Top
Image Alt

نتائج الهجرة

  /  نتائج الهجرة

نتائج الهجرة

لقد تكوّنت الدولة الإسلامية بعد الهجرة النبوية، وأنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤسسات العسكرية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية، وأنجز أمورًا لم تكن لتتمَّ إلا بعد الهجرة وبناء الدولة.

أولًا: التكافل الاجتماعي:

لقد آخَى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين؛ من مهاجرين وأنصار، وتقاسموا الأموال والديار، وقدَّم أصحاب الأموال أموالهم لإخوانهم؛ ابتغاء مرضاة الله وثوابه، وبناء على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم تآخوا أخوين أخوين، ولقد وصف الله هذا التكافل بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [الحشر: 9].

ولقد روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في (صحيحه)، بإسناده إلى إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: ((لمَّا قدِموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمِّها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها تزوجتها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين السوق؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلّا ومعه فضل من أقط وسمن)).

ما يؤخذ من هذا:

  1. فضيلة الإيثار، وقد كانت هذه خصلة عند أهل المدينة، قد امتدحهم الله بها، وهذا تشجيع لكل مؤمن أن يؤثر أخاه ولو على نفسه، في أيّ مغنم من مغانم الدنيا.
  2. إنَّ عبد الله بن عوف عفَّ عن مشاركة سعد بن الربيع في ماله، ولم يرضَ أن يكون عيلة على غيره، بل بادر من أول يوم يعمل ويكتسب بيده.
  3. ويؤخَذ من هذا أنَّ عبد الرحمن بن عوف كان ناجحًا في تجارته، وممن عناهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ((التاجر الصدوق الأمين يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء)).
  4. ويفهم أيضًا أنَّ التجارة باب من أبواب الرزق والكسب الحلال.

ثانيًا: تنظيم شعب الدولة الإسلامية:

لقد وحَّد الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته بين سكان المدينة من الأنصار والمهاجرين واليهود، فكتب كتابًا ينظم شعب المدينة، ويقرّر الحقوق والواجبات لكلٍّ من فئات الشعب، فهو رئيس الدولة، وهو الحاكم لهذه الدولة، ويجب أن تخضع له كل الفئات، ويلتزم أوامره في الداخل والخارج.

ثالثًا: بناء الاقتصاد الإسلامي:

لقد حلَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فوجد اليهود مسيطرين على الاقتصاد المدني، وسوق بني قينقاع هي السوق المقصودة والمعتمدة عند الناس، على الرغم من تحكُّم اليهود في الناس، واحتكار السلع، واستغلال حاجة الناس، إزاء هذا الوضع قرَّر الرسول صلى الله عليه وسلم تصويب الوضع، وإقامة سوق إسلامية في التعامل، إسلامية في الإدارة، إسلامية في كل شيء، وقد أقامها بالفعل، فأقبل الناس على هذه السوق، وهجروا سوق يهود بني قينقاع.

رابعًا: تكوين القوة العسكرية المعاصرة:

إنَّ الإسلام قرّر إعلان الحرب على أعداء هذا الدين، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} [الأنفال: 39]، ومن ثَمَّ فالصراع المسلّح قائم بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، ومعسكر الكفر سيشحذ كل طاقاته وإمكاناته في هذا الصراع، فما على أهل الإيمان إلّا الاستعداد والإعداد والتخطيط.

ولقد اهتمَّ الرسول صلى الله عليه وسلم من أول يوم ببناء جيش قوي، يكون حارسًا للدولة الإسلامية، وحاميًا للدعاة في الخارج، وكاسرًا لشوكة الأعداء المحاربين، وهذا يتطلب جيشًا معاصرًا، فقد استوعب كل قضايا عصره؛ من حيث التخطيط والتدريب والتسليح، ولهذا لم يكتفِ الرسول صلى الله عليه وسلم بما عند العرب من أسلحة، بل بعث نفرًا من المسلمين ليتعلّموا صناعة الدبابات إلى جرش في اليمن، وكانت اليمن يوم ذاك خاضعة لحكم الفرس، وكانت دولة الفرس متطورة في أسلحتها، وقد مهَر من ذَهَب إلى اليمن في صناعة الدبابات والمنجنيق، فصنعها المسلمون واستخدموها في حصار الطائف، كما تروي كتب السيرة.

خامسًا: إنشاء المؤسسات التربوية “المساجد”:

إن كتب السيرة النبوية تروي لنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اهتمَّ بالمؤسسات التربوية، وهي المساجد، وقبل أن يصل إلى المدينة قد أقام في قباء مسجدًا، سمِّي مسجد قباء، وهو أوّل مسجد في الإسلام، صلى فيه أيامًا، ثم سار بعد ذلك، فأدركته الصلاة يوم الجمعة عند بني سالم بن عوف، فبنى عندهم مسجدًا، وصلى فيه بهم الجمعة، وكانت أول جمعة في المدينة، واشترى الأرض من وليّها، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بنبش قبور المشركين التي فيها -أي: في المدينة- وقطع نخيلها، ونقِلَت عظام الموتى، ثم بنى مسجده، وهو المسجد النبوي اليوم، والصلاة فيه بألف صلاة.

وحديث بناء المسجد في أرض الغلامين اليتيمين رواه الإمام البخاري في (صحيحه).

وكان المسجد منبر إعلام وإشعاع فكري بالنسبة للمسلمين، يجتمعون فيه للبحث في قضاياهم العامّة، يتعارفون فيه، يتكاتفون ويتكافلون، ويتزاورون ويتحابون، ويحدثهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن قضاياهم، ويقدم لهم الحلول، وكان يحدثهم عن أحوال الغزوات أحيانًا، كما حدث في سرية مؤتة؛ إذ أخبر المسلمين بمجريات الأمور أثناء وقوع الغزوة، بعد أن جمعهم في المسجد، فقال صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي، إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو، فأصيب زيد بن حارثة شهيدًا، فاستغفروا له، فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فشدَّ على القوم حتى قُتِل شهيدًا، اشهدوا له بالشهادة، فاستغفروا له، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى أصيب، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، فرفع الرسول صلى الله عليه وسلم أصبعيه قال: اللهم هو سيف من سيوفك، فانصره)).

وكان المسجد مركز تجمُّع للجيوش الإسلامية، ومركز انطلاق كذلك، تنطلق منه الجيوش بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بتوجيهاته وتوصياته: ((اغزُ باسم الله، وعلى بركة الله))، يحدّد أهداف السرايا والبعوث، ويدعو إلى آداب الإسلام في القتال.

وكان المسجد مقرًّا للشورى، يستشير الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين فيه، فهو بمثابة مجلس الأمة، تُعرض فيه قضاياها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويفكر المسلمون وأهل الحل والعقد خاصّة بإيجاد الحلول المناسبة لتلك القضايا، في جوٍّ من الحرية في التفكير.

error: النص محمي !!