Top
Image Alt

نذر المشي إلى بيت الله أو مسجد المدينة أو المسجد الأقصى، ومن نَذَرَ أن ينحر ابنه في مقام إبراهيم، ومن نَذَرَ أن يجعل ماله كله في سبيل الله

  /  نذر المشي إلى بيت الله أو مسجد المدينة أو المسجد الأقصى، ومن نَذَرَ أن ينحر ابنه في مقام إبراهيم، ومن نَذَرَ أن يجعل ماله كله في سبيل الله

نذر المشي إلى بيت الله أو مسجد المدينة أو المسجد الأقصى، ومن نَذَرَ أن ينحر ابنه في مقام إبراهيم، ومن نَذَرَ أن يجعل ماله كله في سبيل الله

المسألة الثانية: نذر المشي إلى بيت الله:

يقول ابن رشد: اتفقوا على لزوم النذر بالمشي إلى بيت الله، يعني: إذا نذر شخص المشي إلى بيت الله راجلًا، واختلفوا إذا عجز في بعض الطريق، فقال قوم: يركب ولا شيء عليه، وقال قوم: عليه -يعني: كفارة يمين- إذن من نذر المشي إلى بيت الله تعالى هناك اتفاق على لزوم النذر؛ لأن اللفظ واضح، والنص واضح، والمنذور واضح وهو المشي إلى بيت الله؛ فعليه أن يذهب للحج راجلًا على قدميه، ما الحكم إذا عجز في بعض الطريق؟ قال قوم: لا شيء عليه، وقال قوم: عليه كفارة. واختلفوا في ماذا عليه على ثلاثة أقوال: فذهب أهل المدينة إلى أن عليه أن يمشي مرة أخرى من حيث عجز وإن شاء ركب وأجزأه وعليه دم، وهذا مروي عن علي.

إذن قال قوم: لا شيء عليه، وقال قوم: بل عليه، واختلفوا فيما عليه، القول الأول: أن عليه أن يمشي مرة أخرى في عام قادم وإن شاء ركب من مكان العجز وأجزأه الركوب؛ لكن عليه دم وهذا مروي عن علي، وقال أهل مكة: عليه هدي دون إعادة مشي يكمل الطريق راكبًا ويهدي، وقال مالك: عليه الأمران جميعًا يمشي ويهدي -يعني: أنه يرجع؛ فيمشي من حيث وجب وعليه هدي- والهدي عنده -عند مالك- بدنة أو بقرة أو شاة إن لم يجد بقرة أو بدنة.

وسبب اختلاف العلماء على هذا النحو يقول فيه ابن رشد: سبب اختلافهم: منازعة الفصول لهذه المسألة ومخالفة الأثر لها كيف ذلك؟ يقول: ذلك أن من شبه العاجز إذا مشى مرة ثانية بالمتمتع والقارن من أجل أن القارن فعل ما كان عليه في سفرين في سفر واحد، وهذا فعل ما كان عليه في سفر واحد في سفرين قال: يجب عليه هدي القارن أو المتمتع، ومن شبهه بسائر الأفعال التي تنوب عنها في الحج إراقة الدم قال: فيه دم فقط، ومن أخذ بالآثار الواردة في هذا الباب قال: إذا عجز فلا شيء عليه: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] قال أبو عمر: والسنن الواردة الثابتة في هذا الباب دليل على طرح المشقة كالآيات التي استشهدنا بها، وهو كما قال: يؤيد ابن رشد ما قاله أبو عمر من أنه من عجز عن المشي الذي نذره إلى بيت الله لا شيء عليه.

قال ابن رشد مؤكدًا كلام أبي عمر بن عبد البر: إن هناك سننًا واردة ثابتة في هذا الباب ترفع المشقة عن المسلم الذي نذر المشي ثم عجز:

أحدها: حديث عقبة بن عامر الجهني قال: ((نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله عز وجل فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت لها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لتمشِ ولتركب)) خرجه مسلم، يعني: هي بالخيار، وحديث أنس بن مالك: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يهادى بين ابنتيه فسأل عنه فقالوا: نذر أن يمشي، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه وأمره أن يركب)) وهذا أيضًا ثابت عند الجماعة.

المسألة الثالثة: من نذر المشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى:

أشار لها الخطيب الشربيني بأنه لا يجب الوفاء بذلك: لو نذر المشي أو الإتيان لبيت المقدس أو المدينة الشريفة؛ لم يلزمه ذلك ويلغو نذره؛ لأنه مسجد لا يجب قصده بالنسك -أي: الحج والعمرة- فلم يجب إتيانه بالنذر.

يقول ابن رشد: على مَن نذر المشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة أو المسجد الأقصى في القدس اختلفوا -أي: العلماء- بعد اتفاقهم على لزوم المشي بالنسبة للبيت الحرام بحج أو عمرة إلا أحمد؛ فعنده روايتان، اختلفوا فيمن نذر أن يمشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى بيت المقدس يريد بذلك الصلاة فيهما، فقال مالك والشافعي وأحمد: يلزمه المشي -على عكس ما عند الخطيب الشربيني: أنه يلغو نذره ولا يلزمه المشي.

يقول ابن رشد: قال مالك والشافعي وأحمد: يلزمه المشي، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه شيء لعدم انعقاد نذره، وحيث صلى أجزأه، وكذلك عنده إن نذر الصلاة في المسجد الحرام، وإنما وجب عنده المشي بالنذر إلى المسجد الحرام لمكان الحج والعمرة، وقال صاحبه أبو يوسف: من نذر أن يصلي في بيت المقدس أو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لزمه وإن صلى في البيت الحرام أجزأه عن ذلك؛ لأنه أخذ بالأعظم والأفضل حيث الركعة في المسجد الحرام بمائة ألف ركعة وفي المسجد النبوي بألف ركعة وفي المسجد الأقصى بخمسمائة ركعة، فإذا أتى بالأعلى كان محققًا للأدنى من باب أولى، وأكثر الناس على أن النذر لما سوى هذه المساجد الثلاثة لا يلزم لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسرج المطي إلا لثلاث؛ فذكر المسجد الحرام، ومسجده صلى الله عليه وسلم وبيت المقدس)) والرواية واللفظ: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) وذهب بعض الناس إلى أن النذر إلى المساجد التي يُرجى فيها فضل زائد واجب، واحتج في ذلك بفتوى ابن عباس لولد المرأة التي نذرت أن تمشي إلى مسجد قباء فماتت قال لابنها أو أمر ابنها أن يمشي عنها يعني: رأى أن الوفاء واجب… أقوال.

ومن الأقوال ما يقول: إن المشي إلى المسجد الحرام يغني عن ذلك، وسبب اختلافهم في النذر إلى ما عدا المسجد الحرام: اختلافهم في المعنى الذي إليه تسرج المطي -توضع عليها السُّرُج التي يتم الركوب عليها- إلى هذه الثلاثة مساجد، هل ذلك لموضع صلاة الفرض فيما عدا البيت الحرام أو لموضع صلاة النفل؟ فمن قال: لموضع صلاة الفرض وكان الفرض عنده لا يُنذر إذ كان واجبًا بالشرع قال: النذر بالمشي إلى هذين المسجدين غير لازم؛ لأن الفرائض تجوز في أي مكان ((جُعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا؛ فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة؛ فليصل)) أما من كان عنده أن النذر قد يكون في الواجب وأنه أيضًا قد يقصد هذان المسجدان لموضع صلاة النفل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) متفق عليه، واسم الصلاة يشمل الفرض والنفل. قال: المشي إليهما واجب، لكن أبا حنيفة حمل هذا الحديث على الفرض مصيرًا إلى الجمع بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة أحدكم في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة)) وإلا وقع التضاد بين هذين الحديثين.

ابن قدامة -رحمه الله- له تعليق على هذه المسألة يقول: إن نذر المشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى لزمه ذلك، وبهذا قال مالك، والأوزاعي، وأبو عبيد، وابن المنذر وهو أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر -أي: الشافعي-: لا يبين لي وجوب المشي إليهما؛ لأن البر بإتيان الله فرض، والبر بإتيان هذين نفل، وقد احتج ابن قدامة على الشافعي بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) وقال أبو حنيفة: لا تتعين عليه الصلاة في موضع بالنذر سواء كان في المسجد الحرام أو غيره؛ لأن ما لا أصل له في الشرع لا يجب بالنذر بدليل نذر الصلاة في سائر المساجد.

المسألة الخامسة: من نذر أن يجعل ماله كله في سبيل الله، هل ذلك جائز، أم ليس جائزًا؟

يقول ابن رشد: اتفقوا -أي: أن الفقهاء اتفقوا- على أن من نذر أن يجعل ماله كله في سبيل الله، أو في سبيلٍ من سبل البر؛ ككفالة اليتيم، أو طلاب العلم، أو المساجد، أو الطرق، أو نحو ذلك؛ من نذر أن يجعل ماله كله في سبيل الله، اتفق الفقهاء على أنه يلزمه ذلك، وأنه ليس ترفعه الكفارة، وذلك إذا كان نذرًا على جهة الخبر، أي: نذر التبرر، لله علي كذا، أو علي لله كذا، أو نذرت لله كذا، كما سبق أن بينا في صيغة النذر، لا على جهة الشرط، إن حقق الله مرادي فلله علي كذا، أو إن شفى الله مريضي فلله علي كذا، هذا نذر على جهة الشرط، يختلف عن النذر على جهة الخبر، فمن نذر أن ماله كله في سبيل الله على جهة الخبر فقد اتفق الفقهاء على لزوم ذلك النذر وعدم رفعه بالكفارة؛ أما إن كان على جهة الشرط وهو الذي يسمونه يمينًا، فقد اختلف الفقهاء في ذلك، وقد حكى ابن رشد -رحمه الله- ذلك الاختلاف في النذر، نذر المال كله على جهة الشرط.

اختلفوا فيمن نذر ذلك -أي: ماله كله على جهة الشرط- مثل أن يقول: مالي للمساكين إن فعلت كذا، ففعله، إذن هذه صيغة الشرط، مالي للمساكين، أي: مالي كله، إن فعلت كذا، وقد فعل ما شرطه، فقال قوم: ذلك لازم، سبق أن ذكرنا أن الفقهاء متفقون على لزوم من نذر ماله كله في سبيل الله على جهة الخبر.

أما الكلام الآن فعلى من نذر ماله على جهة الشرط:

قال قوم: ذلك لازم كالخبر، كالنذر على جهة الخبر، ولا كفارة فيه، أي: لا ترفعه الكفارة، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة في النذور التي صيغها هذه الصيغة، يعني: لا كفارة فيه، ويجب الوفاء به، وقال قوم: الواجب في ذلك كفارة يمين فقط، ويتحلل من النذر؛ لأنه من غير المعقول أن يوفي الإنسان بما نذره بماله كله، وممن قال بعدم الوفاء بالنذر، ووجوب كفارة اليمين فقط الشافعي، وهذا مذهبه في النذور التي مخرجها مخرج الشرط؛ لأنه ألحقها بحكم الأيمان، وقيل إن مذهب الشافعي المعتمد أن الناذر مخير بين كفارة اليمين والوفاء بما التزمه، وإذا كان ذلك هو مذهب الشافعي فإن مالكًا ألحق النذر على الشرط، أو على صيغة الشرط، بحكم النذور على جهة الخبر على ما تقدم في كتاب الأيمان.

ثم حكى ابن رشد -رحمه الله- اختلافًا آخر، فقال: والذين اعتقدوا وجوب إخراج ماله؛ وهم مالك، وأبو حنيفة، الذين اعتقدوا وجوب إخراج ماله في الموضع الذي اعتقدوه اختلفوا في الواجب عليه، فقال مالك، وأحمد: يخرج ثلث ماله فقط، وقال قوم: بل يجب عليه إخراج جميع ماله، وبه قال إبراهيم النخعي، وظفر، والشافعي، وقال أبو حنيفة: يخرج جميع الأموال التي تجب الزكاة فيها، وفي مصادر أخرى قال أصحاب أبي حنيفة: يتصدق بثلث ماله الذي يجب فيه الزكاة استحبابًا، ولهم قول آخر: أنه يتصدق بجميع ما يملك، وقال بعضهم: إِنْ أخرج مثل زكاة ماله أجزأه؛ وفي المسألة قول خامس وهو: إن كان المال كثيرًا أخرج خمسه، وإن كان وسطًا أخرج سُبعه، وإن كان يسيرًا أخرج عُشره، وحدَّ هؤلاء الكثير بألفين، والوسط بألف، والقليل بخمسمائة، وذلك مروي عن قتادة.

يشير ابن رشد إلى سبب اختلاف العلماء على هذا النحو، فيقول:

السبب في اختلافهم في هذه المسألة، أعني: من قال: المال كله، أو ثلثه، أو خمسه، أو سبعه، أو عشره، السبب في الاختلاف معارضة الأصل في هذا الباب للأثر، كيف ذلك؟ أين المعارضة؟ ما هو الأصل؟ وما هو الأثر؟ ويبين ابن رشد -رحمه الله- ذلك بقوله: وذلك أن ما جاء في حديث أبي لبابة بن عبد المنذر حين تاب الله عليه، وذلك أحد الثلاثة الذين خُلَّفوا عن غزوة تبوك، ثم تاب الله عليهم في سورة التوبة: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} [التوبة: 118] وكان أبو لبابة واحدًا من هؤلاء الثلاثة، حديث أبي لبابة بن عبد المنذر حين تاب الله عليه، وأراد أن يتصدق بجميع ماله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يجزيك من ذلك الثلث)) رواه أبو داود، فهذا أثر، وهو نص، وهذا الذي أخذ به مالك في مقدار الواجب؛ وأما الأصل فيوجب أن اللازم له إنما هو جميع ماله، كما قال في صيغة الخبر: وألزمناه بجميع ماله، فكذلك في صيغة الشرط يكون الأصل الوفاء بالنذر بجميع المال؛ فالأصل أن اللازم له إنما هو جميع ماله؛ حملاً على سائر النذر، أعني: أنه يجب الوفاء به على الوجه الذي قصده، وبما أنه قد قصد جميع المال فعليه الوفاء بذلك، لكن الواجب هو استثناء هذه المسألة من هذه القاعدة؛ لوجود النص، إذ قد استثناها النص وهو حديث أبي لبابة.

إلا أن مالكًا لم يلزم في هذه المسألة أصله، ذلك أنه قال: إن حلف، أو نذر شيئًا معينًا لزمه، وإن كان كل ماله، وكذلك يلزم عنده إن عين جزءًا من ماله وهو أكثر من الثلث، هذا هو الأصل، وهذا مخالف لنص ما رواه في حديث أبي لبابه: ((يجزيك من ذلك الثلث)) وفي قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم للذي جاء بمثل بيضة من ذهب فقال: ((أصبت هذا من مَعدن، فخذها فهي صدقةٌ، ما أملِك غيرَها، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءه عن يمينه، ثم عن يساره، ثم من خلفه، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها، فلو أصابه بها لأوجعه، وقال صلى الله عليه وسلم: يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يتكفف الناس -يعني: يسألهم ويمد كفه إليهم- خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) فهذا الحديث مع حديث أبي لبابة يدل على أنه لا يلزمه الوفاء بجميع ماله، وعلى أن ذلك مستثنى من الأصل الملزم بذلك، وهذا نص في أنه لا يلزم المال المعين، إذا تصدق به، وكان جميع ماله، ولعل مالكًا لم تصح عنده هذه الآثار.

وأما سائر الأقاويل التي قيلت في هذه المسألة فضعافٌ، وبخاصة من قال بالخمس، والسبع، والعشر، وبخاصة من حَدّ في ذلك غير الثلث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر إلا الثلث.

error: النص محمي !!