Top
Image Alt

نزول عيسى عليه السلام

  /  نزول عيسى عليه السلام

نزول عيسى عليه السلام

من أشراط الساعة: نزول عيسى ابن مريم عليه السلام:

عقيدة المسلمين فيه مجملها: أنه عبد الله ورسوله، وكلمتُهُ ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأنه وُلِدَ من غيرِ أب كما خُلِقَ آدم من غير أب ولا أم، وأنه أحد أولي العزم من الرسل، وأنه عبدٌ ليس له من خصائص الربوبية ولا الألوهية شيء، وأن الله قد أظهر على يديه المعجزات والآيات؛ كإحياء الموتى وإبراء الأكمه، وأنه كلَّمَ الناس في المهد صبيًّا، وأنه دعا قومَهُ إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأنه بَشّر بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس بينه وبين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي، وأنه لم يصلب ولم يُقْتَل؛ بل رفعَهُ اللهُ إليه، وأنه ينزل في آخر الزمان كما سيأتي تفصيل ذلك، وأنه يموت في الأرض ويدفن فيها ويبعث منها كسائر بني آدم.

نزول عيسى ابن مريم عليه السلام:

أخبرنا الحق -تبارك وتعالى- أن اليهود لم يقتلوا رسوله عيسى ابن مريم، وإن ادّعوا هذه الدعوى وصدقها النصارى، والحقيقة: أن عيسى لم يُقْتَل، ولكن الله ألقى شبهه على غيره؛ أما هو فقد رفعه الله إلى السماء، قال تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـَكِن شُبّهَ لَهُمْ وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّ مّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتّبَاعَ الظّنّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً}(157) {بَل رّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} [النساء: 157، 158].

وأشار الحق في كتابه إلى أن عيسى سينزل في آخر الزمان، وأن نزولَهُ يكون علامةً دالةً على قرب وقوع الساعة: {وَإِنّهُ لَعِلْمٌ لّلسّاعَةِ} [الزخرف: 61]، كما أخبر أن أهل الكتاب في ذلك الزمان سيؤمنون به: {وَإِن مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159].

وقد جاء تفصيل هذه النصوص في السنة النبوية؛ فقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنه عندما تشتدّ فتنة الدجال، ويضيق الأمر بالمؤمنين في ذلك الزمان، يُنزل الله عبده ورسوله عيسى عليه السلام، وينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، فقد روى الطبراني في معجمه الكبير عن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء, شرقي دمشق)).

وقد وصف لنا الرسول صلى الله عليه وسلم حاله عند نزوله؛ ففي (سنن أبي داود) بإسناد صحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس بيني وبينه -أي: عيسى- نبي، وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه؛ رجل مربوعٌ إلى الحُمْرَةِ والبياض، ينزل بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل)).

وقت نزوله:

ويكون نزوله في وقت اصطف فيه المقاتلون المسلمون لصلاة الفجر، وتقدم إمامهم للصلاة، فيرجع ذلك الإمام طالبًا من عيسى أن يتقدَّمَ فيؤمهم، فيأبَى، ففي الحديث: ((وإمامهم -أي: إمام الجيش الإسلامي- رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح، إذ نزل عيسى عليه السلام، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصلِّ؛ فإنها لك أقيمت. فيصلي بهم إمامهم)).

ويكون هذا في حال إعداد المسلمين لحرب الدجال، ففي حديث أبي هريرة: ((فبينما هم يعدّون للقتال, يسوُّون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى ابن مريم فأمهم))، ولفظه في كتاب الإيمان: ((كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم, وأمّكم؟))، وليس المراد هنا في هذا الحديث أن عيسى أمهم في الصلاة، فالحديث الأول يدل على رفض عيسى للتقدم، وأنه قدم الإمام الذي أقيمت له الصلاة، ومثله حديث الرسولصلى الله عليه وسلم: ((كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم؟)).

بماذا يحكم عيسى عليه السلام؟

يحكم عيسى عليه السلام بالشريعة المحمدية، ويكون من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لا ينزل بشرعٍ جديدٍ؛ لأن دين الإسلام خاتم الأديان وباقٍٍ إلى قيام الساعة, لا يُنْسَخُ، فيكون عيسى عليه السلام حاكمًا من حكام هذه الأمة، ومجددًا لأمر الإسلام؛ إذ لا نبيَّ بعد محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم، وإمامكم منكم؟)), وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق, ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعالَ صلِّ بنا، فيقول: لا, إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة)). فأما صلاته فقد سبق في الحديث ذكر ذلك، وقتاله للكفار وأتباع الدجال.

وأما حجه: ففي (صحيح مسلم) عن حنظلة الأسلمي، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((والذي نفسي بيده, ليهلنَّ ابنُ مريمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاء حَاجًّا أو مُعْتَمِرًا، أو ليثنينهما)) أي: يجمع بين الحج والعمرة.

وأما وضع عيسى للجزية عن الكفار، مع أنها مشروعة في الإسلام قبل نزوله عليه السلام، فليس هذا نسخًا لحكم الجزية جاء به عيسى شرعًا جديدًا؛ فإن مشروعية وضع الجزية مقيدٌ بنزول عيسى عليه السلام بإخبار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, فهو المبين للنسخ لقوله لنا: ((والله لينزلن ابن مريم حكمًا عدلًا؛ فليكسرنَّ الصليب، وليقتلن الخنزير, وليضعنَّ الجزية)).

وزمن عيسى عليه السلام زمن أمنٍ وسلام ورخاء؛ يرسل الله فيه المطر الغزير, وتُخْرِجُ الأرض ثمرتها وبركتها، ويفيض المال، وتذهب الشحناء والتباغض والتحاسد، قال صلى الله عليه وسلم: ((ثم يرسل الله مطرًا)).

مدة بقائه بعد نزوله، ثم وفاته:

وأما عن مدة بقاء عيسى عليه السلام في الأرض بعد نزوله, فلقد جاء في بعض الروايات أنه يمكث سبع سنين، وفي بعضها أربعين سنة؛ ففي رواية الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ((فيبعث الله عيسى ابن مريم، ثم يمكث في الناس سبعَ سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردًا من قِبَلِ الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبِهِ مثقال ذرة من خير، أو إيمان إلا قبضته)).

وفي رواية الإمام أحمد، وأبي داود: ((فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يُتَوَفَّى ويصلي عليه المسلمون))، وكلتا هاتين الروايتين صحيحة، إلا أن تُحْمَل رواية: “سبع سنين” على مدة إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافًا إلى مكثه في الأرض قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور.

error: النص محمي !!