Top
Image Alt

نجاة بني إسرائيل من فرعون وجنده ومنة الله بتنزيل التوراة

  /  نجاة بني إسرائيل من فرعون وجنده ومنة الله بتنزيل التوراة

نجاة بني إسرائيل من فرعون وجنده ومنة الله بتنزيل التوراة

أولًا: الله ينجي بني إسرائيل من فرعونَ وجندِه، ويغرقه وآله في البحر:

أقوال المفسِّرين:

يذكِّر الله تعالى بني إسرائيل، بسالف نِعَمه على آبائهم وأسلافهم، وما كان فضَّلهم به مِن إرسال الرّسل منهم، وإنزال الكتب عليهم، على سائر الأمم من أهل زمانهم، كما قال تعالى: {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىَ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}.

ويجب الحمل على هذا؛ لأنّ هذه الأمّة أفضل منهم، لقوله تعالى خطابًا لهذه الأمّة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ} [آل عمران:110].

وفي المسانيد والسّنن، عن معاوية بن حيدة القشيري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنتم تُوفُون سبعين أمّة، أنتم خيْرها وأكْرمها على الله)).

وقيل:إنهم فُضِّلوا على سائر الأمم لاشتمال أمّتهم على الأنبياء منهم؛ حكاه القرطبي في تفسيره، وفيه نظر، لأنّ {الْعَالَمِينَ}: عامّ يشمل مَن قبلهم ومَن بعدهم من الأنبياء؛ فإبراهيم الخليل قبْلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق وسيّد ولد آدم في الدنيا والآخرة صلى الله عليه وسلم.

ولمّا ذكّرهم تعالى بنِعَمه أولًا، عطف على ذلك: التحذير مِن حلول نِقمه بِهم يوم القيامة، فقال: {وَاتّقُواْ يَوْماً}، يعني:يوم القيامة، {لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً}، أي: لا يُغني أحد عن أحَد، كما قال: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ}. وقال: {لِكُلّ امْرِىءٍ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}، وقال: {يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} [لقمان:33]؛ فهذا أبلغ المقامات: أنّ كُلًا مِن الوالد وولده لا يغني أحدُهما عن الآخر شيئًا.

و{تَجْزِي} مِن: جَزى بمعنى: قضى، والمعنى: لا تقضي يوم القيامة نفسٌ عن نفس شيئًا ممّا وجب عليها، ولا تنوب عنها، ولا تحتمل ممّا أصابها، أو لا تقضي عنها شيئًا من الجزاء.

وقوله: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}، يعني: عن الكافرين، كما قال: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشّافِعِينَ}، وكما قال عن أهل النار: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ (100) وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء:100، 101].

وقوله: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}، أي: لا يُقبل منها فداء، كما قال: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَىَ بِهِ} [آل عمران:91]، وقال: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنّ لَهُمْ مّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة:36]، وقال تعالى: {وَإِن تَعْدِلْ كُلّ عَدْلٍ لاّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ} [الأنعام:70]، وقال: {فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الّذِينَ} [الحديد:15]. فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله، ويُتابعوه على ما بَعَثه به، ووافَوا الله يوم القيامة على ما هم عليه، فإنهم لا ينفعهم قرابة قريب، ولا شفاعةُ ذي جاه، ولا يُقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهبًا، كما قال تعالى: {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ}، وقال: {لاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ}.

وقوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}، أي: ولا أحد يغضب لهم، فينْصرهم وينقذهم من عذاب الله. كما تقدّم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة، ولا ذو جاه، ولا يُقبل منهم فداء، هذا كله من جانب التّلطّف، ولا لهم ناصر من أنفسهم ولا من غيرهم، كما قال: {فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ} [الطارق:10]، أي: أنه تعالى لا يقبل فيمن كفَر به فديةً، ولا شفاعةً، ولا يُنقذ أحدًا من عذابه منقذٌ، ولا يجيره منه أحد، كما قال: {وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} [المؤمنون:88].

ثم يقول تعالى: اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم، {وَإِذْ نَجّيْنَاكُم مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ}، أي: خلّصتكم منهم، وأنقذتكم من أيديهم، صحبة موسى عليه السلام وقد كانوا يسومونكم، أي: يوردونكم ويُذيقونكم ويولُونكم سوء العذاب.

وذلك أنّ فرعون -لعنه الله- كان قد رأى رؤيا هالتْه؛ رأى نارًا خرجت من بيت المقدس، فدخلت دور القبط ببلاد مصر، إلا بيوت بني إسرائيل؛ مضمونها: أن زوال مُلكه يكون على يديْ رجل من بني إسرائيل.

ويُقال: (بل) تحدّث سُمَّارُه عنده بأنّ بني إسرائيل يتوقّعون خروج رجُل منهم يكون لهم به دولة ورِفعة. وهكذا جاء في (حديث الفتون)، فعند ذلك أمَر فرعون -لعنه الله- بِقتل كلِّ ذكَر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل، وأنْ يُترك البنات. وأمَر باستعمال بني إسرائيل في مشاقّ الأعمال وأراذلها.

قوله: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ}: عطف على: {يُذَبّحُونَ}، أي: يستبْقون بناتِكم ويتركونهن حيّات، وقيل: يفتّشون في حيائهن، ينظرون هل بهن حمْل -والحياء: الفرْج، لأنه يُستحيا مِن كشْفه.

والنساء: جمع: “المرأة”، وفي (البحر): إنه جمْع تكسير لنسوة، وقيل: اسم جمْع وعلى القوليْن لم يُلفظ له بواحد مِن لفْظه، وهي في الأصل: البالغات دون الصغائر؛ فهي على الوجه الأوّل: مجاز، باعتبار الأوّل؛ للإشارة إلى أنّ استبقاءهن كان لأجل أن يصِرن نساء لخدمتهم، وعلى الثاني: فيه تغليب البالغات على الصغائر، وعلى الثالث: حقيقة، وقُدّم الذبح؛ لأنه أصعب الأمور وأشقّها عند الناس، وإن كان ذلك الاستحياء، أعظم مِن القتل لدى الغيور.

وها هنا فسّر العذاب بذبح الأبناء، وفي سورة “إبراهيم”، عطف عليه، كما قال: {يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ وَيُذَبّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ}.

وإنما قال ها هنا: {يُذَبّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} ليكون ذلك تفسيرًا للنِّعمة عليهم في قوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ}، ثم فسّره بهذا؛ لقوله هنا: {اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}. وأمّا في سورة “إبراهيم”، فلمّا قال: {وَذَكّرْهُمْ بِأَيّامِ اللّهِ}، أي:بأياديه ونِعَمه عليهم، فناسب أن يقول هناك: {يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ وَيُذَبّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} [إبراهيم:6]، فعطف عليه الذبح؛ ليدلّ على تعدّد النِّعم والأيادي على بني إسرائيل.

وقوله تعالى: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلآءٌ مّن رّبّكُمْ عَظِيمٌ}، قال ابن جرير: “وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إيّاكم ممّا كنتم فيه من عذاب آل فرعون: {بَلآءٌ} لَكُمْ {مّن رّبّكُمْ عَظِيمٌ}، أي: نعمة عظيمة عليكم في ذلك”.

وأصل البلاء: الاختبار، وقد يكون بالخير والشر، كما قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35]، وقال: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسّيّئَاتِ} [الأعراف:168].

وقيل: المراد بقوله: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلآءٌ}: إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المُهين مِن ذبْح الأبناء واستحياء النساء.

قال القرطبي: “وهذا قول جمهور الناس -ولفظه بعدما حكى القول الأوّل، ثم قال-: وقال الجمهور: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء ها هنا في الشّرّ، والمعنى: وفي الذبح مكروه وامتحان”.

قال الآلوسي:”وإذا نُسب إليه تعالى -أي: البلاء- تارة يكون بالمسارِّ ليشكروا، وتارة بالمضارِّ ليصبروا، وتارة بهما ليَرغبوا ويَرهبوا. فإن حملت الإشارة على المعنى الأوّل، فالمراد بالبلاء: المحنة، وإن على الثاني، فالمراد به: النعمة، وإن على الثالث، فالمراد به: القدْر المشترك، كالامتحان الشائع بينهما، ويرجّح الأول: التبادر، والثاني: أنه في معرض الامتنان، والثالث: لطفُ جمْع الترغيب والترهيب”.

ثانيا: ذكر مِنة الله، بوعده لموسى أربعين ليلةً؛ لينزل عليه التوراة:

أقوال المفسّرين:

قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}، معناه: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، وخرجتم مع موسى عليه السلام خرج فرعون في طلبكم، ففرقنا بكم البحر. كما أخبر تعالى عن ذلك مفصّلًا، كما في سورة “الشعراء”.

{فَأَنجَيْنَاكُمْ}، أي:خلّصناكم منهم، وحجزنا بينكم وبينهم، وأغرقناهم وأنتم تنظرون، ليكون ذلك أشفَى لصدوركم، وأبلغَ في إهانة عدوِّكم.

قال الآلوسي: “وقد حكَوْا في كيفية خروج بني إسرائيل وتعنّتهم وهم في البحر، وفي كيفية خروج فرعون بجنوده، وفي مقدار الطائفتيْن حكايات مطوّلة جدًّا، لم يدلّ القرآن ولا الحديث الصحيح عليها -والله تعالى أعلم بشأنها”. يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لمّا عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه، عند انقضاء أمد المواعدة -وكانت أربعين يومًا- وهي مذكورة في قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىَ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف:142]، قيل: إنها ذو القعدة بكماله، وعشْر من ذي الحجة؛ وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون، وإنجائهم من البحر.

error: النص محمي !!