Top
Image Alt

نبذة تاريخية عن نشأة القواعد الفقهية

  /  نبذة تاريخية عن نشأة القواعد الفقهية

نبذة تاريخية عن نشأة القواعد الفقهية

ظهرت في عصر الرسالة -أول عصر التشريع- البذرة الأولى للقواعد الفقهية، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم -الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى- كانت أحاديثه الشريفة في كثير من الأحكام، بمثابة القواعد العامة التي يندرج تحتها فروع فقهية كثيرة، وهي بجانب كونها مصدرًا خصبًا للتشريع واستنباط الأحكام، تمثل القواعد الكلية الفقهية.

ودل على ذلك، أن بعض الأحاديث، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((الخراج بالضمان))، و((لا ضرر ولا ضرار))، و((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) وغيرها من جوامع الكلم.

وهذه أضحت عند الفقهاء قواعد ثابتة مستقلة، وجرت مجرى القواعد الفقهية، والذي يبدو أن كل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا الصحابة رضي الله عنهم لا يمثل النشأة الحقيقية للتقعيد، ولا لظهور العلم الخاص بالقواعد.

لكننا نستطيع أن نقرر أن نصوص الشارع من الكتاب، أو السنة جاءت خالية من القواعد؛ بل هي القواعد الأساسية في بناء الشرع، والمصدر لاستنباط الأحكام والقواعد؛ ذلك لأننا نقصد للكلام عن نشأة القواعد وظهورها؛ باعتبارها علمًا من العلوم، أو فنًّا مستقلًا، وهذا أمر اجتهادي مبني على نظر، أو استقراء، احتاج إلى فترة زمنية ليست قصيرة نما فيها الفقه، وازدهرت فروعه، ونضجت مباحثه.

وَمِنْ ثَمَّ؛ فإن القواعد الفقهية لم توضع كلها مرة واحدة كما توضع النصوص القانونية في وقت معين على أيدي أناس معلومين؛ بل تكونت مفاهيمها، وصيغت نصوصها بالتدرج في عصور ازدهار الفقه، ونهضته على أيدي كبار فقهاء المذاهب من أهل التخريج والترجيح؛ استنباطًا من دلالات النصوص الشرعية العامة، ومبادئ أصول الفقه، وعلل الأحكام، والمقررات العقلية، ثم اكتسبت صيغتها الأخيرة المأثورة عن طريق التداول والصقل، والتحرير على أيدي فقهاء المذاهب في مجال التعليل والاستدلال؛ فقد كانت تعليلات الأحكام الفقهية الاجتهادية، ومسالك الاستدلال القياسي عليها، أعظم مصدر لتقعيد هذه القواعد، وإحكام صيغها بعد استقرار المذاهب الفقهية الكبرى، وانصراف كبار أتباعها إلى تحريرها، وترتيب أصولها وأدلتها.

ولا يعرف لكل قاعدة صانع معين، إلا ما كان منها نص حديث نبوي، كقاعدة: ((لا ضرر ولا ضرار))، وما أثر عن بعض أئمة المذاهب، وكبار أتباعهم من عبارات جرت بعد ذلك مجرى القواعد، كقول أبي يوسف -صاحب أبي حنيفة- في كتاب (الخراج)، الذي وضعه للرشيد: “ليس للإمام أن يخرج شيئًا من أيدي أحد إلا بحق ثابت معروف”.

وكانت تسمى هذه القواعد أصولًا، فكثيرًا ما نرى شراح المذهب الحنفي، في تعليلات الأحكام كما نرى المؤلفين القدماء في القواعد الفقهية، يقولون: من أصول أبي حنيفة، أو الأصل عند أبي حنيفة كذا، وكذا، وهذا ما نراه واضحًا، في كتاب (تأسيس النظر)، للدبوسي الحنفي؛ حيث يقول: “الأصل عند أبي حنيفة: أن الشيء إذا غلب عليه وجوده يجعل كالموجود حقيقة”.

وقوله أيضًا: “الأصل عند علمائنا الثلاثة: أن الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الآحاد مقدم على القياس الصحيح، وعند مالك القياس الصحيح مقدم على خبر الآحاد”.

وتعد القواعد الفقهية من جوامع الكلم، إذ يندرج تحتها ما لا يحصى من المسائل الفقهية المختلفة؛ ولهذا فإنها من حيث الصياغة تتميز بالإيجاز في التعبير، مع شمولية المعنى، وغالبًا ما تكون من كلمات معدودة، كقاعدة: “العادة محكمة”، و”الخراج بالضمان”، و”الأمور بمقاصدها”؛ فهذه القواعد الثلاث -رغم كلماتها الموجزة- تتسع لكثير من الأحكام والفروع، وقد ذكر الشافعي: أنه يدخل في قاعدة: “الأمور بمقاصدها”، سبعون بابًا من أبواب الفقه.

وقد تكون في صياغتها مطابقة لنص من نصوص السنة المطهرة، وفيها قواعد كثيرة: “لا ضرر ولا ضرار”، و”الخراج بالضمان”، و”إنما الأعمال بالنيات”؛ فإن هذه النصوص استخدمها الفقهاء في كتبهم على أنها قواعد فقهية، وإن كانت مطابقة لنص حديث نبوي تكون في صياغتها مطابقة لحكمة معروفة، أو تكون مثلًا من الأمثال المشهورة في القواعد التالية: “الخليل مجالس لخليله”.

وقد تتضمن القاعدة بعض التفصيل إذا كانت من قواعد الخلاف، كما في القاعدة التي تقول: “لم يجز، ولم ينفذ إلا أن يمكن الاستدراك للضرر، أو لضمان أو نحوه فيجوز”.

ومن الأدلة على تطور صياغة القواعد الفقهية: أن كثيرًا من صيغ القواعد تختلف في كتب المتأخرين عنها في كتب المتقدمين، فمثلا القاعدة المتداولة في كتب المتأخرين، في كون الإقرار إنما يلزم صاحبه المقر، ولا يسري حكمه على غيره، نصها يقول: “الإقرار حجة قاصرة”، وإذا رجعنا إلى أصل هذه القاعدة في قواعد الإمام الكرخي، فنجدها تقول: “المرء يعامل في حق نفسه كما أقر، ولا يصدق على إبطال حق الغير، ولا إلزام الغير حقًّا”.

وكذلك القاعدة التي تنص على أن: “الاجتهاد لا ينقض بمثله”، أصلها في قواعد الكرخي: “الأصل أنه إذا قضي بالاجتهاد لا يفسخ باجتهاد مثله، ويفسخ بالنص”.

تدوين القواعد الفقهية، وتطورها:

من الصعوبة بمكان تحديد تاريخ تدوين هذه القواعد بدقة، وإثبات أطوار الصيغ المتعاقبة على كل قاعدة، ما دامت لم توضع دفعة واحدة، ولا في وقت واحد، والظاهر أن أول محاولة في تدوين القواعد، ما قام به أبو طاهر الدباس -إمام الحنفية- وهو ممن عاش في القرنين الثالث، والرابع للهجرة؛ حيث جمع أهم قواعد مذهب أبي حنيفة في سبع عشرة قاعدة كلية، وكان أبو طاهر ضريرًا، يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد خروج الناس منه، فكانت هذه القواعد حافزًا للإمام الكرخي أن يأخذها، وأن يضيف إليها غيرها إلى أن أوصلها إلى تسع وثلاثين قاعدة.

ثم جاء أبو زيد عبد الله بن عمر الدبوسي الحنفي، فدون كتابه (تأسيس النظر)، وضمنه طائفة مهمة من القواعد الفقهية العامة والخاصة، مع التفريع على كل منها بفوائد جمة، واستطرادات كثيرة مع مجموعة من الضوابط الخاصة، والأفكار التوجيهية لرجال المذهب في بيان طرق الاستنباط، فكان كتابه (تأسيس النظر)، بداية حركة لتقعيد هذه القواعد، وتدوينها في أواخر القرن الثالث الهجري.

أما الكتاب، فهو كتاب في علم الخلاف، والفقه المقارن، فهو أول كتاب ظهر في الفقه الموازن، قبل أن يكون كتابًا في القواعد الفقهية، وميزة هذا الكتاب، أنه يهدف إلى معرفة كيفية إيراد الحجج الشرعية على الأقوال والآراء، وكيفية دفع الشبهة، وقواعد الأدلة الخلافية.

يقول المؤلف في المقدمة: “جمعت في كتابي هذا أحرفًا إذا تدبر الناظر فيها وتأملها عرف مجال التنازع، ومدار التناطح عند التخاصم”.

وقد اشتمل هذا الكتاب على ست وثمانين قاعدة، ومعظم هذه القواعد قواعد مذهبية، ورتب المؤلف كتابه هذا على ثمانية أقسام، تناولت الاختلاف بين الأئمة.

ثم ألحق بالأقسام الثمانية، قسمًا ذكر فيه أصولًا اشتملت على مسائل خلافية متفرقة.

والدبوسي -في وضعه لكتابه هذا- قد راعى رد الفروع إلى الأصول، ولم يلتزم السير حسب نظام الفقه؛ بل فروعه قد تكون من أبواب متعددة، فإن فروع كل قاعدة لم تلتزم فيها بابًا واحدًا معينًا من أبواب الفقه، وهذه طريقة تدل على سعة الاطلاع، وعمق المعرفة، حتى يلحق أي فرع كان، من أي باب كان تحت القاعدة.

كما أنَّ الدبوسي، لا يُعنى بتحرير مسائل الأصول، أو القاعدة الفقهية من ناحية الاحتجاج لها، وتأييد المعنى الذي قامت عليه؛ بل يكتفي غالبًا بذكر المسألة والقاعدة خالية من ذلك، وكأنه يراها من المسلمّات.

ثم جاء ابن نجيم، المتوفى سنة (970) هـ فألف كتابًا مهمًّا سماه (الأشباه والنظائر)، جمع فيه خمسًا وعشرين قاعدة، وصنفها على نوعين:

النوع الأول: قواعد أساسية، كالأركان في المذاهب الفقهية؛ وهي قواعد ست: الأمور بمقاصدها، والضرر يزال، والعادة محكمة، واليقين لا يزول بالشك، ولا ثواب إلا بالنية.

النوع الثاني: تسع عشرة قاعدة فرعية أخرى، وأحكامًا كثيرة.

ولكن حركة التقعيد لم تتقدم ولم تشتهر، ولم تبدأ في الظهور متكاملة إلا في بداية القرن السابع الهجري؛ فقد برز فيه علم قواعد الفقه إلى حد كبير، وإن كان لم يبلغ مرحلة النضج، وكان على رأس المؤلفين في هذا العصر، العلامة محمد بن إبراهيم الجارمي؛ فقد ألف كتابًا بعنوان: (القواعد في الفروع الشافعية)، ثم العز بن عبد السلام، ألف كتابه في (قواعد الأحكام في مصالح الأنام)، ثم تتابعت هذه السلسلة من المؤلفات في المذاهب الفقهية المشهورة.

ويعتبر القرن الثامن الهجري، عصرًا ذهبيًّا لتدوين القواعد الفقهية، وسمو التأليف فيها، وتفوقت فيه عناية الشافعية؛ لإبراز هذا الفن العظيم.

ولكن هذه القواعد على الرغم من هذه الجهود المتتابعة الكثيرة ظلت متفرقة، ومبددة في مدونات مختلفة، وتضمنت تلك المدونات بعض الفنون الفقهية الأخرى، مثل كتاب (الفروق والألغاز)، والألغاز، هي: المسائل التي قصد إخفاء وجه الحكم فيها لأجل امتحان.

وأحيانًا تفرقت هذه المؤلفات إلى بيان بعض القواعد الأصولية، فلم يستقر أمرها تمام الاستقرار إلى أن وضعت مجلة الأحكام العدلية على أيدي لجنة من فحول الفقهاء في عهد السلطان العثماني عبد العزيز خان في أواخر القرن الثالث عشر الهجري ليعمل بها في المحاكم التي أنشئت في ذلك العهد، وهي عبارة عن قانون مدني مستمد من الفقه على المذهب الحنفي، وتشتمل على مجموعة من الأحكام، والمعاملات، والدعاوى، والبينات، وضعتها لجنة علمية مؤلفة من ديوان العدلية بالآستانة، ورئاسة ناظر الديوان، وصاغت الأحكام التي اشتملت عليها في مواد ذات أرقام متسلسلة على نمط القوانين الحديثة، ليسهل الرجوع إليها، والإحاطة عليها، وصدرت المجلة بتقرير عن الأسباب الموجبة، أو المذكرة الإيضاحية، ومقدمة عن علم الفقه، وتعريفه، وتقسيمه؛ ثم ذكرت طائفة من القواعد الفقهية التي تدور عليها أحكام كثيرة في تسع وتسعين قاعدة، في كل مادة قاعدة تتضمن قاعدة واحدة، مثل: “الأمور بمقاصدها”، و “الضرر يزال قدر الإمكان”، و”المشقة تجلب التيسير”، وأكثرها مأخوذ من كتاب (الأشباه والنظائر)، لابن نجيم.

وكان الهدف من وضع المجلة تيسير مراجعة الأحكام الفقهية، والاقتصار على قول واحد يعمل به في كل مسألة، وترك الاختلافات في المذاهب الأخرى، ولم تخرج المجلة عن أحكام المذهب الحنفي، وهو أهم ثغرة فيها، مما ترتب عليه الضيق في بعض الجوانب، حبذا لو استعانت بآراء المذاهب الأخرى، وخاصة في باب العقود والشروط.

error: النص محمي !!