Top
Image Alt

نسخ الإجماع، والنسخ به

  /  نسخ الإجماع، والنسخ به

نسخ الإجماع، والنسخ به

هل يجوز نسخ الإجماع؟ يعني: هل يجوز نسخ الأحكام التي ثبتت بالإجماع؟ وهل يجوز النسخ بالإجماع نفسه؟

وقد جعل ابن قدامة -رحمه الله- الكلام في نسخ الإجماع والنسخ به في فصل، قال فيه: “فصل: فأما الإجماع فلا ينسخ -أي لا يكون منسوخًا- لأنه لا يكون إلا بعد انقراض زمن النص، والنسخ لا يكون إلا بنص…” إلى آخر كلامه -رحمه الله-.

وهذا الموضوع نقسمه إلى مسألتين:

المسألة الأولى: في نسخ الإجماع. يعني: هل يكون الإجماع منسوخًا.

المسألة الثانية: في النسخ بالإجماع. يعني: هل يكون الإجماع ناسخًا لغيره من الأدلة أم لا؟

تمهيد للمسألتين لا بد منه:

لكن قبل الشروع في هاتين المسألتين لا بد أن نمهد للموضوع بتمهيد يزيده بيانًا ووضوحًا فنقول -والله المستعان-:

الإجماع لغة: يطلق على العزم ويطلق على الاتفاق.

الإجماع عند الأصوليين: بمعنى الاتفاق؛ لذا عرَّفوا الإجماع اصطلاحًا بأنه: اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه  وسلم في أي عصر كان بعد وفاته صلى الله عليه  وسلم على حكم شرعي.

فهل الإجماع بهذا المعنى يكون منسوخًا؟ وهل ينسخ به أوْ لا؟

بنى الإمام فخر الدين الرازي هذه المسألة -يعني مسألة نسخ الإجماع والنسخ به- على قاعدة: أن الإجماع لا ينعقد في زمنه صلى الله عليه  وسلم. وقد عرّفنا الإجماع أنه اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه  وسلم في أيّ عصر كان بعد وفاته. ويفهم من هذا التعريف أن الإجماع لا يصح انعقاده في زمن النبي صلى الله عليه  وسلم؛ لأن الإجماع -كما قررنا- اتفاق جميع المجتهدين، والنبي صلى الله عليه  وسلم سيد المجتهدين، فلو اتفق الصحابة في زمن النبي على مسألة، فلنا أن ننظر لموقف الرسول إن وافقهم في الرأي فالقول قوله فيصير الأمر سنة، وليس إجماعًا. وإن خالفهم فلا اعتداد ولا اعتبار برأيهم؛ وعليه فالإجماع لا ينعقد في زمن النبي صلى الله عليه  وسلم؛ لأن النبي بعض المؤمنين بل هو سيدهمصلى الله عليه  وسلم، ومتى وجد قوله صلى الله عليه  وسلم فلا عبرة بقول غيره.

وإذا لم ينعقد الإجماع إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه  وسلم لم يمكن نسخه لا بالكتاب ولا بالإجماع ولا بالقياس، كيف ذلك؟ لتعذرهما بعد وفاته صلى الله عليه  وسلم، فبوفاة النبي صلى الله عليه  وسلم ينقطع الوحي، فليس هناك قرآن وليست هناك سنة بعد وفاته صلى الله عليه  وسلم، وعليه فلا ينسخ الإجماع.

هل ينسخ الإجماع بالإجماع؟

لا ينسخ الإجماع بالإجماع؛ فلو كان هناك إجماعان أحدهما عن دليل والثاني عن غير دليل، فلا شك أن الإجماع الذي لا دليل له يكون خطأ ولا يعتبر ولا يلتفت إليه، وإن كان الإجماع الثاني عن دليل فقد غفل عنه الإجماع الأول فكان خطأ، يعني الإجماع الأول يكون خطأ، والإجماع لا يكون خطأ كما هو مقرر؛ لأن إجماع الأمة معصوم لما ثبت وتقرر ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) وإن كان الإجماع عن دليل فقد غفل عنه المجمعون فكان خطأ، والإجماع لا يكون خطأ فاستحال النسخ بالإجماع.

هل ينسخ الإجماع بالقياس؟

قالوا: ولا ينسخ الإجماع بالقياس أيضًا؛ لأن من شرط القياس على ما سيأتي، والقياس معناه -حتى نكون على بينة- إلحاق مسألة لا نص فيها بمسألة فيها نص إذا وجد جامع بين المسألتين، وهو ما يسمى بالعلة، هذا معنى القياس، وإلا فتعريف القياس هو: مساواة فرع لأصل في علة حكمه. فالعلماء يقولون: شرط القياس ألا يكون على خلاف الإجماع، وحينئذ يتعذر نسخ الإجماع بالقياس، وبالتالي نسخ الإجماع بالكتاب والسنة وبالإجماع وبالقياس لا يجوز مطلقًا.

وكون الإجماع لا ينعقد في زمن النبي صلى الله عليه  وسلم هو الرأي الراجح في المسألة.

وفي مسألة انعقاد الإجماع في زمن النبي صلى الله عليه  وسلم كلامٌ كثير عرضنا عنه؛ لعدم ترتب فائدة على ذكره فالإجماع لا ينعقد في زمنه صلى الله عليه  وسلم.

وفي هذا يقول أبو إسحاق الشيرازي -رحمه الله-: “لا ينعقد الإجماع في زمانه صلى الله عليه  وسلم”.

ويقول القاضي أبو يعلى الحنبلي -رحمه الله-: “الإجماع لا يصح نسخه؛ لأنه حجة انعقدت بعد انقطاع علم الوحي؛ لأنه ينعقد بعد وفاة النبي صلى الله عليه  وسلم وقد انقطع الوحي بعد وفاته صلى الله عليه  وسلم”.

ويقول ابن النجار -رحمه الله-: “ولا ينسخ إجماع -يعني الإجماع لا يكون منسوخًا لا بالكتاب والسنة، ولا بالإجماع ولا بالقياس- لأنه لا يكون في حياة النبي صلى الله عليه  وسلم حتى يرد ما ينسخه، وإذا وقع بعد وفاته -يعني إذا وقع الإجماع بعد وفاة النبي- فلا يمكن أن يأتي بعده ناسخ؛ إذ الناسخ إما قرآن وإما سنة، وقد بينا أنه الوحي ينقطع بوفاة الرسول صلى الله عليه  وسلم”.

ويؤكد هذا المعنى أيضًا -وهو عدم نسخ الإجماع- الخطيبُ البغدادي -رحمه الله- في كتابه (الفقيه والمتفقه) حيث يقول: “ولا يجوز نسخ إجماع المسلمين؛ لأن الإجماع لا يكون إلا بعد موت رسول الله صلى الله عليه  وسلم، والنسخ لا يجوز بعد موته صلى الله عليه  وسلم فإنما لا يجوز النسخ بعد موته -كما قلنا لكم- لأن الوحي ينقطع بوفاة النبي صلى الله عليه  وسلم”.

وقال غيره: “إن دلالة الإجماع مستقرة في كل حال، قبل انقطاع الوحي وبعده فالأقرب أن يقال: إن الأمة أجمعت على أن ما ثبت بالإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به”. يعني: لا يكون منسوخًا ولا يكون ناسخًا؛ أي: لا يقع ذلك لأنه غير جائز.

هذه مقدمة أو تمهيد ضروري كمدخل لمسألتنا مسألة نسخ الإجماع والنسخ به، ولك أن تتصور مسألة إجماعية تستحضرها في ذهنك وتُنزل عليها هذا الخلاف، فمثلًا: أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه فإنه لا يكون طاهرًا -بمعنى: لا يصح الوضوء به- فهل يجوز أن ينسخ هذا الحكم الذي تقرَّر بالإجماع؟ وهل يجوز أن يكون الإجماع نفسه ناسخًا؟

وأجمعوا مثلًا على أن بنت الابن لها مع البنت الصلبية في الميراث سدس التركة -السدس مع النصف تكملة للثلثين- فهل يصح نسخ هذا الحكم الذي تقرر وثبت بالإجماع؟ أو لا يصح؟ المسألة -كما قلت لكم- ذات شقين:

المسألة الأولى: نسخ الإجماع:

الحكم الثابت بالإجماع هو الذي سيكون منسوخًا هذه المرة، وقد اختلف الأصوليون في جواز نسخ الحكم الثابت بالإجماع على مذهبين:

المذهب الأول: وهو مذهب جمهور الأصوليين، منهم: الآمدي، والرازي، وابن الحاجب، والبيضاوي… وغيرهم: لا يجوز نسخ الحكم الثابت بالإجماع. بمعنى: لو أجمعت الأمة أو اتفق المجتهدون من أمة محمد صلى الله عليه  وسلم بعد وفاته على أمر أو على حكم شرعي، فإنه لا يجوز نسخ هذا الحكم بحالٍ من الأحوال.

المذهب الثاني: وهو مذهب طائفة من الأصوليين: يجوز نسخ الحكم الثابت بالإجماع، ولا مانع من ذلك.

أدلة المذهب الأول:

استدل الجمهور على أن الحكم الثابت بالإجماع لا يجوز نسخه بالأدلة التالية:

إنّ ما وجد من الإجماع بعد رسول الله صلى الله عليه  وسلم وانقراض زمن الوحي لو نسخ حكمه –يعني: لو فرضنا أن حكمه نسخ- فإما أن يكون بنص من كتاب أو سنة أو بإجماع آخر أو قياس، فكأن نسخ الإجماع يتحقق بواحد من هذه الثلاثة، وهذه الثلاثة لا تجوز -يعني لا يجوز نسخ الإجماع لا بالكتاب والسنة ولا بالإجماع ولا بالقياس.

ولنوضح ذلك:

الأول: نسخ الإجماع بالنص؛ سواء كان القرآن أو السنة:

فلا يصح أن يكون ناسخًا للإجماع؛ لأن الناسخ لا بد أن يكون متأخرًا عن المنسوخ، هذا معروف ومقرر في تعريفنا للنسخ، فالنص الناسخ لا بد أن يكون متأخرًا عن النص المنسوخ، والنص متقدم على الإجماع -يعني الكتاب والسنة- متقدم على الإجماع؛ لأنه -كما قررنا- الإجماع لا يكون إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه  وسلم، والكتاب والسنة موجود في زمن النبي صلى الله عليه  وسلم، فهو إذًا متقدم على الإجماع؛ لأن الإجماع يأتي متأخرًا بعد وفاة النبي صلى الله عليه  وسلم، وعليه فلا يصلح أن يكون النص ناسخًا للإجماع، وإنما كان النص متقدمًا على الإجماع، وإذا أطلق النص فالمراد به الكتاب والسنة النبوية.

وإنما كان النص متقدمًا على الإجماع؛ لأن جميع النصوص متلقاة من النبي صلى الله عليه  وسلم فسلطة التشريع في زمن النبي إلى النبي صلى الله عليه  وسلم؛ لأنه مبلِّغ عن الله، والإجماع لا ينعقد في زمنه صلى الله عليه  وسلم؛ لأنه إن لم يوافقهم لم ينعقد -كما قررنا- يعني إن لم يوافق الصحابة في رأيهم لم ينعقد الإجماع- وإن وافقهم كان قوله صلى الله عليه  وسلم هو الحجة لاستقلاله بإفادة الحكم، وإذا كانت الحجة في قوله فيصير الأمر سنة، وليس إجماعًا. فثبت بهذا أن النص متقدم على الإجماع، وحينئذٍ فيستحيل أن يكون النص ناسخًا للإجماع.

الثاني: هل يكون الإجماع ناسخًا للإجماع؟

قالوا: لا. قالوا: وأما الإجماع فلا يصلح كذلك أن يكون ناسخًا لإجماع آخر؛ لاستحالة انعقاده على خلاف إجماع آخر، هذه من المسلمات أن ينعقد إجماع على خلاف إجماع آخر؛ لأن الإجماع لا بد له من دليل يستند إليه المجمعون في إجماعهم، وهذه مسألة -إن شاء الله- تدرسونها في مبحث الإجماع، يعني: هل الإجماع يكون عن هوى أو لا بد أن يكون له مستند ودليل؛ فلذلك يقولون: الإجماع لا بد له من دليل يستند إليه المجمعون في إجماعهم، وحينئذ يقال: إما أن يكون كل من الإجماعين -يعني: الإجماع الأول والإجماع الثاني- عن دليل أو كل منهما لا عن دليل، أو يكون الأول عن دليل والثاني لا عن دليل، أو بالعكس.

إن كان كل من الإجماعين لا دليل له يستند إليه المجمعون، كان كل منهما باطلًا فلا يكون كل منهما حجة. يعني: لو افترضنا وجود إجماع لا دليل له ولا مستند له فهذا إجماع لا تكون له فائدة ولا يكون معتبرًا ولا معتدًّا به. فلو قلنا: إن كلا من الإجماعين لا دليل لهما يستند إليه المجمعون كان كل منهما باطلًا، وعليه فلا يكون كل منهما حجة، ولا يتأتى حينئذ الكلام هل الإجماع ينسخ أو لا ينسخ؛ لأن كلا من الإجماعين غير معتبر لأنه لا دليل له ولا مستند له.

وإن كان كل من الإجماعين له دليل استند إليه المجمعون في إجماعهم، يعني الصورة الثانية أن يكون كل من الإجماعين له دليل استند إليه المجمعون في إجماعهم، فالأمر لا يخلو إما أن يكون المجمعون الأولون -أصحاب الإجماع الأول- قد اطلعوا على دليل الإجماع الثاني أو لم يطلعوا عليه.

فإن لم يطلع المجمعون الأولون على دليل الإجماع الثاني، فما الحكم؟

قالوا: كان الإجماع الأول باطلًا لوجود النص الذي يخالفه. يعني: أهل الإجماع لا بد أن يبحثوا عن كل الأدلة، فلو فاتهم دليل وغفلوا عن دليل كان إجماعهم باطلًا؛ لأنه في هذه الحالة يكون الإجماع مع وجود النص الذي يخالفه، فلم يبقَ صحيحًا إلا الإجماع الثاني. إذًا فلا تعارض بين الإجماعين؛ لأن أحد الإجماعين باطل وحينئذ لا يتأتى الكلام هل ينسخ الإجماع أو لا ينسخ؟

وإن اطلع المجمعون الأولون عليه، يعني: هب أن المجمعين الأولين اطلعوا على دليل الإجماع الثاني ثم أجمعوا على خلافه، فماذا يفيد ذلك؟ قالوا: يدل ذلك على أن النص مرجوح، يعني: النص الذي استند إليه أصحاب الإجماع الثاني مرجوح، وأن النص الذي أجمعوا عليه راجح، ومن المقرر وجوب العمل بالراجح، وحينئذ لا يصح الاستناد إليه في الإجماع الثاني فيكون الإجماع الثاني باطلًا، فلم يبقَ صحيحًا إلا الإجماع الأول، وعليه فلا تعارض، ولا يصح أن نقول بالنسخ.

وإن كان الإجماع الأول عن دليل والثاني لا عن دليل؛ كان الأول صحيحًا والثاني باطلًا. وإذا كان الإجماع الثاني عن دليل والأول لا عن دليل؛ كان الإجماع الأول ليس لهم مستند والإجماع الثاني له مستند لك أن تجيب كان الثاني صحيحًا والأول باطلًا.

وبذلك بعد عرض هذه القسمة يظهر لك أنه لا يوجد إجماعان متخالفان، فلا يكون الإجماع ناسخًا لإجماع آخر.

إلى هنا قررنا أن الإجماع لا ينسخ بالنص الذي هو الكتاب والسنة؛ لتقدم النص على الإجماع؛ لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه  وسلم، وأن الإجماع لا ينسخ بالإجماع لما ذكرناه.

الثالث: هل ينسخ الإجماع بالقياس؟

فنقول: لا، الإجماع لا ينسخ بالقياس، قالوا: فلا يصلح أن يكون القياس ناسخًا للإجماع؛ لأنه لا ينعقد على خلافه. يعني: من شرط القياس ألا يكون مخالفًا للإجماع، فلو تقرر أو ثبت قياس وهو مخالف للإجماع، فلا اعتبار لهذا القياس؛ لأن من شرط القياس أن لا يخالف نصًّا أو إجماعًا فعند مخالفة الإجماع للقياس يكون القياس باطلًا، فلا يكون حجة، فلا يصح أن يكون ناسخًا للإجماع.

إلى هنا انتهى دليل جمهور أهل العلم في أن الإجماع لا ينسخ، وهذا الذي أشار إليه ابن قدامة -رحمه الله- في (روضته) بقوله: “فأما الإجماع فلا ينسخ؛ لأنه لا يكون إلا بعد انقراض زمن النص -والمقصود: بعد وفاة النبي صلى الله عليه  وسلم- والنسخ لا يكون إلا بنص”. يعني: النسخ لا يكون إلا بنص، والنص أصبح الآن غير موجود لوفاة النبي صلى الله عليه  وسلم.

أدلة المذهب الثاني “المثبتين”:

استدل المثبتون على جواز نسخ الحكم الثابت بالإجماع بأن الأمة إذا أجمعت على قولين في المسألة؛ فإن المكلف مخيَّر في العمل بكلٍّ من القولين، فإذا أجمعت الأمة بعد ذلك على أحد القولين لم يجزِ العملُ بالقول الآخر.

فمثلًا: هناك إجماع في مسألة على قولين: قول بالوجوب، وقول بالندب، ثم بعد ذلك أجمعت الأمة على أحد القولين فقالت -مثلًا- بالوجوب فقط، فهل يجوز العمل بالقول الثاني الذي هو الندب؟ قال أهل العلم: لم يجز العمل بالقول الآخر؛ لأن الإجماع الثاني -الذي هو على أحد القولين- ناسخ للإجماع الأول من جواز العمل بكلٍّ من القولين. قرر ذلك كثير من أهل العلم.

رد الجمهور على هذا الدليل:

إن الأمة إنما جوَّزت للمكلف الأخذ بأي القولين شاء بشرط، هذا الشرط: ألا يحصل الإجماع على أحد القولين. يعني: الأمة جوزت للمكلف الأخذ بأي القولين شاء إما بالوجوب وإما بالندب شريطة ألا يحصل الإجماع على أحد القولين، فإذا حصل الإجماع على أحدهما بعينه ارتفع الجواز بالأخذ بالآخر، لتعين الأخذ بما أجمع عليه على سبيل التعيين وبطلان الأخذ بمخالفه، فكان الإجماع الأول مشروطًا بهذا الشرط، فإذا وجد الإجماع الثاني فقد زال شرط الإجماع الأول فانتفى الإجماع الأول لانتفاء شرطه لا لأن الإجماع الثاني نسخ الإجماع الأول.

المسألة الثانية: النسخ بالإجماع:

قبل ذكر الكلام في مسألة النسخ بالإجماع ننبه إلى اعتراض أورده ابن قدامة -رحمه الله- في (روضته) على كون الإجماع لا يصلح أن يكون منسوخًا فقال -رحمه الله-: “فإن قيل: فيجوز أن يكونوا ظفروا -يعني المجمعين- بنص كان خفيًّا وأقوى من النص الأول، أو ناسخ له”.

ومعنى كلام الشيخ: أنه لما ثبت أن الإجماع لا يكون منسوخًا اعترض على ذلك، وقيل: إن نسخ الإجماع متصور.

وبيان ذلك: أنه من الممكن أن يكون الإجماع قد انعقد برهة من الزمن -يعني فترة وجيزة- ثم ظهر للمجمعين حديث كان قد خفي عليهم، ولم يعلموا به أثناء إجماعهم، هذا النص وهو الحديث الذي ظفروا به وظهر لهم هو أقوى من النص الأول الذي هو مستندهم في الإجماع، أو هو ناسخ للأول الذي هو مستندهم في الإجماع، وحينئذ فيكون ذلك النص وهو الحديث ناسخًا لما ثبت بالإجماع.

هذا حاصلٌ الاعتراض الذي أورده ابن قدامة على كون الإجماع لا يصلح أن يكون منسوخًا.

ثم أجاب عنه -رحمه الله- بقوله: “قلنا: فيضاف النسخ إلى النص الذي أجمعوا عليه لا إلى الإجماع”.

حاصل هذا الجواب: أن هذا الكلام -أعني الاعتراض- باطل؛ لأن النسخ يضاف إلى النص؛ أي: فيكون المنسوخ هو النص الذي كان مستند الإجماع، ولا يضاف إلى الإجماع، حيث إن هذا الإجماع بطل من أصله بظهور ذلك النص، لا أن الإجماع يكون مرفوعًا بعد استقراره.

هذا جواب ابن قدامة على الاعتراض.

وقد أجاب غيره عن هذا الاعتراض كابن برهان بقوله: “إن هذا الاعتراض باطل؛ وذلك لأن المجمعين مقطوع بصحة أقوالهم، فلو جوزنا الإجماع ولم يكن علمهم محيطًا بذلك النص -يعني الذي كان خفيًّا وهو الحديث- لخرج الإجماع عن أن يكون دليلًا قطعيًّا، وذلك مستحيل”.

وكلا الجوابين صحيح والحمد لله.

هل يكون الإجماع ناسخًا لغيره من الأدلة أم لا؟

اختلف العلماء في النسخ بالإجماع على مذهبين:

المذهب الأول: أن الإجماع لا يكون ناسخًا لغيره. وهذا مذهب جمهور العلماء ومنهم ابن قدامة -رحمه الله-.

قال الصيرفي: “ليس للإجماع حظٌّ في نسخ الشرع”.

وقال ابن حزم -رحمه الله-: جوز بعض أصحابنا أن يرد حديث صحيح والإجماع على خلافه. قال: وذلك دليل على أنه -أي الحديث الصحيح- منسوخ، قال: وهذا عندنا غلط فاحش؛ لأن ذلك معدوم لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجر: 9] وكلام الرسول صلى الله عليه  وسلم وحيٌ محفوظ. انتهى كلام ابن حزم-رحمه الله-.

وبه يعلم أن الإجماع لا يكون ناسخًا لغيره.

المذهب الثاني: أن الإجماع يصح أن يكون ناسخًا لغيره. وهو مذهب بعض المعتزلة وعيسى بن أبان.

قال الشريف المرتضى: “إن دلالة الإجماع مستقرة في كل حال، قبل انقطاع الوحي وبعده، فالأقرب أن يقال: إن الأمة أجمعت على أن ما ثبت بالإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به”. أي: لا يقع ذلك لا أنه غير جائز. قال: “ولا يلتفت إلى قول عيسى بن أبان: إن الإجماع ناسخ لما وردت به السنة من وجوب الغسل من غسل الميت”.

ونقل التفتازاني عن فخر الإسلام البزدوي أنه يقول: “يجوز نسخ الإجماع بالإجماع؛ وذلك أن الإجماع الأول يكون مصلحة ثم تتبدل هذه المصلحة فيحدث إجماع على خلاف الإجماع الأول”.

وقال بعض الحنابلة -كما ذكر الشوكاني في (إرشاد الفحول)-: يجوز النسخ بالإجماع لكن لا بنفسه بل بسنده، -قد قررنا لكم الآن أن كلَّ إجماع لا بد له من مستند ودليل فبعض الحنابلة جوزوا النسخ بالإجماع لكن لا بنفس الإجماع بل بمستند هذا الإجماع-، فإذا رأينا متنًا صحيحًا والإجماع بخلافه استدللنا بذلك على نسخه، وأن أهل الإجماع الأول اطلعوا على ناسخ وإلا لما خالفوه.

هذا حاصل المذهب الثاني وهو أن الإجماع يصح أن يكون ناسخًا لغيره.

وممن جوز كون الإجماع ناسخًا: الحافظ البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه)، ومثل لذلك بحديث الوادي الذي في الصحيح حين ((نام رسول الله صلى الله عليه  وسلم فما أيقظه إلا حر الشمس)) يعني: نام صلى الله عليه  وسلم ومعه أصحابه عن صلاة الفجر فما أيقظه إلا حر الشمس. وقال في آخره: ((فإذا سها أحدكم عن صلاته فليصلها حين يذكرها ومن الغد للوقت)) يعني: يصليها مرة حين يذكرها ويصليها في وقتها في اليوم الثاني. قال الحافظ البغدادي: فإعادة الصلاة المنسية بعد قضائها حال الذكر وفي الوقت، منسوخ بإجماع المسلمين لا يجب ولا يستحب.

هذا كلام الحافظ البغدادي وأنت من خلاله تعلم أنه يرى جواز النسخ بالإجماع.

أدلة كل مذهب على ما ذهبوا إليه:

أدلة الجمهور:

استدل الجمهور على أن الإجماع لا يكون ناسخًا لغيره بالآتي:

قالوا: المنسوخ بالإجماع إما أن يكون نصًّا من كتاب أو سنة، وإما أن يكون إجماعًا، وإما أن قياسًا.

وهذا كلام في غاية الوضوح، فالمنسوخ بالإجماع إما أن يكون نصًّا يشمل القرآن والسنة، وإما أن يكون إجماعًا، وإما أن يكون قياسًا.

وأما الأول وهو النص فباطل؛ لاستحالة انعقاد الإجماع على خلاف النص -كما قررنا قبل ذلك-؛ وذلك لأن الإجماع لا بد له من دليل يستند إليه المجمعون في إجماعهم، وإلا كان الإجماع باطلًا. قال الجمهور: فإن كان المجمعون لم يطلعوا على هذا النص كان إجماعهم باطلًا لوجود ما يخالفه، وإن اطلعوا عليه وأجمعوا على خلافه دل ذلك على أن هذا النص مرجوح، وما استندوا إليه في إجماعهم راجح، وبذلك يكون الناسخ للنص هو النص الذي استندوا إليه.

وهذا حاصل كلام بعض الحنابلة -كما ذكرناه قريبًا- ويكون ذلك من نسخ النص بالنص لا من نسخ النص بالإجماع.

إذًا أثبتنا الآن أنه لا يجوز أن يكون الإجماع ناسخًا للنص الذي هو الكتاب والسنة.

وأما الثاني وهو الإجماع فباطل أيضًا؛ يعني الإجماع لا يكون ناسخًا لإجماع آخر لاستحالة انعقاد الإجماع على خلاف إجماع آخر لما قلناه في المثال السابق.

وأما الثالث وهو القياس فباطل أيضًا؛ لأن شرط القياس أو شرط صحة العمل بالقياس أن لا يوجد ما يخالفه، فإذا انعقد الإجماع على خلاف القياس زال العمل بالقياس لزوال شرطه، وزوال المشروط لزوال الشرط لا يسمى نسخًا.

هذا دليل الجمهور على أنه لا يكون الإجماع ناسخًا لغيره من الأدلة.

أدلة المخالفين:

استدل المخالفون -وهم بعض المعتزلة ومعهم عيسى بن إبان- على أن الإجماع يكون ناسخًا لغيره بالآتي:

استدل عيسى بن أبان ومن وافقه من المعتزلة على أن الإجماع يكون ناسخًا بدليلين:

الدليل الأول من جهة العقل، والدليل الثاني من جهة النقل.

يعني استدلوا على أن الإجماع يكون ناسخًا بدليل عقلي وآخر نقلي.

فما هو الدليل العقلي على جواز أن يكون الإجماع ناسخًا؟

قالوا: إن الإجماع دليل من الأدلة الشرعية القطعية -وهذا كلام صحيح- التي يجوز التخصيص بها والنسخ بيان كالتخصيص. يعني: أرادوا أن يلحقوا النسخ بالتخصيص، ولا شك أن التخصيص يحصل بالإجماع، فما المانع أن يحصل النسخ بالإجماع؟ والنسخ بيان كالتخصيص، فصح حينئذ أن يكون الإجماع ناسخًا كما صح أن يكون مخصصًا.

هذا الدليل الأول من المعقول لأصحاب المذهب الثاني.

وقد أجاب الجمهور عن هذا الدليل بوجهين:

الوجه الأول: قالوا: ليس كل ما يصح التخصيص به يصح النسخ به، فالدليل العقلي مثلًا يصح التخصيص به ولا يصح النسخ به.

وحاصل الجواب في هذا الوجه: أن قياسكم النسخ على التخصيص قياسٌ مع الفارق، فالدليل العقلي مثلًا يصح التخصيص به، ولكنه لا يصح النسخ به.

إذًا هناك فرق بين التخصيص وبين النسخ، وقد ذكرنا والحمد لله في أول الكلام عن النسخ، فليس كل ما يصح التخصيص به يصح النسخ به، بدليل أن العقل يصح التخصيص به ولا يصح النسخ به.

الوجه الثاني: على دليل بعض المعتزلة وعيسى بن أبان فهو: أن هذا قياس مع الفارق؛ لأن النسخ رفع للحكم بالكلية، نسخ يرفع الحكم كلية، بخلاف التخصيص فإنه قصر للحكم على بعض أفراد العام -كما قررنا قبل ذلك وقلنا: إن التخصيص أو الخاص قصر الحكم على بعض أفراد العام- والتخصيص لم يوجد فيه ما يمنع من كون الإجماع مخصصًا، بخلاف النسخ، فقد وجد فيه ما يمنع من كون الإجماع ناسخًا.

وقد تقدم بيان هذا المانع في دليل الجمهور.

دليل أصحاب المذهب الثاني من جهة النقل:

أولًا: قالوا: إن ابن عباس رضي الله  عنه قال لعثمان بن عفان رضي الله  عنه: “ما بال الأم تحجب من الثلث إلى السدس بالأخوين”.

الأم في الميراث لها ثلاثة أحوال: تأخذ ثلث التركة عند عدم وجود الفرع الوارث أو عدد من الإخوة، وتأخذ سدس التركة عند وجود الفرع الوارث أو عدد من الأخوة، وتأخذ ثلث الباقي فيما لو انحصر الميراث في الأبوين وأحد الزوجين، فكأن عددًا من الإخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، لكن ما هو هذا العدد أخوان أو ثلاثة فأكثر، فابن عباس رضي الله  عنه يقول لعثمان رضي الله  عنه: “ما بال الأم تحجب من الثلث إلى السدس بالأخوين”. كأن ابن عباس يرى أن الأخوين لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس؛ لأنهما ليسا عددًا، والله تعالى يقول: { فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] فقال عثمان رضي الله  عنه: حجبها قومك يا غلام.

ووجه الاستدلال من هذا الأثر: أن قول عثمان رضي الله  عنه وهذا ظاهر في أن إجماع الصحابة على أن الأم تحجب من الثلث إلى السدس بالأخوين قد نسخ ما تفيده الآية من الحجب بالإخوة.

الآية تقول: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] إذًا الأم تنتقل من الثلث إلى السدس بعدد من الإخوة، ثم نسخ هذا بالأخوين، والنسخ هذا إنما حصل بالإجماع؛ لذلك قال عثمان رضي الله  عنه: حجبها قومك يا غلام.

يعني: أجمع قومك على أن الأم تحجب من الثلث إلى السدس، وبذلك يكون الإجماع ناسخًا للنص وهو المطلوب.

وقد أجاب الجمهور عن هذا الدليل بالآتي:

قالوا: إن نسخ الآية يتوقف على أنها تفيد أن الأم لا تحجب بالأخوين، وهذا محل خلاف؛ لأن العلماء اختلفوا في أقل الجمع: هل هو اثنان أو أكثر؟ ويتوقف أيضًا على أن الأخوين ليسا إخوة، وكل منهما محل نزاع؛ فإن الآية إنما تدل على أن الأم تحجب بالإخوة، أما أنها لا تحجب بالأخوين فذلك مسكوت عنه.

ولو سلمت دلالة الآية على أن الأم لا تحجب بالأخوين فذلك إنما يكون بمفهوم المخالفة، وهو أيضًا مختلف في حجيته.

أما أن الأخوين ليسا إخوة فإن كان ذلك على سبيل الحقيقة فمسلم، ولكن المجاز لا حجر فيه، وعلى ذلك يكون المراد من الإخوة في الآية الأخوين مجازًا، ويكون معنى قول عثمان لابن عباس: حجبها قومك؛ أي بلغتهم حيث قالوا: إن لفظ الأخوة مراد به الأخوان، وبهذا ثبت أن الآية لا نسخ فيها.

أما الدليل الثاني من جهة النقل: فهو أنه سقط سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة عند الحنفية ومن وافقهم بإجماع الصحابة في زمن أبي بكر رضي الله  عنه.

فقد روى الطبراني أن عمر بن الخطاب رضي الله  عنه لما أتاه عيينة بن حصن قال: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] يعني: اليوم ليس المؤلفة، ولم ينكره أحدٌ من الصحابة، فصار إجماعًا.

ووجه الاستدلال: أن قول عمر رضي الله  عنه ظاهر في إجماع الصحابة على سقوط سهم المؤلفة قلوبهم، فنسخ ما دلت عليه الآية من ثبوت نصيبهم في الزكاة.

وقد أجاب الجمهور عن ذلك: بأن سقوط سهم المؤلفة قلوبهم ليس من قبيل النسخ، بل هو من قبيل انتهاء الحكم لانتهاء علته، وهو الإعزاز للإسلام.

وبهذا اتضح رجحان مذهب الجمهور في المسألة، وهو أن الإجماع لا يُنسخ ولا ينسخ به.

error: النص محمي !!