Top
Image Alt

نبذة تاريخية لنشأة علم مصطلح الحديث

  /  نبذة تاريخية لنشأة علم مصطلح الحديث

نبذة تاريخية لنشأة علم مصطلح الحديث

إن الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمدٍ، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وذريته، وأهل بيته، وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين. ثم أما بعد:

الدرس الأول في “علم مصطلح الحديث” موضوعه: “نبذة تاريخية عن نشأة علم مصطلح الحديث، وأشهر المصنفات في ذلك”.

نشأ هذا العلم كغيره من العلوم الأخرى حيث وُلِدَ صغيرًا، ثم مر بمراحل النمو المختلفة حتى وصل إلى مرحلة الكمال والازدهار، فلقد كانت قواعد هذا العلم ومباحثه موزعة ومنتشرة في كتب السنة وغيرها من كتب التاريخ الخاصة بالرجال، فكان العلماء -رحمهم الله تعالى- يتعرضون لمباحث هذا العلم في كتبهم بحسب المناسبة، وما تدعو إليه الحاجة.

فلقد تكلم النبي صلى الله عليه وسلم في الرجال، وعَدَّلَ وجرَّح، وسنّ للأئمة القولَ في الرجال، واعتبر ذلك من النصيحة لله ولرسوله وللمسلمين، واقتفى الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم آثارَه صلى الله عليه وسلم فعدَّلوا وجرحوا،  فتكلموا في رواة الحديث جرحًا وتعديلًا، كما تعرّضوا لنقد المروي من الحديث، وأرادوا بذلك تمحيصَ السنة النبوية المطهّرة؛ حتى لا يدخل فيها ما ليس منها.

ومع أن السنة لم تُدون تدوينًا رسميًّا إلا على رأس المائة الأولى بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز  رضي الله عنه  وإن كان بعض الصحابة قد دوَّنوا لأنفسهم -وسنتحدث عن ذلك، إن شاء الله تعالى، بشيء من التفصيل- إلا أنّ بعض الصحابة قد تكلَّموا في الرواة، ونقدوا مروياتهم. من هؤلاء الذين تكلموا في الرواة: عبد الله بن عباس، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، والسيدة عائشة رضي الله عنهم  جميعًا.

كما تكلم في الرواة من كبار التابعين: عامر بن شرحبيل الشعبي، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وغير هؤلاء من الأئمة الكبار رضي الله عنهم  جميعًا.

وكلام هؤلاء الأئمة في الرجال في عصر الصحابة والتابعين، كان من قِبل حفظهم، فلقد مرت المائة الأولى، وكل رواة السنة المطهرة إما صحابي عدْل في دينه، أو تابعي كبير ثقة، يتحرَّى الصدق ويتشدّد في الرواة، إلا أن بعض الرواة وقع منهم أوهامٌ وأخطاء، وهذا شأن البشر، فالعِصمة لكتاب الله تعالى ولرسولهصلى الله عليه وسلم فنبه الأئمة على هذه الأخطاء، وبينوها غايةَ البيان، ولم يكثر هؤلاء الذين تكلموا في الرجال من الصحابة والتابعين، بل كان كلامهم قليلًا؛ لقلة الضعفاء في ذلك العصر.

ولما كانت أوائل المائة الثانية في عصر أواسط التابعين، وُجِدَ من الرواة من يروي المرسل والمنقطع، ومن كثر خطؤه، وازداد ذلك في عصر صغار التابعين بعد الخمسين والمائة، وظهرت الفرق السياسية، وانتشرت المحن والعصبية، وزاحمت الثقافاتُ الأعجمية المعارفَ الشرعية، وظهر مَن يتعمَّد الكذب؛ ترويجًا لبدعته، وانتصارًا لمذهبه ونِحلته، فاضطر العلماء الجهابذة من علماء الجرح والتعديل إلى توسيع النظر والاجتهاد في التفتيش عن الرواة، ونقد الأسانيد.

وممن تكلم في الجرح والتعديل من علماء هذا العصر شعبة بن الحجاج الْمُتَوَفَّى سنة مائة وستين من الهجرة، كما تكلم الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة الْمُتَوَفَّى في سنة تسعٍ وسبعين ومائة من الهجرة، وتكلّم أيضًا هشام بن أبي عبد الله الدستوائي الْمُتَوَفَّى في سنة أربعٍ وخمسين ومائة من الهجرة، وتكلَّم تلامذة هؤلاء العلماء كما تكلَّم شيوخُهم في الرجال جرحًا وتعديلًا.

وتكلَّم الإمام محمد بن إسماعيل البخاريّ  رحمه الله  الْمُتَوَفَّى في سنة ستٍ وخمسين ومائتين من الهجرة  عن مباحث هذا العلم في كتب التاريخ التي ألفها، فتكلم في كتابه (التاريخ الكبير) و(التاريخ الأوسط) و(التاريخ الصغير) عن مباحث هذا العلم أيضًا.

كما تعرَّض الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري  رحمه الله  الْمُتَوَفَّى في سنة إحدى وستين من الهجرة لمباحث هذا العلم في مقدمة كتابه (الجامع الصحيح) وغيره من كتبه ومؤلفاته.

كما تكلم في مباحث هذا العلم أيضًا، الإمام عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي الْمُتَوَفَّى في سنة أربعٍ وستين ومائتين من الهجرة.

كما كتب الإمام سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني صاحب (السنن) الْمُتَوَفَّى في سنة خمسٍ وسبعين ومائتين من الهجرة رسالةً وجهها إلى أهل مكةَ بَيَّنَ فيها طريقتَه في كتابه (السنن).

كما تكلم في الرجال جرحًا وتعديلًا، وتحدث عن المتون: الإمامُ الجليل محمد بن إدريس أبو حاتم الرازي، الْمُتَوَفَّى في سنة سبعٍ وسبعين ومائتين من الهجرة، وقام ابنه بتسجيل ما قال أبوه في الرجال في كتابه (الجرح والتعديل).

كما تعرض الإمام محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي صاحب (السنن) الْمُتَوَفَّى في سنة تسعٍ وسبعين ومائتين من الهجرة لمباحث هذا العلم في كتابه (علل الحديث) الذي ألحقه بآخر كتابه المعروف بـ(سنن الترمذي) كما تعرض في أثناء كتابه (السنن) بالحكم على الأحاديث من تصحيحٍ، وتحسين، وتضعيفٍ، وكلامٍ عن الرواة أيضًا.

كما تكلم في الرجال جرحًا وتعديلًا، وفي نقد المتون: الإمامُ أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النَّسائي صاحبُ (السنن) الْمُتَوَفَّى في سنة ثلاثٍ وثلاثمائة من الهجرة.

وهكذا مَرَّ القرن الثالث الهجري، وهو آخر عصر الرواية، ومباحث علوم الحديث درايةً منتشرةً في كتب الحديث، وكتب التاريخ الخاصة بالتراجم، مثل كتب (التاريخ) للإمام البخاري. فلم تجمع في كتابٍ واحدٍ مستقل، بل ظلت مختلطةً بعلم الحديث روايةً، غيرَ أن هذه المباحث نشأت مع علم الحديث روايةً ودُوِّنت معه. ولما دوِّنت السنة المطهرة بأمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز   رضي الله عنه   على رأس المائة الثانية، جُمعت السنة في الحجاز، والشام، ومصر، والعراق، واليمن،… وغير ذلك، واختلف العلماء في كيفية جمعها، وصورة تأليفها، وانتقائها، وترتيبها، وكان لكل طبقةٍ ترتيب خاص، ووجد في بعض هذه المصنفات حكمٌ على بعض الأحاديث، وقولٌ في علل المعلول، ونقدٌ لبعض الرواة، وجمع في تلك المصنفات أقوال العلماء في الإسناد، كما جمع ما بها من اصطلاحات المتقدمين فيما يتعلق بالأسانيد والمتون، وجمع معها ما دار بين العلماء في مجالسهم ومناظراتهم.

وتعددت أنواع علم أصول الحديث حتى إنه نُقل عن ابن الملقن: إن أنواعه تزيد على المائتين. وبلغ أبو حاتم ابن حبان في تقسيم الضعيف منه خمسين قسمًا إلا واحدًا.

وابتدأ ذلك التدوينُ في أبواب وبعض أنواع منه أثناء المائة الثالثة، فلما كانت المائة الرابعة -وفيها نضجت العلوم، واستقر الاصطلاح- قام القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، الْمُتَوَفَّى في سنة ستين وثلاثمائة من الهجرة، بتأليف كتابه (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي). فجمع في ذلك الكتاب كثيرًا من أنواع علم الحديث درايةًَ.

ثم جاء بعد الرامهرمزي، الحاكم أبو عبد الله النيسابوري صاحب (المستدرك) الْمُتَوَفَّى في سنة خمسة وأربعمائة من الهجرة، فألَّفَ كتابه (معرفة علوم الحديث) وذكر فيه خمسين نوعًا، ولم يستوعب ولم يُهذب كما قال ابن حجر.

ثم جاء أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، الْمُتَوَفَّى في سنة ثلاثين وأربعمائة من الهجرة، فعمل على كتاب الحاكم مستخرجًا، وأبقى أشياءَ للمتعقب.

ثم جاء بعدهم الخطيب البغدادي أبو بكر أحمد بن علي الْمُتَوَفَّى في سنة ثلاثة وستين وأربعمائة من الهجرة، فصنف في قوانين الرواية كتابًا أسماه (الكفاية في قوانين الرواية). وصنف في آداب الرواية كتابه (الجامع لآداب الشيخ والسامع). وقلَّ فنٌّ من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابًا مفردًا، فكان -كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة- كُلُّ مَن أنصفَ عَلِمَ أن المحدثين بعد الخطيب عِيالٌ على كُتُبِه.

وبعد كل هؤلاء وغيرهم، جاء أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح، الْمُتَوَفَّى في سنة ثلاث وأربعين وستمائة من الهجرة، فصنف كتابه (علوم الحديث) المشتهر بـ(مقدمة ابن الصلاح) لَمَّا تولَّ تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية، وجمع فيه ما تفرق في غيره من كتب الخطيب وغيره، وذكر فيه خمسةً وستينَ نوعًا، وأملاه شيئًا بعد شيء، ولهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب، ولكثرة جمعه وتحريره، انتشر واشتهر، فعكَفَ عليه العلماء بالدرس والاختصار، والشرح والنظم، والمعارضة والانتصار، وأصبح العمدةَ لِمَنْ جاء بعدَه.

جهود العلماء حول (مقدمة ابن الصلاح):

عَكَفَ العلماء على (مقدمة ابن الصلاح) بين شارح وناظم ومختصر، فشرح (مقدمة ابن الصلاح) الحافظ العراقي، الْمُتَوَفَّى في سنة ثمان وسبعمائة من الهجرة في كتابه (التقييد والإيضاح لِمَا أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح) وشرحها الحافظ أحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني، الْمُتَوَفَّى في سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة من الهجرة في كتابه (الإفصاح عن نُكت ابن الصلاح). واختصرها الإمام أبو زكريا يحيي بن شرف النووي الْمُتَوَفَّى في سنة ست وسبعين وستمائة من الهجرة في كتابه (الإرشاد) ثم اختصر (الإرشاد) في كتابه (التقريب).

وقام بشرح (التقريب) للإمام النووي الإمامُ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، الْمُتَوَفَّى في سنة إحدى عشر وتسعمائة من الهجرة في كتابه (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي) واختصرها بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الْمُتَوَفَّى سنة ثلاثة وثلاثين وسبعمائة من الهجرة في كتابه (المنهل الروي في الحديث النبوي). وشرح كتاب (المنهل الروي) عز الدين محمد بن أبي بكر بن جماعة، الْمُتَوَفَّى في سنة تسع عشرة وثمانمائة من الهجرة في كتابه (المنهج السوي في شرح المنهل الروي). وصاحب هذا الشرح هو سبط محمد بن إبراهيم بن جماعة. كما اختصر (مقدمة ابن الصلاح) الحافظ إسماعيل بن كثير الشافعي الْمُتَوَفَّى في سنة أربع وسبعين وسبعمائة من الهجرة في كتابه (اختصار علوم الحديث) والمطبوع بعنوان (الباعث الحثيث). وقام بشرح (الباعث الحثيث) لابن كثير العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في كتابه (الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث).

ونظم كتاب ابن الصلاح الحافظ العراقي عبد الرحمن بن الحسين، الْمُتَوَفَّى في سنة ست وثمانمائة من الهجرة في ألفيته (نظم الدرر في علم الأثر). وزاد في ألفيته على كتاب ابن الصلاح وشرحها بشرحين مطول ومختصر، والمختصر طُبع باسم (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) للحافظ العراقي، كما شرح (ألفية العراقي) الإمام شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي الْمُتَوَفَّى في سنة اثنتين وتسعمائة في كتابه (فتح المغيث في شرح ألفية الحديث) وهو أوفى شرحٍ لها، كما شرحها الشيخ زكريا الأنصاري الْمُتَوَفَّى في سنة ثمان وعشرين وتسعمائة من الهجرة في كتابه (فتح الباقي بشرح ألفية العراقي).

وللحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي ألفية عارَضَ بها ألفية الحافظ العراقي، جمع فيها زيادات كثيرة عليها، ونظمها في خمسة أيام كما ذكره في آخرها، وهي أجمع منظومة في علم المصطلح، وشرحها الحافظ السيوطي في كتابه (البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر). غير أنه لم يتمه، وشرحها محمد محفوظ بن عبد الله في شرحٍ أتمَّ تأليفَه في سنة تسعة وعشرين وثلاثمائة وألف بمكة المكرمة، وسماه (منهج ذوي النظر في شرح منظومة علم الأثر).

ومن الكتب الجامعة المحررة كتاب (تنقيح الأنظار) لمحمد بن إبراهيم المعروف بابن الوزير، الْمُتَوَفَّى في سنة أربعين وثمانمائة من الهجرة.

ومن أنفع الكتب المختصرة في هذا العلم (نُخبة الفِكَرِ في مصطلح أهل الأثر) للحافظ ابن حجر العسقلاني، وقد شرحها ابن حجر في كتابه (نزهة النظر)، كما شرح (نخبة الفكر) لابن حجر الشيخُ عبد الرءوف المناوي الْمُتَوَفَّى في سنة إحدى وثلاثين وألف من الهجرة في كتابه (اليواقيت والدرر في شرح نخبة الأثر)، كما شرحها الأمير الصنعاني صاحب (سبل السلام) الْمُتَوَفَّى في سنة اثنين وثمانين ومائة وألف من الهجرة في كتابه (توضيح الأفكار).

إلى غير ذلك من الكتب والشروح التي ألفت في علم الحديث درايةً، أو في علم مصطلح الحديث قديمًا وحديثًا، والتي أمسكنا عن ذكرها؛ خَشيةَ الإطالةَ.

error: النص محمي !!