Top
Image Alt

نتائج النصر في بدر

  /  نتائج النصر في بدر

نتائج النصر في بدر

كانت لهؤلاء الذين لم يقبلوا أمر النصر العظيم ردود أفعال معادية للإسلام على المستوى الفردي والمستوى الجماعي، فقد اغتم مشركو المدينة الذين كانوا لا يزالون على شركهم، وكذلك اليهود والذين أظهروا عداءهم للنبي صلى الله عليه  وسلم، وخاصة يهود بني قينقاع، كما كان هناك بعض اليهود الفرادى مثل كعب بن الأشرف وأبي عفك، الذين كان لهم رد فعلٍ في هذا الأمر.

فلما سمع كعبُ بن الأشرف نَبَأَ النصر من المُبَشِّرَيْنِ الذيْن أرسلهما النبي صلى الله عليه  وسلم، قال: لئن كان حقًّا ما يقول هذان الرجلان لبطن الأرض خير من ظهرها، ثم إنه لما تيقن له ذلك خرج حتى أتى مكة ونزل على عبد المطلب بن أبي وداعة، وعمل على أن يحرض قريشًا ويَنْعَى من قُتل من رجالها.

وها هو كعبٌ يناقض ما اجتمعت عليه كلمة اليهود في الصحيفة، وعندما رجع إلى المدينة أخذ يشبب بنساء المسلمين، ويحرض على النبي صلى الله عليه  وسلم وممن نالهم بشعره بالأذى أم الفضل زوج العباس عم النبي صلى الله عليه  وسلم التي قال فيها شعرًا مقذعًا.

وكان لا بد لكي يردع أمثال هؤلاء أن يدعوا النبي صلى الله عليه  وسلم لمن يُوقف هذا الإنسان عند حده، فدعا لذلك سعد بن معاذ الذي وجه محمد بن مسلمة ليقوم لقتل هذا الرجل الذي خالف واستحق أن يجازى هذا الجزاء، فكان قتله على يد جماعة مسلمة خرجت لهذه المهمة هذا مثلٌ من الأمثلة الفردية التي ظهر منها العداء للنبي صلى الله عليه  وسلم.

وكذلك فعلت امرأة اسمها عصماء بنت مروان، وقد قالت شعرًا هي الأخرى تحرض فيه على النبي صلى الله عليه  وسلم وتقول:

أطعتم أتاوي من غيركم

*فلا من مراد ولا مزحة

ترجونه بعد قتل الرءوس

*كما يرجى مرق المنضج

والأتاوي: الغريب تقول أطعتم رجلًا غريبًا تقصد به النبي صلى الله عليه  وسلم، فانبرى لها رجل مسلم هو عمير بن عدي بن خَرشة من قومها من بني خطمة لما بلغه هذا القول، قال: اللهم إن لك علي نذرًا لئن رددت رسول الله صلى الله عليه  وسلم إلى المدينة لأقتلنها وكان النبي صلى الله عليه  وسلم لا يزال في بدر لم يرجع بعد، فلما رجع صلى الله عليه  وسلم من بدرٍ جاءها عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها فقتلها بسيفه وهي بين بنيها في فراشها، فلما أصبح وخرج يُصلي مع النبي صلى الله عليه  وسلم صلاة الصبح نظر إليه النبي صلى الله عليه  وسلم وقال له: أقتلت بنت مروان قال: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله وخشي عمير أن يكون قد افتات على النبي صلى الله عليه  وسلم بقتلها، ولكن النبي صلى الله عليه  وسلم قال قولًا علم منه عمير رضا رسول الله صلى الله عليه  وسلم بما فعل بهذه المرأة التي أعلنت بالعداء للنبي صلى الله عليه  وسلم وللإسلام وللمسلمين.

كذلك رجل يهودي وهو أبو عفك، وقد كان من الذين ظهر عداؤهم للإسلام واضحًا وكان شيخًا كبيرًا في السن، وقد قال هذا الرجل شعرًا يحرض فيه كذلك على الإسلام والمسلمين يقول:

قد عشت وما إن أرى

*من الناس دارًا ولا مجمع

أجم عقولًا وآتى إلى

*منيب سراعًا إذا ما دعا

فسلبهم أمرهم راكب

*حرامًا حلالًا لشتى معا

يعرّض بذلك باتباع المسلمين من أهل المدينة للنبي صلى الله عليه  وسلم، ولذلك انبرى له رجل مسلم هو سالم بن عمرو بن بني النجار وقال: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه، فترقب هذا الرجل المسلم فرصةً من هذا الرجل حتى قتله في ليلة صائفة، فكان ذلك جزاء وفاقًا لذلك الرجل الذي عادى رسول الله والإسلام والمسلمين.

كان هذا هو العداء للإسلام على المستوى الفردي داخل المدينة، أما العداء الجماعي فتمثل فيما قام به بنو قينقاع، وهم أول يهود غدروا بعهدهم مع النبي صلى الله عليه  وسلم، فلما علم بهم النبي صلى الله عليه  وسلم ونزل جبريلعليه السلام يقول: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين} [الأنفال: 58]، قال النبيُّ صلى الله عليه  وسلم: “فأنا أخاف بني قينقاع” وكان هؤلاء اليهود أشجع اليهود، وكانوا أول من غدر وخالف ما عاهدوا رسول الله صلى الله عليه  وسلم عليه في أمر الموادعة التي وادعوه فيها ليعيشوا في المدينة مع المسلمين، فذهب إليهم ووعظهم وقال لهم: احذروا معشر يهود أن ينزل بكم ما نزل بقريش، فقالوا: يا محمد تظن أنَّا كقومك، لا يغرنك أنك لقيت رجالًا لا بصر لهم بالحرب، فإنك إذا لقيتنا سوف تعلم أنَّا نحن الناس.

كان هذا الكلام بعد أن وعظهم النبي صلى الله عليه  وسلم وذكرهم ونزل في هذا القرآن العظيم: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَاد قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَار} [آل عمران: 12-13]، وهنا لمَّا علم النبي صلى الله عليه  وسلم هذا الأمر من أمرهم، نبذ إليهم على سواء.

وكان من الأمر الذي دفع إلى خروج النبي صلى الله عليه  وسلم إليهم بعد نحو شهر من غزوة بدر، وكان ذلك في النصف من شوال من السنة الثانية للهجرة: أن امرأة من المسلمين جاءت إلى سوق بني قينقاع بجلب لها فباعته، ثم جلست إلى صائغ يهودي من بني قينقاع تشتري منه بعض الأشياء، فراودوها عن كشف وجهها حتى يكلموها، ولكنها أبت فعمد الصائغ إلى أن يطلب من رجل منهم أن يعقد طرف ثوبها إلى نطاقها فشكه بشوكة فجمع طرف ثوبها إلى نطاقها، فلما قامت المرأة انكشفت سوءتها فصرخت واستجارت بمن يقف بجانبها من المسلمين، وهنا رآها شاب مسلم، فضرب اليهودي بسيفه فقتله، فاجتمعت اليهود على هذا المسلم فقتلوه.

وهنا توجه النبي صلى الله عليه  وسلم إلى بني قينقاع وحاصرهم، وعمل على أن يقاتلهم فلما اشتد الحصار عليهم وألقى الله في قلوبهم الرعب، نزلوا على حكم النبي صلى الله عليه  وسلم فأمر بهم فرُبطوا وكانوا يكتفون كتافًا، واستعمل النبي صلى الله عليه  وسلم على كتافهم المنذر بن قدامة السالمي.

error: النص محمي !!