Top
Image Alt

نزول القرآن

  /  نزول القرآن

نزول القرآن

وهو مبحث مهم في علوم القرآن؛ بل هو أهم مباحثه جميعًا؛ لأن العلم بنزول القرآن أساس للإيمان بالقرآن، وأنه كلام الله، وأساس للتصديق بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم.

1. معنى نزول القرآن:                        

جاء التعبير بمادة نزول القرآن، وما تصرف منها في الكتاب، والسنة، ومن أمثلته: قوله سبحانه في سورة الإسراء: {وَبِالْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقّ نَزَلَ} [الإسراء:105]، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف))، وهو حديث مشهور؛ بل قيل فيه بالتواتر، لكن النزول في استعمال اللغة، يطلق ويراد به: الحلول في مكان، والْأَوْيَ به، ومنه قولهم: نزل الأمير المدينة، والمتعدي منه؛ وهو الإنزال، يكون معناه: إحلال الغير في مكان، وإيواءه به، ومنه قوله -جل ذكره-: {رّبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} [المؤمنون:29]، ويطلق النزول إطلاقًا آخر في اللغة: على انحدار الشيء من علو إلى سفل، نحو: نزل فلان من الجبل، والمتعدي منه يكون معناه: تحريك الشيء من علو إلى أسفل، ومنه قوله سبحانه: {أنَزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً} [فاطر:27].

2. تنزلات القرآن:

شرف الله هذا القرآن بأن جعل له ثلاثة تنزلات:

1. التنزل الأول للقرآن: إلى اللوح المحفوظ:

ودليله قوله سبحانه: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مّحْفُوظٍ} [البروج: 21، 22]، وكان هذا الوجود في اللوح بطريقة لا يعلمهما إلا الله تعالى، ومن أطلعه على غيبه، وكان جملة لا مفرقًا.

وحكمة هذا النزول ترجع إلى الحكمة العامة من وجود اللوح نفسه، وإقامته سجلًّا جامعًا لكل ما قضى الله وقدر، وكل ما كان وما يكون من عوالم الإيجاد والتكوين؛ فهو شاهد ناطق، ومظهر من أروع المظاهر الدالة على عظمة الله، وعلمه وإرادته وحكمته، وواسع سلطانه وقدرته.

ولا ريب أن الإيمان به يقوي إيمان العبد بربه من هذه النواحي، ويبعث الطمأنينة إلى نفسه، والثقة بكل ما يظهره الله لخلقه من ألوان هدايته وشرائعه وكتبه، وسائر أقضيته وشئونه في عباده، كما يحمل الناس على السكون والرضا تحت سلطان القدر والقضاء.

ومن هنا تهون عليهم الحياة بضرائها وسرائها، كما قال -جل شأنه-: {مَآ أَصَابَ مِن مّصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلاَ فِيَ أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نّبْرَأَهَآ إِنّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ (22) لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىَ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22، 23]، وللإيمان باللوح وبالكتابة فيه، أثر صالح في استقامة المؤمن على الجادة، وتفانيه في طاعة الله ومراضيه، وبعده عن مساخطه ومعاصيه؛ لاعتقاده أنها مسطورة عند الله في لوحه، مسجلة لديه في كتابه كما قال -جل ذكره-: {وَكُلّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مّسْتَطَرٌ} [القمر:53].

2. التنزل الثاني للقرآن: إلى بيت العزة في السماء الدنيا:

كان هذا التنزل الثاني إلى بيت العزة في السماء الدنيا، والدليل عليه قوله سبحانه في سورة الدخان: {إِنّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مّبَارَكَةٍ} [الدخان:3]، وفي سورة القدر: {إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدْر:1]، وفي سورة البقرة: {شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185].

دلت هذه الآيات الثلاث، على أن القرآن أنزل في ليلة واحدة، توصف بأنها مباركة؛ أخذًا من آية الدخان، وتسمى ليلة القدر؛ أخذًا من آية سورة القدر، وهي من ليالي شهر رمضان؛ أخذًا من آية البقرة؛ وإنما قلنا ذلك؛ جمعًا بين هذه النصوص في العمل بها، ودفعًا للتعارض فيما بينها، ومعلوم بالأدلة القاطعة أن القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقًا لا في ليلة واحدة؛ بل في مدى سنين عددًا؛ فتعين أن يكون هذا النزول الذي نوهت به هذه الآيات الثلاث نزولًا آخر، غير النزول على النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاءت الأخبار الصحيحة مبينة لمكان هذا النزول، وأنه في بيت العزة من السماء الدنيا.

قال السيوطي: اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال‏:‏

الأول -وهو الأصح الأشهر‏-:‏ أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجمًا في عشرين سنة، أو ثلاثة وعشرين أو خمسة وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة‏.‏

أخرج الحاكم، والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس، قال‏:‏ أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضه في أثر بعض‏.

‏ وأخرج الحاكم، والبيهقي، والنسائي عن ابن عباس، قال‏:‏ أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك بعشرين سنة، ثم قرأ: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الفرقان:33]، و{وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلَىَ مُكْثٍ وَنَزّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}‏‏ [الإسراء:106].

وأخرجه ابن أبي حاتم، وفي آخره‏:‏ فكان المشركون إذا أحدثوا شيئًا؛ أحدث الله لهم جوابًا‏.‏

وأخرج الحاكم، وابن أبي شيبة عن ابن عباس، قال‏:‏ فصل القرآن من الذكر؛ فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا؛ فجعل جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم.

قال السيوطي: أسانيدها كلها صحيحة‏.‏

وأخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس، قال‏:‏ أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا ليلة واحدة، ثم أنزل نجومًا‏.

‏ قال السيوطي: إسناده لا بأس به‏.‏

وأخرج الطبراني، والبزار من وجه آخر عنه، قال‏:‏ أنزل القرآن جملة واحدة؛ حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا، ونزله جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم بجواب كلام العباد وأعمالهم‏.

وأخرج ابن أبي شيبة، في فضائل القرآن من وجه آخر عنه‏:‏ دفع إلى جبريل في ليلة القدر جملة واحدة؛ فوضعه في بيت العزة، ثم جعل ينزله تنزيلًا.

وأخرج ابن مردويه، والبيهقي، في (الأسماء والصفات): أن عطية بن الأسود سأل ابن عباس، فقال‏:‏ أوقع في قلبي الشك قوله تعالى: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن”، وقوله:‏ {إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}،  وهذا أنزل في شوال، وفي ذي العقدة، وذي الحجة، وفي المحرم، وصفر، وشهر ربيع… فقال ابن عباس‏:‏ إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة؛ ثم أنزل على مواقع النجوم رَسْلًا في الشهور والأيام‏.

قال أبو شامة‏:‏ قوله رَسْلًا‏:‏ أي: رفقًا، وعلى مواقع النجوم‏:‏ أي: على مثل مساقطها‏.

‏يريد: أنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم مفرقًا، يتلو بعضه بعضًا على تؤدة ورفق.

وهذه الأحاديث، موقوفة على ابن عباس، غير أن لها حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما هو مقرر من أن قول الصحابي مما لا مجال للرأي فيه؛ إذا لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات حكمه حكم المرفوع، ولا ريب أن نزول القرآن إلى بيت العزة من أنباء الغيب، التي لا تعرف إلا من المعصوم، وهذا متعلق بنزول القرآن الكريم؛ فلا مجال لأن يكون من الإسرائيليات، مع ما عرف من تحذير ابن عباس، من الأخذ عن أهل الكتاب؛ فثبت الاحتجاج بها.

الثاني‏:‏ أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة قدر، وثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين في كل ليلة ما يقدر الله إنزاله في كل السنة، ثم أنزل بعد ذلك منجمًا في جميع السنة‏.

‏وهذا القول، ذكره الإمام الرازي بحثًا، فقال‏:‏ يحتمل أنه كان ينزل في كل ليلة قدر ما يحتاج الناس إلى إنزاله إلى مثلها من اللوح إلى السماء الدنيا، ثم توقف هل هذا أولى، أو الأول؟‏.‏

قال ابن كثير‏:‏ وهذا الذي جعله احتمالًا، نقله القرطبي عن مقاتل بن حيان، وحكى الإجماع على أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا‏.

‏ قال السيوطي ‏:‏ وممن قال بقول مقاتل الحليمي، والماوردي، ويوافقه قول ابن شهاب: آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الدين‏.‏

قلت: أثر ابن شهاب ليس موافقا لذلك، ومراده: أنها آخر ما نزل.

الثالث‏:‏ أنه ابتدأ إنزاله في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجمًا في أوقات مختلفة من سائر الأوقات، وبه قال الشعبي‏.

‏ قال ابن حجر، في (شرح البخاري)‏:‏ والأول هو الصحيح المعتمد‏.

الرابع:  قال‏:‏ وقد حكى الماوردي، قولًا رابعًا: أنه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة، وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة، وأن جبريل نجمه على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة، وهذا أيضًا غريب‏.

والمعتمد أن جبريل كان يعارضه في رمضان بما ينزل به في طول السنة‏.

وقال أبو شامة‏:‏ كأن صاحب هذا القول أراد الجمع بين القولين: الأول، والثاني‏.‏

قال السيوطي ‏:‏ هذا الذي حكاه الماوردي، أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس، قال‏:‏ نزل القرآن جملة واحدة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا؛ فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة‏.‏

قال الزرقاني: ولكن هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة بمعزل عن التحقيق، وهي محجوجة بالأدلة التي سقناها تأييدًا للقول الأول.

التنزيل الثالث للقرآن:

قال الزرقاني: التنزل الثالث للقرآن، هو واسطة عقد التنزلات؛ لأنه المرحلة الأخيرة التي منها شع النور على العالم، ووصلت هداية الله إلى الخلق، وكان هذا النزول بوساطة أمين الوحي جبريل يهبط به على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ودليله قول الله تعالى في سورة الشعراء مخاطبًا لرسوله صلى الله عليه وسلم: {نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأمِينُ (193) عَلَىَ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مّبِينٍ} [الشعراء: 193-  195].

كيفية أخذ جبريل للقرآن، وعمن أخذ:

قال الزرقاني: هذا من أنباء الغيب؛ فلا يطمئن الإنسان إلى رأي فيه، إلا إن ورد بدليل صحيح عن المعصوم.

وفي ذلك أقوال:

أولها: قال الطيبي: لعل نزول القرآن على الملك أن يتلقفه تلقفًا روحانيًّا، أو يحفظه من اللوح المحفوظ؛ فينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم فيلقيه إليه.

وأنت خبير بأن كلمة: “لعل”، هنا لا تشفي غليلًا، ولا نستطيع أن نأخذ منها دليلًا.

ثانيها: حكى الماوردي: أن الحفظة نجمت القرآن على جبريل في عشرين ليلة، وأن جبريل نجمه على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة.

ومعنى هذا: أن جبريل أخذ القرآن عن الحفظة نجومًا عشرين؛ ولكنا لا نعرف لصاحب هذا الرأي دليلًا، ولا شبه دليل.

ثالثها: أن جبريل أخذ القرآن عن الله سماعًا؛ وهذا هو الصحيح.

‏قال الأصفهاني:‏ اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلام الله منزل، واختلفوا في معنى الإنزال‏.

‏فمنهم من قال‏:‏ إظهار القراءة‏.‏

ومنهم من قال‏:‏ إن الله تعالى ألهم كلامه جبريل وهو في السماء، وهو عالٍ من المكان، وعلمه قراءته، ثم جبريل أداه في الأرض وهو يهبط في المكان‏.

وفي التنزيل طريقان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية، وأخذه من جبريل‏.‏

والثاني‏:‏ أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذه الرسول منه، والأول أصعب الحالين. ‏

وقال الرازي، في حواشي (الكشاف)‏:‏ والإنزال لغة، بمعنى: الإيواء، وبمعنى: تحريك الشيء من العلو إلى أسفل، وكلاهما يتحققان في الكلام؛ فهو مستعمل فيه في معنى مجازي؛ فمن قال‏:‏ القرآن معنى قائم بذات الله تعالى؛ فإنزاله: أن يوجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى، ويثبتها في اللوح المحفوظ‏.

ومن قال‏:‏ القرآن هو الألفاظ؛ فإنزاله مجرد إثباته في اللوح المحفوظ؛ وهذا المعنى مناسب لكونه منقولًا عن المعنيين اللغويين‏.‏

ويمكن أن يكون المراد بإنزاله: إثباته في السماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ، وهذا مناسب للمعنى الثاني‏.‏

والمراد بإنزال الكتب على الرسل: أن يتلقفها الملك من الله تلقفًا روحانيًّا، أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها عليهم.

وقال غيره‏:‏ في المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقوال:‏

أحدها‏:‏ أنه اللفظ والمعنى، وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به‏.‏

وذكر بعضهم أن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ، كل حرف منها بقدر جبل قاف، وأن تحت كل حرف منها معاني لا يحيط بها إلا الله‏.‏

والثاني‏:‏ أن جبريل إنما نزل بالمعاني خاصة، وأنه صلى الله عليه وسلم علم تلك المعاني، وعبر عنها بلغة العرب، وتمسك قائل هذا، بظاهر قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأمِينُ (193) عَلَىَ قَلْبِكَ}.

والثالث‏:‏ أن جبريل ألقى عليه المعنى، وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية، ثم إنه نزل به كذلك بعد ذلك‏.‏

والخلاف في ذلك مترتب على المذاهب الكلامية في كلام الله عز وجل فنتج عن ذلك أقوال ثلاثة:

الأول: أن جبريل تلقفه سماعًا من الله تعالى بلفظه المخصوص.

الثاني: أن جبريل حفظه من اللوح المحفوظ، أو قرأه نقلًا عن بيت العزة في السماء الدنيا.

الثالث: أن جبريل ألقي إليه المعنى، والألفاظ لجبريل، أو للنبي صلى الله عليه وسلم.

“والثالث”، من أبطل الباطل؛ لأنه معارض لظاهر آيات القرآن؛ بل يوافق في وجه منه كلام المشركين.

“والثاني”؛ إنما هو هروب من إثبات صفة الكلام لله تعالى.

ولا شك في وجود القرآن في اللوح المحفوظ كسائر ما هو فيه، ولا في نزول القرآن إلى بيت العزة في السماء الدنيا، لكن ذلك لا يعني نفي سماع جبريل له من الله.

قال البيهقي، في معنى قوله تعالى: {إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، يريد -والله أعلم-: إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع؛ فيكون الملك منتقلًا به من علو إلى أسفل.

قال أبو شامة: هذا المعنى مطرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن، أو إلى شيء منه يحتاج إليه أهل السنة المعتقدون قدم القرآن، وأنه صفة قائمة بذات الله تعالى.

ولقد نسب الله القرآن إلى نفسه في عدة آيات منها: {وَإِنّكَ لَتُلَقّى الْقُرْآنَ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل:6]، وقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّىَ يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} [التوبة:6].

قال السيوطي: ويؤيد أن جبريل تلقفه سماعًا من الله تعالى: ما أخرجه الطبراني من حديث النواس بن سمعان مرفوعًا: “إذا تكلم الله بالوحي؛ أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله؛ فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا وخروا سجدًا؛ فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل؛ فيكلمه الله من وحيه بما أراد؛ فينتهي به على الملائكة؛ فكلما مر بسماء سأله أهلها: ماذا قال ربنا؟ قال: الحق، فينتهي به حيث أمر”.

وأخرج ابن مردويه من حديث ابن مسعود -رفعه-: إذا تكلم الله بالوحي؛ سمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان؛ فيفزعون ويرون أنه من أمر الساعة”، وأصل هذا الحديث في (الصحيح).

وقال بعضهم: إن جبريل حفظ القرآن عن الله وغشي على أهل السموات من هيبة كلام الله؛ فمر بهم جبريل وقد أفاقوا، فقالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، يعني: القرآن، وهو معنى قوله: {حَتّىَ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} [سبأ:23]، فأتى به جبريل إلى بيت العزة؛ فأملاه على السفرة الكتبة، يعني: الملائكة، وهو معنى قوله تعالى: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 15، 16].

وقال الجويني: كلام الله المنزل قسمان: قسم قال الله لجبريل: قل للنبي الذي أنت مرسل إليه: إن الله يقول: افعل كذا وكذا، وأمر بكذا وكذا. ففهم جبريل ما قاله ربه، ثم نزل على ذلك النبي، وقال له ما قاله ربه، ولم تكن العبارة تلك العبارة كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان: يقول لك الملك: اجتهد في الخدمة، واجمع جندك للقتال، فإن قال الرسول: يقول الملك: لا تتهاون في خدمتي، ولا تترك الجند تتفرق، وحثهم على المقاتلة؛ لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة.

وقسم آخر: قال الله لجبريل: اقرأ على النبي هذا الكتاب، فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير؛ كما يكتب الملك كتابًا ويسلمه إلى أمين، ويقول: اقرأه على فلان؛ فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفًا.

قال السيوطي: القرآن هو القسم الثاني، والقسم الأول: هو السنة؛ كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن، ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى؛ لأن جبريل أداه بالمعنى، ولم تجز القراءة بالمعنى؛ لأن جبريل أداه باللفظ، ولم يبَحْ له إيحاءه بالمعنى، والسر في ذلك: أن المقصود منه التعبد بلفظه، والإعجاز به؛ فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه، وإن تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة؛ فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه، والتخفيف على الأمة؛ حيث جعل المنزل إليهم على قسمين: قسم يروونه بلفظه الموحى به، وقسم يروونه بالمعنى، ولو جعل كله مما يروى باللفظ لشق، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف فتأمل.

وقد رأيت عن السلف، ما يعضد كلام الجويني‏.‏

أخرج ابن أبي حاتم عن الزهري: أنه سئل عن الوحي، فقال‏:‏ الوحي: ما يوحى إلى نبي من الأنبياء؛ فيثبته فيقلبه فيتكلم به ويكتبه، وهو كلام الله‏، ومنه ما لا يتكلم به، ولا يكتبه لأحد، ولا يأمر بكتابته، ولكنه يحدث به الناس حديثًا، ويبين لهم أن الله أمره أن يبينه للناس ويبلغهم إياه‏.‏

قال الزرقاني: ولتعلم في هذا المقام أن الذي نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم هو القرآن؛ باعتبار أنه الألفاظ الحقيقية المعجزة من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس، وتلك الألفاظ هي كلام الله وحده لا دخل لجبريل، ولا لمحمد صلى الله عليه وسلم في إنشائها وترتيبها؛ بل الذي رتبها أولًا هو الله سبحانه وتعالىولذلك تنسب له دون سواه، وإن نطق بها جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم وملايين الخلق من بعد جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم من لدن نزول القرآن إلى يوم الساعة، وذلك كما ينسب الكلام البشري إلى من أنشأه ورتبه في نفسه أولًا دون غيره، ولو نطق به آلاف الخلائق في آلاف الأيام والسنين إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين.

وقد أسف بعض الناس؛ فزعم أن جبريل كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بمعاني القرآن، والرسول يعبر عنها بلغة العرب، وزعم آخرون أن اللفظ لجبريل وأن الله كان يوحي إليه المعنى فقط، وكلاهما قول باطل أثيم، مصادم لصريح الكتاب، والسنة، والإجماع.

والحق: أنه ليس لجبريل في هذا القرآن، سوى حكايته للرسول صلى الله عليه وسلم وإيحائه إليه، وليس للرسول صلى الله عليه وسلم في هذا القرآن سوى وعيه وحفظه، ثم حكايته وتبليغه، ثم بيانه وتفسيره، ثم تطبيقه وتنفيذه.

نقرأ في القرآن نفسه أنه ليس من إنشاء جبريل، ولا محمد صلى الله عليه وسلم نحو: {وَإِنّكَ لَتُلَقّى الْقُرْآنَ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}، ونحو: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنّمَآ أَتّبِعُ مَا يِوحَىَ إِلَيّ مِن رّبّي} [الأعراف:203]، ونحو: {وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ قَالَ الّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـَذَآ أَوْ بَدّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيَ أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيَ إِنْ أَتّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَىَ إِلَيّ إِنّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس:15]، ونحو: {وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ (44) لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُمْ مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 44 – 47].

فرع:

والذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة وغيرها، أن القرآن كان ينزل بحسب الحاجة خمس آيات، وعشر آيات، وأكثر وأقل، وقد صح نزول العشر آيات في قصة الإفك جملة، وصح نزول عشر آيات من أول المؤمنين جملة، وصح نزول: ‏ {غَيْرُ أُوْلِي الضّرَرِ} [النساء:95]، ‏ وحدها، وهي بعض آية‏.‏

وكذا قوله: ‏ {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً}‏ [التوبة:28]، إلى آخر الآية، نزلت بعد نزول أول الآية، وذلك بعض آية‏.‏ وأخرج ابن أشتة، في كتاب (المصاحف)، عن عكرمة في قوله: ‏ {بِمَوَاقِعِ النّجُومِ} [الواقعة:75]، قال‏:‏ أنزل الله القرآن نجومًا ثلاث آيات، وأربع آيات، وخمس آيات‏.‏

وقال النكزاوي، في كتاب (الوقف‏):‏ كان القرآن ينزل مفرقًا: الآية، والآيتين، والثلاث، والأربع، وأكثر من ذلك‏.‏

وما أخرجه ابن عساكر من طريق أبي نضرة، قال‏:‏ كان أبوسعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة، وخمس آيات بالعشي، ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات‏.‏

وما أخرجه البيهقي، في (الشعب) من طريق أبي خلدة عن عمر، قال‏:‏ تعلموا القرآن خمس آيات، خمس آيات؛ فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي صلى الله عليه وسلم خمسًا خمسًا‏.

دليل تنجيم هذا النزول:

والدليل على تفرق هذا النزول، وتنجيمه: قول الله -تعالت حكمته- في سورة الإسراء: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلَىَ مُكْثٍ وَنَزّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} [الإسراء:106]، وقوله في سورة الفرقان: {وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (32) وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الفرقان: 32، 33]، روي أن الكفار من يهود ومشركين، عابوا على النبي صلى الله عليه وسلم نزول القرآن مفرقًا، واقترحوا عليه أن ينزل جملة؛ فأنزل الله هاتين الآيتين ردًّا عليهم؛ وهذا الرد يدل على أمرين:

أحدهما: أن القرآن نزل مفرقًا على النبي صلى الله عليه وسلم.

والثاني: أن الكتب السماوية من قبله نزلت جملة، كما اشتهر ذلك بين جمهور العلماء حتى كاد يكون إجماعًا.

قال السيوطي: وقد رأيت بعض فضلاء العصر أنكر ذلك، وقال‏:‏ إنه لا دليل عليه؛ بل الصواب أنها نزلت مفرقة كالقرآن‏.‏

قال‏: قلت:‏ والصواب الأول ‏.

‏ ومن الأدلة على ذلك: آية الفرقان السابقة‏.‏

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال‏:‏ قالت اليهود‏:‏ يا أبا القاسم لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة، كما أنزلت التوراة على موسى! فنزلت‏.

‏وأخرجه من وجه آخر عنه بلفظ‏:‏ قال المشركون‏.‏

وأخرج نحوه عن قتادة، والسدي.

فإن قلت‏:‏ ليس في القرآن التصريح بذلك؛ وإنما هو على تقدير ثبوته قول الكفار‏.

قلت‏:‏ سكوته تعالى عن الرد عليهم في ذلك، وعدوله إلى بيان حكمته دليل على صحته، ولو كانت الكتب كلها نزلت مفرقة؛ لكان يكفي في الرد عليهم، أن يقول‏:‏ إن ذلك سنة الله في الكتب التي أنزلها على الرسل السابقة؛ كما أجاب بمثل ذلك قولهم:‏ {وَقَالُواْ مَا لِهَـَذَا الرّسُولِ يَأْكُلُ الطّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ} [الفرقان:7]، ‏فقال: ‏{وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ} [الفرقان:20]، ‏ وقولهم:‏ {أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رّسُولاً} [الإسراء:94]، ‏فقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاّ رِجَالاً نّوحِيَ إِلَيْهِمْ} ‏وقولهم: كيف يكون رسولًا، ولا هم له إلا النساء؟! فقال: ‏{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرّيّةً} [الرعد:38]، إلى غير ذلك‏.

‏ومن الأدلة على ذلك أيضًا: قوله تعالى في إنزاله التوراة على موسى، يوم الصعقة: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِن كُلّ شَيْءٍ مّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوّةٍ} [الأعراف:145]، و{وَأَلْقَى الألْوَاحَ} [الأعراف:150]، و{وَلَماّ سَكَتَ عَن مّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ} [الأعراف:154]، و{وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنّهُ ظُلّةٌ وَظَنّوَاْ أَنّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوّةٍ} [الأعراف:171]؛‏ فهذه الآيات كلها دالة على إتيانه التوراة جملة‏.

‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال‏:‏ أعطى موسى التوراة في سبعة ألواح من زبرجد، فيها تبيان لكل شيء وموعظة؛ فلما جاء بها فرأى بني إسرائيل عكوفًا على عبادة العجل؛ رمى بالتوراة من يده، فتحطمت؛ فرفع الله منها ستة أسباع، وأبقى منها سبعًا‏.

وأخرج من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده رفعه، قال‏:‏ الألواح التي أنزلت على موسى، كانت من سدر الجنة، كان طول اللوح اثني عشر ذراعًا‏.‏

وأخرج النسائي وغيره عن ابن عباس، في حديث الفتون، قال‏:‏ أخذ موسى الألواح بعد ما سكت عنه الغضب؛ فأمرهم بالذي أمر الله أن يبلغهم من الوظائف، فثقلت عليهم وأَبَوْا أن يقرُّوا بها حتى نتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم فأقروا بها‏.

‏وأخرج ابن أبي حاتم عن ثابت بن الحجاج، قال‏:‏ جاءتهم التوراة جملة واحدة؛ فكبر عليهم فَأَبَوْا أن يأخذوه، حتى ظلل الله عليهم الجبل؛ فأخذوه عند ذلك‏.‏

فهذه آثار صحيحة، صريحة في إنزال التوراة جملة‏.‏ 

error: النص محمي !!