Top
Image Alt

نسخ الإسلام للديانات السابقة، وحكمه، وأدلة وقوعه من القرآن

  /  نسخ الإسلام للديانات السابقة، وحكمه، وأدلة وقوعه من القرآن

نسخ الإسلام للديانات السابقة، وحكمه، وأدلة وقوعه من القرآن

اعلم أن دين الله عز وجل هو الإسلامُ كما قال تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 18، 19] {إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ}، والله إله واحد، خلق الخلق ليعبدوه، فأرسل رسلًا وأنزل كتبًا، وجميع الرسل دعوا إلى الإسلام وإلى توحيد الملك العلام: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ إِلاّ نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وتتابع الرسلُ لأداءِ هذه المهمة وكمال تلك الرسالة، حتى اكتملت بالرسالة الخاتمة العصماء على يد إمام الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه  وسلم، وفي هذا نزل قول الله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 3]، ومن ثَم لم يرتضِ الله عز وجل دينًا غير الإسلام، فقال: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].

والرسالات لو لم يقع فيها التغيير والتحريف والتبديل، لكانت متتابعةً متكاملةً متجانسةً، لكن الذي حدث أن خللًا وتحريفًا وقع في رسالة عيسى عليه السلام، ومن قبل في رسالة موسى عليه السلام، ووقع التحريف في التَّوْرَاةِ والإنجيلِ كليهما. ومن ثم جاءت رسالة عيسى لتكون ناسخة لبعض الأحكام في رسالة موسى، ثم جاءت رسالة محمد صلى الله عليه  وسلم لتكون ناسخة لرسالة موسى وعيسى، أي: فيما وقع فيهما من تحريف، بل وفي كل الرسالات السابقة؛ ليكون الإسلام هو الدينُ الخاتمُ، وليكون القرآن الكتاب المهيمن والمصدق: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [المائدة: 48].

هل الإسلام نسَخَ ما قبله من الديانات؟ ولماذا يعترض الآخرون على هذا المعنى؟

ونقول حول هذه القضية: إن كثيرًا ما يثير النصارى في كلامهم وفي شُبهاتهم موضوع الناسخ والمنسوخ، قائلين: إن الله عند المسلمين يغير من أوامره، ويعود فيها، فيكون قد نسخ ما قاله من قبل، وهم إذ يقولون هذا غالبًا ما يرددونه بدون وعي أو فهم، ولا يعلمون أن كتابهم المقدس -كما يزعمون- مليء بالنسخ والتغيير.

وبادئ ذي بدء نقول: ما النسخ إذًا؟

النسخ في اللغة العربية: يطلق على أربعة معانٍ: النقل، والإزالة، والتحويل، والتبديل.

فمثال الأول: قول العرب: نسخت الكتابَ، إذا نقلت ما فيه إلى كتاب آخر، ومثال الثاني: نسخت الريح الآثارَ، إذا أزالتها فلم يبقَ منها عِوض، ولا حَلَّتْ الريحُ محل الآثار، ومثال الثالث: تناسخ المواريث، يعني: تحويل الميراث من واحد إلى واحد، ومثال الرابع: قولهم: نَسخت الشمس الظلَّ، إذا أزالته وحلت محله.

أما في الاصطلاح الشرعي: فخلاصة ما قيل في تعريفه: أنه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر.

ومن هنا تأتي قضية النسخ في القرآن الكريم كواحدة من قضايا العلوم التي لها أهمية كبيرة في فَهم القرآن خاصةً والإسلام عامةً؛ ولذا فقد اعتنى السلف الصالح بهذا العلم، وقالوا: لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله تعالى إلا بَعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ، وقالوا أيضًا: إن كل من يتكلم في شيء من علم هذا الكتاب العزيز ولم يعلم الناسخ والمنسوخ، كان ناقصًا. وروي عن علي رضي الله  عنه أنه دخل يومًا مسجد الجامع بالكوفة، فرأى فيه رجلًا يُعرَف بعبد الرحمن بن دأب كان صاحبًا لأبي موسى الأشعري رضي الله  عنه، وقد تحلق الناس عليه يسألونه، وهو يخلط الأمر بالنهي، والإباحة بالحظر، فقال له علي رضي الله  عنه: “أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال هلكتَ وأهلكتَ”.

وقد أحصى أحد الباحثين ما أُلِّفَ في قضية النسخ في القرآن الكريم بما يزيد على سبعين مؤلفًا، مما يدل على اعتناء العلماء بهذه القضية وإدراكهم لقضيتها، ومدى تأثيرها في فهم الإسلام وشريعته.

حكم النسخ:

يذهب أهل الأديان مذاهبَ ثلاثة في النسخ:

أولها: أنه جائز عقلًا وواقع سمعًا أي: يقبله العقل وقد وقع بالفعل، وعليه إجماع المسلمين من قبل أن يظهر أبو مسلم الأصفهاني ومن شايعه، وعليه أيضًا إجماع النصارى، ولكن من قبل هذا العصر الذي خرقوا فيه إجماعهم، وركبوا فيه رءوسهم، وهو كذلك رأي العيسوية وهم طائفة من طوائف اليهود الثلاث.

ثانيها: أن النسخ ممتنع عقلًا وسمعًا أي: لا يقبله العقل ولم يقع، وإليه جنح النصارى جميعًا في هذا العصر، وتشيعوا له تشيعًا ظهر في حملاتهم المتكررة على الإسلام، وفي طعنهم على هذا الدين القويم من هذا الطريق -طريق النسخ- وبهذه الفِرية أيضًا قال الشمعونية، وهم طائفة من اليهود.

ثالثها: أن النسخ جائز عقلًا ممتنع سمعًا، أي: يقبله العقل ولكنه لم يقع، وبه تقول العنانية وهي الطائفة الثالثة من طوائف اليهود، ويعزى هذا الرأي إلى أبي مسلم الأصفهاني من المسلمين، ولكن على اضطراب في النقل عنه، وعلى تأويل يجعل خلافه لجمهرة المسلمين شبيهًا بالخلاف اللفظي.

أدلة وقوع النسخ من القرآن الكريم:

جاءت آيات القرآن الكريم صريحةً في إثبات وقوع النسخ في أحكام الشريعة الإسلامية، من ذلك قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]، وقوله تعالى: {وَإِذَا بَدّلْنَآ آيَةً مّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ قَالُوَاْ إِنّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 101]، وقال المفسرون: إن المشركين قالوا: أترَون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولًا ويرجع عنه غدًا، ما هذا في القرآن إلا كلام محمد بقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضُه بعضًا، فأنزل الله هاتين الآيتين، وقوله تعالى: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39].

بل إن بعض آيات القرآن الكريم جاءت مشتملةً على نسخ في نصها؛ سواء ما كان منها متعلقًا بأهل الكتاب، مثل قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مّنَ الّذِينَ هَادُواْ حَرّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِلّتْ لَهُمْ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً} [النساء: 160]، أو كان النسخ خاصًّا بالمسلمين مثل قوله تعالى: {الاَنَ خَفّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوَاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ} [الأنفال: 66].

إذًا، قضية النسخ مقررة، ولكن الغربيين عامةً والمستشرقين خاصةً ادعوا أن النسخ كان لأغراض خاصة صِيْغَ من أجلها القرآن الكريم. وبهذا طعنوا في قضية النسخ التي هي مقررة ليس في الإسلام فحسب، بل في كل الرسالات، وأَمْر أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال كلامًا ونسخه، وعلى هذا هو مؤلف القرآن الكريم، هذا كلام أتفه من أن يرد على صاحبه، وقد رد عليه في غير هذا المجال، مما دل على أن القرآن الكريم هو كلامُ الله عز وجل وما زاد فيه محمد صلى الله عليه  وسلم ولا نقَصَ، وقد قال الله عز وجل له: {وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ (44) لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُمْ مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 44- 47].

وَبَيَّنَ القرآنُ مهمةَ الرسولِ صلى الله عليه  وسلم بوضوح في مثل قوله تعالى: {إِنْ عَلَيْكَ إِلاّ الْبَلاَغُ} [الشورى: 48]، وفي قوله: {إِنّمَآ أَنتَ مُذَكّرٌ} [الغاشية: 21]، كما بَيَّنَ أنه مبين ومفسر للقرآن في مثل قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ} [النحل: 44].

فالقرآن الكريم كتاب الله -تبارك وتعالى- ولا تناقضَ فيه أبدًا، والنسخ أمر وارد في القرآن، وليس فيه ما ادعاه المستشرقون أنه تبرير نتيجة لخطأ، فهذا ما لا وجودَ له في الإسلام؛ لأن القرآن من عند الله تعالى وليس من صنع البشر، كما أن النسخ ليس من عند المسلمين، ولا من عند الرسول صلى الله عليه  وسلم ولكنه من عند الله -تبارك وتعالى-، وقد أضافه الله عز وجل إليه في قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106].

فينبغي أن تعلم أن سبب الخطأ الذي دار فيه المستشرقون حول النسخ إنما يعود إلى فهم سطحي لبعض نصوص القرآن الكريم، دون محاولتهم فهم طبيعة التشريع الإسلامي، وقضية النسخ من مفردات هذا التشريع. وأن النسخ وإن كان مترتبًا على تناقض النصين فيما بينهما ظاهريًّا، لكنه لا تناقضَ في إطار التشريع ولا مشكلةَ فيه؛ حيث يقول الإمام السيوطي: ولا يقع النسخُ إلا في الأمر والنهي ولو بلفظ الخبر، أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ، ومنه الوعد والوعيد. فجميع أخبار القرآن الكريم من قصص السابقين وأمور الغيب وأحوال البرزخ وما يحدث في اليوم الآخر، لا يدخله النسخ أبدًا؛ لأن نسخ الخبر يلزم تكذيب أحدهما، وهذا لا يكون في كتاب الله سبحانه وتعالى، ولا على الأمور العقلية القطعية، مثل أن الله موجود، وأنه واحد، ولا على العقائد مثل وجوب الإيمان وحرمة الكفر والشرك، ولا على الأحكام المؤبدة كقوله تعالى: {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} [النور: 4]، ولا الأحكام المؤقتة قبل وقتها المعين، ولا على الأدعية، وإنما يطرأ النسخ على الأحكام العملية المحتملة للوجود والعدم، وأن تكون غير مؤبدة ولا مؤقتة، وتسمى الأحكام المطلقة.

وقد علم أن النسخ تبديل في المعلوم لا في علم الله تعالى، وتغيير في المخلوق لا في الخالق، وهو كشفٌ لنا وبيانٌ عن بعض ما سبق به علم الله القديم المحيط بكل شيء، ويقينًا أن النسخ في القرآن ليس أمرًا عشوائيًّا، وإنما له شروط.

وضع العلماء للنسخ أربعة شروط:

أحدها: أن يكون الحكم في الناسخ والمنسوخ متناقضًا فلا يمكن العمل بهما.

الثاني: أن يكون حكم المنسوخ قبل ثبوت حكم الناسخ.

الثالث: أن يكون حكم المنسوخ ثابتًا بالشرع لا بالعادة والعرف، فإنه إذا ثبت بالعادة لم يكن رافعه ناسخًا، بل يكون ابتداء شرع آخر.

الرابع: كون حكم الناسخ مشروعًا بطريق النقل كثبوت المنسوخ، فأما ما ليس مشروعًا بطريق النقل فلا يجوز أن يكون ناسخًا للمنقول؛ ولهذا إذا ثبت حكم منقول لم يجز نسخه بإجماع ولا بقياس.

وهذه الشروط الأربعة هي التي اتفق عليها جمهور العلماء، وقد اختلفوا فيما سواها من الشروط.

هذا وينبغي أن تعلم أن النسخ ليس من مستحدثات الإسلام، بل وقع في اليهودية والنصرانية، وأمثلته في أسفارهم كثيرة متعددة، منها: الزواج بالأخت، كان جائزًا في شريعة آدم عليه السلام وقد تزوج أولاده بأخواتهم، ثم نسخ وصار محرمًا في شريعة موسى عليه السلام ففي سفر اللاويين: “عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودة في البيت أو المولودة خارجًا، لا تكشف عورتها”. اللاويين الإصحاح (18) الفقرة (9). فلو لم يكن الزواج بالأخت في شريعة آدم جائزًا للزم من هذه النصوص أن يكون أولاد آدم كلهم زناة، وواجبي القتل وملعونين، والصواب أنه كان جائزًا، ثم نُسِخَ وحرم في شريعة موسى – عليه السلام.

وأيضًا نَسْخ الأمر بالذبح: حيث ورد في سفر التكوين أن الله أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده إسحاق عليه السلام وإن كان الصواب أنه إسماعيل عليه السلام، فلما استجابَا للأمر نسخ الله سبحانه وتعالى هذا الحكم قبل العمل به، وفدى الذبيح بكبش من السماء، وتجد هذا بطوله في سفر التكوين، الإصحاح الثاني والعشرين، من الفقرة (1) إلى (14)، وكما نقله صاحب كتاب (إظهار الحق) عليه رحمة الله.

والجمع بين الأختين كان جائزًا في شريعة يعقوب عليه السلام، وقد جمع يعقوب بين أختين كما في سفر التكوين الإصحاح (29) من الفقرة (15) إلى (35)، ثم نسخت شريعة موسى عليه السلام حِليته، وصار الجمع بين الأختين حرامًا، ففي سفر اللاويين: “ولا تأخذ امرأة على أختها للضر لتكشف عورتها مع في حياتها”، سفر اللاويين الإصحاح (18) الفقرة (18). فلو لم يكن هذا الجمع بين الأختين جائزًا في شريعة يعقوب، يلزم منه أن يكون أولاده أولاد زنا -والعياذ بالله- وأكثر أنبياء بني إسرائيل من ذرية أولاده.

فهذه الأمثلة وغيرها تدل بوضوح على وقوع النسخ في اليهودية والنصرانية؛ سواء أكان ذلك داخل الشريعة الواحدة، أو فيما بينهما، باعتبار أن النصرانية جاءت تالية لليهودية، فليس مقبولًا أن يعيب النصارى إذًا على حكم النسخ في الإسلام، وقد سبق دينه إلى النسخ قبل الإسلام وكذا اليهود.

أمر آخر: إن عدد الآيات التي حقق علماء المسلمين وقوع النسخ فيها لا يزيد على العشرين آية، وليس كما زعم المستشرقون أنها أكثر من 150 آية، ويبدو أنهم يحاولون يضخمون هذه القضية لإثارة الشك في القرآن الكريم، وهذا ليس صحيحًا على ما حققه علماء المسلمين، فالعلماء في موقفهم من الناسخ والمنسوخ يتباينون في مقداره بين مُضَيِّقٍ وَمُقْتَصِدٍ وَمُوَسَّعٍ، فالمُضَيِّقُون هم الذين حاولوا التخلص من النسخ إطلاقًا، سالكين به مسلك التأويل بالتخصيص ونحوه، والمقتصدون هم الذين يقولون بالنسخ في حدوده المعقولة، فلم ينفوه إطلاقًا ولم يتوسعوا فيه جزافًا كالموسعين، بل يقفون به موقف الضرورة التي يقتضيها وجود التعارض الحقيقي بين الأدلة، مع معرفة المتقدم منها والمتأخر، والموَسِّعُون هم الذين تَزَيَّدُوا فأدخلوا في النسخ ما ليس منه بناءً على شبهة ساقطة، فإنهم أَلَّفُوا كتبًا في النسخ أكثروا فيها من ذكر الناسخ والمنسوخ؛ اشتباهًا منهم وغلطًا، ومنشأ تزيدهم هذا أنهم انخدعوا بكل ما نُقِلَ عن السلف أنه منسوخ، وفاتهم أن السلف لم يكونوا ليقصدوا بالنسخ هذا المعنى الاصطلاحي، بل كانوا يقصدون به ما هو أعم منه مما يشمل بيان المجمل وتقييد المطلق ونحو ذلك.

وقد تعقَّب بعض فطاحل العلماء هؤلاء المتزيدين بالنقد، وحصروا ما يصح بدعوى النسخ من آيات القرآن في اثنتين وعشرين آية، هذا هو عدد الآيات التي حقق العلماء وقوع النسخ فيها لا كما ذكر المستشرقون ومَن لف لفهم.

وإذا نظرنا إلى الحكمة من النسخ في القرآن الكريم وفي شريعة الإسلام بصفة عامة، يتبين لنا أن النسخ مظهر من مظاهر رحمة الله بعباده، ورأفته بهم، وحرصه على ما ينفعهم وما يعينهم على أمر دينهم ودنياهم، فالأمة الإسلامية في بدايتها حين أمر الرسول صلى الله عليه  وسلم بالصدع بدعوته، كانت تعاني فترة انتقال شاقة، بل كان أشق ما يكون عليها في ترك عقائدها وموروثاتها وعاداتها، خصوصًا مع ما هو معروف عن العرب الذين شوفهوا بالإسلام من التحمس لما يعتقدون أنه من مفاخرهم وأمجادهم، فلو أخذوا بهذا الدين الجديد مرة واحدة لأدى ذلك إلى نقيض مقصود، ومات الإسلام في مهده، ولم يجد أنصارًا يعتنقونه ويدافعون عنه؛ لأن الطفرة من نوع المستحيل الذي لا يطيقه الإنسان منه ما جاءت الشريعة إلى الناس تمشي على مهل، متألفةً لهم، متلطفةً في دعوتهم، متدرجةً بهم إلى الكمال رويدًا رويدًا، صاعدةً بهم في مدارج الرقي شيئًا فشيئًا، منتهزة فرصة الإلف والمران، والأحداث الجادة عليهم لتسير بهم من الأسهل إلى السهل، ومن السهل إلى الصعب، ومن الصعب إلى الأصعب، حتى تم الأمر، ونجح الإسلام نجاحًا لم يعرف مثله في سرعته، وامتزاج النفوس به، ونهضة البشرية بسببه.

تلك الحكمة على هذا الوجه تتجلى فيما إذا كان الحكم الناسخ أصعب من المنسوخ، كموقف الإسلام في سموه ونبله من مشكلة الخمر في عرب الجاهلية بالأمس، وقد كانت مشكلة معقدة كل التعقيد، يحتسونها بصورة تكون إجماعية ويأتونها لا على أنها عادة مجردة، بل على أنها أمارة القوة، ومظهر الفتوة، وعنوان الشهامة، فقل لي بربك: هل كان معقولًا أن ينجح الإسلام في فطامهم عنها؟ ولو لم يتألفهم ويتلطف بهم إلى درجة أن يمتن عليهم بها أول الأمر، كأنه يشاركهم في شعورهم، وإلى حد أنه أبَى أن يحرمها عليهم في وقت استعدت بعض الأفكار لتسمع كلمة تحريمه حين سألوه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [البقرة: 219].

أما الحكمة في نسخ الحكم الأصعب بما هو أسهل منه، فالتخفيف على الناس؛ ترفيهًا عنهم وإظهارًا لفضل الله عليهم، ورحمته بهم، وفي ذلك إغراء لهم على المبالغة في شكره وتمجيده، وتحبيب لهم فيه وفي دينه، وأما الحكمة في نسخ الحكم بمساويه في صعوبته أو سهولته فالابتلاء والاختبار؛ ليظهر المؤمن فيفوز، والمنافق فيهلك؛ ليميز الخبيث من الطيب.

وهكذا تتجلى الحكمة الإلهية من قضية النسخ لتضيف إلى روعة الإسلام وعظمته ورحمته المزيد، ولتؤكد لنا أنه ليس أبدًا صناعة بشرية، ولكنه وحي رباني من لدن حكيم خبير.

لكن هذه المقاصد السامية التي أشرنا إليها لم ترقَ للمستشرقين ولا حتى المستغربين، فإذا بهم يتهكمون على النسخ وعلى الآيات المنسوخة، وأنها كانت من أحوال لاحقة إلى غيرها، وأن الله واهب الشريعة الإلهية كان ينظر إلى القضايا على أنه يعالجها روحيًّا كما يصف الطبيب لمريضه العلاج المناسب لعلته.

هذا كلام فيه ملمز ومطعن، وفيه نوع من التضليل والخداع، وهو إن دَلَّ على شيء فإنما يدل على سذاجة أصحاب الشبهة، وسرعة تصديقهم للباطل، واستخفاف عقولهم.

error: النص محمي !!