Top
Image Alt

نسخ الإجماع والقياس والنسخ بهما، وحكمة وجود النسخ

  /  نسخ الإجماع والقياس والنسخ بهما، وحكمة وجود النسخ

نسخ الإجماع والقياس والنسخ بهما، وحكمة وجود النسخ

1. نسخ الإجماع بغيره: بأن يكون الإجماع منسوخًا، والحق عدم جوازه فضلًا عن وقوعه؛ لأن الإجماع دليل قطعي، فالحكم الثابت به قطعي، والإجماع كذلك لا يعتبر حجّةً إلا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يُعقل بعد الإجماع وجود دليل قطعيّ ينسخ الإجماع؛ وذلك لأن هذا القطعيّ إمّا أن يكون نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا، فالنص لا يعقل وجوده بعد إجماع الأمة، ضرورة تقدم النّصّ على الإجماع، والإجماع الآخر لا يعقل كذلك، وإلا كانت الأمة -أولًا- مجمعة على خطأ، والقياس لا يجوز أن يكون ناسخًا للإجماع؛ لأن نسخ الإجماع به يقتضي أن يكون الحكم الدال على الأصل حادثًا بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو باطل، فإذن: لا يُعقل نسخ الإجماع بقطعي، كما أن غير القطعي لا يكون ناسخًا له بها. 2. النسخ بالإجماع: بأن يكون الإجماع هو الناسخ لغيره، والحق أن الإجماع لا يكون ناسخًا لغيره أيضًا؛ وذلك لأن المنسوخ به إما أن يكون نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا، ولا جائزَ أن يكون نصًّا؛ لأن الإجماع لا بد أن يكون له نصّ يستند إليه، وخاصة إذا انعقد على خلاف النّصّ، وإذن يكون الناسخ هو ذلك النّصّ الذي استند إليه الإجماع، لا نفس الإجماع. ولا جائز أن يكون المنسوخ بالإجماع إجماعًا؛ لأن الإجماع لا يكون إلا عن دليل من نص أو قياس، وإلا كانت الأمة -أولًا- مجمعة على خطأ وضلالة، ثم إن الإجماع الثاني لا بد أن يعتمد على نصٍّ حَدَثَ بعد الإجماع الأول؛ إذ لو تحقق ذلك النص قبل الإجماع الأول ما انعقد الإجماع على خلافه، ومُحال أن يحدث نص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويتعلق بنسخ الإجماع: النسخ به؛ والنسخ به -أيضًا- أننا نقول: ولا جائز أن يكون المنسوخ بالإجماع قياسًا؛ لأن الإجماع على خلاف القياس يقتضي أحد الأمرين: إما خطأ القياس وإما انتساخه بمستند الإجماع، وعلى كلا التقديرين لا يكون الإجماع ناسخًا. وأما قول العلماء: هذا الحكم منسوخ إجماعًا، فمعناه: أن الإجماع انعقد على أنه نُسخ بدليل من الكتاب أو السنة، لا أن الناسخ هو الإجماع، فالمراد إجماع الأمة على النسخ، وليس النسخ بالإجماع. والقول: بأن الإجماع لا يكون ناسخًا ولا منسوخًا هو قول الجمهور، وخالف بعض المعتزلة فجوزوا أن يكون الإجماع ناسخًا لغيره. 3. النسخ بالقياس: وذلك بأن ينسخ القياس حكمًا دلَّ عليه قياس، أو حكمًّا دلّ عليه نصّ. 4. نسخ القياس بالنص: وهاتان الصورتان مختلف فيهما عند العلماء، والجمهور على جواز نسخه، والنسخ به إن كان قطعيًّا، وعلى منعه إن كان ظنيًّا. وهذه أدلة كل فريق من الثلاثة؛ ليتبين الحق من الباطل: أولًا: أدلة المانعين مطلقًا: استدل المانعون لنسخ القياس مطلقًا بأنَّ نسخه يقتضي ارتفاع حكم الفرع مع بقاء حكم الأصل، وهذا لا يُعقل؛ والرد عليه بأمرين: أحدهما: أن نسخ القياس لا يقتضي ما ذكروه؛ بل يقتضي ارتفاع حكم الأصل تبعًا لارتفاع حكم الفرع. والثاني: أنه لا مانع عقلًا من أن ينسخ الشارع الفرع، بناءً على أنه اعتبر قيدًا في العلة، لم يكن معتبرًا من قبل، وهذا القيد موجود في الأصل دون الفرع. ثانيًا: أما المجيزون: فقد استدل المجيزون لنسخ القياس والنسخ به مطلقًا إلى: ‌أ. أن القياس دليل شرعي، لم يقم دليل عقلي ولا نقلي على امتناع النسخ به، وما كان كذلك فهو جائز. ‌ب. وتُعقب هذا الاستدلال بأن الإطلاق فيه يستلزم التسوية بين ظني القياس وقطعيه، كما يستلزم جواز ارتفاع القطعي منه بالظني، وكلاهما غير مقبول عقلًا ولا نقلًا. ‌ج. استدل الجمهور على جواز نسخ القياس والنسخ به إن كان قطعيًّا، بأن القياس القطعي لا يستلزم نسخه، ولا النسخ به، محالًا عقليًّا ولا شرعيًّا، واستدلوا على عدم جواز نسخه والنسخ به إن كان ظنِّيًّا بأن جواز ذلك يستلزم المحال… إلى آخره. وهذه المسألة تتعلق بالأصول أكثر منها بالنسخ، وإنما ذكرتُها؛ تتميمًا للفائدة. 5. حكمة وجود النسخ: مما سبق يتبين: أن النسخ وقع في الشريعة الإسلامية: نسخ التلاوة، أو نسخ الحكم، أو نسخهما معًا، كما أن النسخ قد وقع بالشريعة الإسلامية لِمَا سبقها، فالإسلام قد نسخ كلَّ دين سبقه، ولكل ذلك حكمته البالغة. أما حكمته سبحانه في نسخ الأديان السابقة بالإسلام، فهذا راجع إلى أن شريعة الإسلام أكملُ الشرائع، حيث وافت البشرية بما يفي بحاجاتها، ويحقق لها سعادتها في الدارين بعد أن اكتملت وبلغت رشدها، إذ إن الإنسانية قد تقلبت وتطورت في حياتها كتقلب الطفل، وظلت تنمو وتزدهر معرفةً وحضارةً ورقيًّا، حتى نضجت واستوت، فنسبها هذا الدين الكامل الجامع لكل مصالح البشرية، والمتضمن لِمَا يجعله بحق دينًا عامًّا خالدًا دائمًا ما دامت السماوات والأرض، بعد أن كانت الشرائع محدودة بزمن وبمكان وبقوم مخصوصين قبل ذلك لا تُشرع لأهلها إلا بقدر طاقتها المحدودة، وحاجتها القليلة. أما حكمة الله في نسخ بعض أحكام الإسلام ببعض فذاك راجع إلى أسلوب التربية الحكيمة، ومنهج الهداية الرحيم، الذي أنزله رحمان الدنيا ورحيم الآخرة، حيث دأبت الأمة الخاتمة على أوضاعٍ عاشتها قرونًا بما فيها من عقائد، وموروثات، وعادات، وتقاليد، اعتبروها مفاخرهم وحسبوها أمجادهم رغم ما فيها من أباطيل و أخطاء. فكان لا بد من إصلاح ذلك، وصبغه بصبغة الحق والهدى، فاقتضى ذلك التدرج في التشريع، والأخذ في التغيير رويدًا رويدًا؛ ليكون ذلك أعون وأسلم في التربية، وأسرع في الامتثال، وتحقيق الرقي الأخلاقي. ولو أن هذا التشريع قد نَزَل بغتة وفجأ الناس بما فيه لصعب عليهم الاستجابة، وشق عليهم التنفيذ، ولتعثروا في أول الطريق عثرات، وكَبَوْا كَبَوات أَرْجَعَتْهُم إلى الوراء. أضف إلى ذلك: أن نسخ الحكم بما هو أخف على الناس فيه ترفيه عنهم، وإظهار لفضل الله عليهم، ورحمته بهم، فيحملهم على شكره والتمسك بدينه. وقبل كل هذا وبعده، فالله هو مالك الملك، والفعال لما يريد: {وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68]. وفي كل شيء حكمة ظهرت لنا أو خفيت، وبقدر الإخلاص والاستقامة على أمر الله تتجلى لنا أسرار هذا التشريع الإسلامي الحنيف، والقرآن المجيد الذي لا تنقضي عجائبه، ولا تنفذ كلماته، ولا تنتهي معارفه وعلومه. 6. موقف العلماء من المنسوخ: العلماء عندما ذكروا الآياتِ المقولة بنسخها، كانوا بين مفرط، ومقتصد؛ فبعضهم: سلك في النسخ مسلك الإنكار، وهؤلاء مفرطون، منعوا وقوع النسخ وتأولوا الآيات المنسوخة بأنها من قبيل ما دخله التخصيص. وهناك المقتصدون: قالوا بالنسخ في حدوده المعقولة، فلم ينفوه نفي المنكرين، ولم يبالغوا فيه مبالغة المغالين؛ بل وقفوا عند الآيات التي استكملت شروط النسخ. وهناك الغالون: الذين سلكوا مسلك التوسع الزائد عن حده، فأدخلو فيه ما ليس منه؛ لشبه تراءت لهم كأبي جعفر النحاس في كتابه (الناسخ والمنسوخ) وهبة الله بن سلامة، وابن حزم، وغيرهم، فإنهم ألفوا كتبًا في النسخ، أكثروا فيها من ذكر الناسخ والمنسوخ دون ضوابط، وإنما اشتباهًا منهم، وغلطًا. ولعل أسباب التوسع في الآيات تتلخص فيما ذكره العلامة الزرقاني على ما سنبينه. أسباب الغلط في التوسع في ذكر الآيات: ذكر العلامة الزرقاني أسباب هذا التوسع عند المتزيدين وحَصَرَهَا في أمور خمسة، لا مانع من ذكرها؛ لنتبين ما هو السبب والمرجع في أن توسع بعض العلماء القدامى على وجه الخصوص فيما ذكروه من الآيات التي قيل بنسخها، فوسعوا الدائرة في ذلك، الأسباب الخمسة: السبب الأول: ظنوا أن ما شُرع لسبب، ثم زال سببه هذا من المنسوخ، فعدوا الآيات التي وردت في الحثِّ على الصبر وتحمل أذى الكفار والإعراض عنهم منسوخةً بآيات القتال، مع أنها ليست منسوخة؛ بل هي من الآيات التي دارت أحكامها على أسباب. فالمسلمون أمروا بالصبر أيام ضعفهم في أول الأمر، ثم أمروا بالجهاد أيام قوتهم بعد أن قامت لهم الدولة في المدينة، والحكم لا يزال باقيًا، واعتبره العلماء من قبيل المنسأ -أي: المؤخر. السبب الثاني: غلطهم وتوهمهم أن رفع ما كان عليه أهل الجاهلية، أو رفع شرائع مَن قبلنا، أو رفع ما كان عليه الأمر أول الإسلام، كإبطال نكاح نساء الآباء أو تحليل بعض المطعومات التي كانت محرمة على مَن قبلنا، أو تحديد عدد الزوجات بأربع، كل ذلك حسبوه نسخًا وليس كذلك؛ لأن الإسلام إنما رفع فيه البراءة الأصلية وهي حكم عقلي لا حكم شرعي، ولا يخفى ما مضى من التعريف أن النسخ: رفع حكم شرعي بحكم شرعي آخر، فإن كان الحكم المرفوع حكمًا عقليًّا لا شرعيًّا فلا يعتبر من النسخ. السبب الثالث: اشتباه التخصيص بالنسخ كالآيات التي خُصصت باستثناء، أو خصصت بغاية، أو بنص آخر، كقوله تعالى: {وَالشّعَرَآءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ (226) إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ} [الشعراء: 224- 227] وكقوله: {فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتّىَ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: 109]، فقد عد العلماء أو بعضهم ذلك من قبيل النسخ، وهو في الحقيقة تخصيص، وليس من قبيل النسخ. السبب الرابع: اشتباه البيان عليهم بالنسخ، حيث عدوا كثيرًا من الآيات المبينة للمبهم أو المفصلة للمجمل فيها نسخ، وليست كذلك، كقوله تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6]، فإنه بيان؛ لقوله تعالى: {إِنّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىَ ظُلْماً إِنّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء: 10]. السبب الخامس: توهم التعارض بين الآيتين، فيلجئون إلى القول بالنسخ مع أنه في الحقيقة لا تعارض بينهما، فلا نسخ كالآيات الواردة في الإنفاق، فحملوا مثل قول الله تعالى: {أَنْفِقُواْ مِمّا رَزَقْنَاكُم} [البقرة: 254]، على أنها منسوخة بآية الزكاة، والحق في مثل قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ} [النساء: 77]، والحق أنه لا تعارض بينهما، فهذه عامة في الصدقة المندوبة وغيرها، وتلك في الزكاة المفروضة. وكقولهم في الآية: {وَقُولُواْ لِلنّاسِ حُسْناً} [البقرة: 83]. قال بعضهم: إنها منسوخة بآية السيف، وهي قول الله -جل وعلا-: {فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ} [التوبة: 5]، {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفّةً} [التوبة: 36]، والحق أنه لا نسخ البتة؛ لأن آية قوله: {وَقُولُواْ لِلنّاسِ حُسْناً} [البقرة: 83]، هي حكاية للميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل، فهي من قبيل الأخبار، ولا نسخ في الأخبار كما مر. هذه أهم الأسباب التي نشأ عنها الغلط في النسخ، فتوسع فيه من توسع، وذكروا آيات كثيرة، ولا حرج أن ترى بعض العلماء ذكر الآيات المنسوخة، وجعلها قد تجاوزت مائة وعشرين آية، وذكر السور التي بها آيات منسوخة وآيات ناسخة، أنها سور تزيد عن الثمانين، بينما الآيات التي تحقق القول فيها بالنسخ لم تتجاوز اثنتين وعشرين آية، والمترجح منها هو تسع آيات فقط. بعد هذا نختم بقول العلامة الزركشي عندما عدد ما ذكروه من النسخ، وليس منه، فيقول: الثالث -أي: من الأشياء التي بها توسعوا- ما أُمر به لسبب، ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف، والقلة بالصبر وبالمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله، ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، ونحوها، ثم نسخه إيجاب ذلك،. وهذا ليس بنسخ في الحقيقة، وإنما هو نسيء كما قال تعالى: {أَوْ نُنسِهَا} فالمنسأ: هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون. أما في حال الضعف فإنه يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى. وبهذا التحقيق يتبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف؛ وليس كذلك بل هي من المنسَّأ.

error: النص محمي !!