Top
Image Alt

نتائج صلح الحديبية، وأمر أبي بصير واستفحال خطره

  /  نتائج صلح الحديبية، وأمر أبي بصير واستفحال خطره

نتائج صلح الحديبية، وأمر أبي بصير واستفحال خطره

نزلت سورة الفتح، وكان هذا الصلح المبارك فاتحة خير على الإسلام والمسلمين، رغم تشدد قريش عند كتابته، وعند تنفيذ شروطه، وما بدا من النبي صلى الله عليه  وسلم من تسامح وتساهل حتى تم هذا الصلح العظيم الذي اعتبر فتحًا من الله عز وجل؛ لأنه ترتب عليه الفتح الأكبر بعد ذلك:

  1. فتح الأبواب التي كانت مغلقة أمام دعوة الإسلام.
  2. اعتراف قريش -لأول مرة- بقوة المسلمين والعمل على  مفاوضتهم في أمس الأمور.
  3. أتاح هذا الصلح العظيم لكل مَن كان يتخفى بإسلامه، أو يخشى من قريش أن تعرف إسلامه ووده لمحمد صلى الله عليه  وسلم مثل خزاعة- سعةً من أمره؛ ولذلك في علانية أقبلت خزاعة على التحالف مع النبي صلى الله عليه  وسلم وأن تدخل في حزبه وحلفه، وهذا من أعظم الأمور التي ترتبت على هذا الصلح العظيم.
  4. أتاح هذا الصلح فرصة لكل ذي عقل أن يتعرف على الإسلام عن قرب، فكان ذلك سببًا في إسلام كثيرين.
  5. ساعد هذا الصلح على إشاعة دعوة الإسلام والتفرغ لتبليغها، فقام النبي صلى الله عليه  وسلم بإرسال الرسل يحملون كتب الدعوة إلى الملوك والأباطرة والأمراء، فخرجت الدعوة خارج الجزيرة العربية.

وقد دل ما تم بعد ذلك على بالغ حكمة الرسول صلى الله عليه  وسلم في تساهله مع قريش عند عقد الصلح.

فقد جاء رجل من المسلمين ممن كانوا بمكة، وهو أبو بصير- عتبة بن أسيد حليف بني زهرة- الذي أقبل مسلمًا على النبي صلى الله عليه  وسلم، ولم يلبث عند النبي صلى الله عليه  وسلم حتى بعثت بنو زهرة في طلبه، فكتبوا كتابًا ذكروا فيه الصلح الذي بينهم وبين رسول الله، وبعثوا به خنيس بن جابر من بني عامر ومعه مولى لهم، وطلبوا أن يرد إليهم أبا بصير، فخرج العامري هذا ووصل إلى النبي صلى الله عليه  وسلم بعد ثلاثة أيام من مقدم أبي بصير، ولما قرئ الكتاب على النبي صلى الله عليه  وسلم فإذا فيه: “قد عرفت ما شارطناك عليه من رد مَن قدِمَ عليك من أصحابنا، فابعث إلينا بصاحبنا”.

فأمر النبي صلى الله عليه  وسلم أبا بصير أن يرجع معهم ودفعه إليهما، فقال: يا رسول الله، تردني إلى المشركين يفتونني في ديني؟، فقال: ((يا أبا بصير، إنَّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله تعالى جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجًا ومخرجًا))، فقال له الرسول صلى الله عليه  وسلم أن يصبر ويتجلد، والتزم أبو بصير بأمر رسول الله صلى الله عليه  وسلم وخرج مع الرجلين حتى وصل إلى ذي الحليفة عند الظهر، فصلى الظهر وجلس مع الرجلين ليأكلا، ثم إنه رأى سيف العامري وقد علقه في الجدار وتحادثَا معًا، ونظر أبو بصير إلى السيف الذي علقه العامري في الجدار، فقال: أصارم سيفك هذا؟، قال: نعم، قال: ناولنيه أنظر إليه إن شئتَ، فناوله إياه، فلما قبض عليه أبو بصير ضربه به، فقتله، وهنا فَرَّ الرجل الثاني مسرعًا ولم يكن له ملجأ يأمن فيه من أبي بصير إلا رسول الله صلى الله عليه  وسلم ولذلك أخذ يعدو حتى دخل المسجد عند العصر والرسول صلى الله عليه  وسلم جالس مع أصحابه، فلما رآه النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((لقد رأى هذا الرجل ذعرًا))، ولما انتهى إليه صلى الله عليه  وسلم قال: ((ويحك ما لك؟))، قال: قتل والله صاحبكم صاحبي، وأفلتُّ منه ولم أكد، واستغاث برسول الله صلى الله عليه  وسلم فأمنه.

وهنا أقبل أبو بصير ودخل متوشحًا السيف، فقال: يا رسول الله، قد وفت والله ذمتك، وأدى الله عنك وقد أسلمتني بيد العدو، وقد امتنعت بديني من أن أفتن، فقال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((ويل أمه مسعر حرب -وفي لفظ: ((محش حرب))  أي: مسعر حرب ومهيجهأ. لو كان معه رجال))، وقدم أبو بصير بسلب العامري لرسول الله صلى الله عليه  وسلم ولكنه صلى الله عليه  وسلم لم يقبله منه، وقال له: ((شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئتَ)).

وهنا لما قال النبي صلى الله عليه  وسلم لأبي بصير هذا الكلام، عرف أنه سيرده، فخرج متجهًا إلى ناحية الساحل إلى ناحية سيفِ البحر، ولما بلغ سهيلًا بن عمرو قتلُ أبي بصير العامري، اشتد عليه ذلك، وقال: ما صالحنا محمدًا على هذا، فقالت قريش له: قد برئ محمد منه.

لما بلغ المسلمين الذين حُبِسُوا بمكة -وهم كثير- أمر أبي بصير، تسلل كثيرون منهم من مكة متجهين مباشرةً إليه، ولم يذهبوا إلى المدينة؛ لأنهم كانوا يعلمون أن النبي صلى الله عليه  وسلم سوف يردهم.

وكان هذا الجمع الذي تمالأ واجتمع على طريق قريش وعيرها يُروعون قريشًا؛ حيث كانوا يترصدون كل قافلة تمر عليهم ذاهبةًً أو عائدةً يقتلون مَن فيها ويحوزون القوافل وهؤلاء ليس لهم مَن يتحكم في سلوكهم، إنما هم أمراء أنفسهم لا سلطان بنص البيعة عليهم لأحد؛ ولذلك لما لم تجد قريش ثمرة الهدنة بأبي بصير ومن لجأ إليه، فبعثت تناشد رسولَ الله صلى الله عليه  وسلم وترجوه ألا يرد من جاءه من مكة مسلمًا، وتنازلت هي طواعيةً وراغمةً عن الشرط الذي تشدد وتعنت فيه سهيل بن عمرو كما رأينا.

هنا، كتب رسول الله صلى الله عليه  وسلم إلى أبي بصير وأبي جندل بن سهيل بن عمرو ، يأمرهما أن يقدِمَا عليه، ويأمر مَن معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، فلا يتعرضوا لأحد مر بهم من قريش وعيراتها، وقد وصل كتاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم وأبو بصير يجود بنفسه، فقد أدركه الكتاب عند موته، فجعل يقرأه ومات وهو في يديه، فدفنه أبو جندل مكانه، وقدم على رسول الله صلى الله عليه  وسلم ومعه ناس من أصحابه، ورجع سائرهم الذين كانوا من غير مكة إلى أهليهم، وأمِنت بعد ذلك عيرُ قريش لتفضُّلِ رسول الله صلى الله عليه  وسلم وَأَمْرِه المسلمينَ الذين تعرضوا لقريش وعيرها على طريق الساحل.

وهكذا عرفت قريش أن محمدًا صلى الله عليه  وسلم هو ملاذهم –بعد الله عز وجل في حل أمثال هذه المشكلات المعضلة.

وظهرت حكمة رسول الله صلى الله عليه  وسلم التي ظهرت منه عند الصلح، حكمة التسامح الذي بَدَا منه صلى الله عليه  وسلم، فهو صلى الله عليه  وسلم الذي ما ينطق عن الهوى وما يفعل ولا يعمل إلا بأمر الله عز وجل إن هو إلا وحي يوحى.

error: النص محمي !!