلبُه، وردّد ما يدعون إليه، دون أن يعرف أنّ هذه الدعاوى تُفقد الإسلامَ خصوصيّته وتطمس هويّته، لأنهم لا يَقبلون الحوار الذي يحمل بين ثناياه خصوصيّة الإسلام التي توجب على المسلمين أن يتحاوروا مع غيرهم، وأن يتجادلوا معهم بالحسنى، وفْقَ الضوابط التي وضعها القرآن الكريم في قوله تعالى: {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].

هذا في إطار قول الحقّ -تبارك وتعالى-: {وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوَاْ آمَنّا بِالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـَهُنَا وَإِلَـَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46].

فالإسلام لا يخشى الحوار، ولا يضيق بالمناقشة، طالما يُثمر في النهاية الرضوخ للحق، والإذعان للإسلام، أو مهادنته وحسن الجوار في رحابه.

وإنّ من خصوصيّة الدعوة الإسلامية: أنها قامت على الحوار وحسْن المناقشة وسعة الصدر.

فالرسول صلى الله عليه وسلم تحاور مع كفار مكة، وجادل يهود المدينة، وتناقش مع وفْد نصارى نجران. وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه تحدّث مع نجاشي الحبشة، وتحاورا في مسائل العقيدة النصرانية وموقف الإسلام منها.

وحوارات الإسلام ومجادلاته لا تحمل بين طيّاتها مداهنات النفاق، ولا تقبل التّخلي عن الثوابت العقائدية الإسلامية مجاملة للآخَرين. كما أنّ الإسلام لا يعرف اللقاء في منتصف الطريق، كما يروّج له دعاة هذا الحوار. وقد رفض الرسول صلى الله عليه وسلم ما عرَضتْه عليه قريش من تبادل العبادة بين الإسلام والشّرك، حيث قالوا: نعبد إلهك عامًا، وتعبد آلهتنا عامًا آخر؛ فنزل الله قوله تعالى: {قُلْ يَأَيّهَا الْكَافِرُونَ (1) لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} إلى آخر السورة.

هذا، وممّا ينبغي أن يعرفه الدّعاة إلى الله: أنه تكْمن خلْف قضية “حوار الأديان”: الأمور الخطيرة التالية:

أولًا: أن يفقد الإسلام خصائصه العقائديّة والعبادية والأخلاقية، ويصبح المسلم كالماء، لا طعم له، ولا لون، ولا رائحة.

ثانيًا: إضفاء صفة الشّرعية على المعتقدات الوثنية التي تحفل بها النصرانية، كعقيدة التثليث وما يتْبعها من طقوس لا تمُتّ إلى الدِّين الحقّ بصِلة.

ثالثًا: تهميش دوْر الدِّين في الحياة الاجتماعية، سياسيًّا، وثقافيًّا، واقتصاديًّا.

رابعًا: الانطلاق بالعقل والعلْم بعيدًا عن ضوابط الدِّين وقواعد الأخلاق، ممّا ينتج عن ذلك: إفساد الفطرة بالتلاعب في الجينات الوراثية، وتخريب البيئة بأسلحة الدّمار.

خامسًا: الإيمان بالمحسوس، مع عدم الاهتمام بغير المحسوس، كالإيمان بالبعث والحشر، والثواب والعقاب؛ فهذه قضايا مستبعَدة في الفكر الغربي الحديث تمامًا.

سادسًا: الانغماس في التّرف، وتحطيم مقوّمات الأسرة، وإباحة الشذوذ، تحت دعاوى الحرية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة.

سابعًا: إذكاء النّعرات الوطنية والقومية، وإضعاف وتوهين أيّ رابطة تقوم على الدِّين والعقيدة. ممّا سبق، تتّضح خطورة مثل هذه الدعاوى؛ وعلى الدعاة إلى الله: أن يتنبهوا إليها، وأن يقفوا على مكمن الخطر فيها. {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَىَ أَمْرِهِ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].

error: النص محمي !!