Top
Image Alt

نسخ القرآن والسنة، والنسخ بهما، ونسخ السنة بالقرآن

  /  نسخ القرآن والسنة، والنسخ بهما، ونسخ السنة بالقرآن

نسخ القرآن والسنة، والنسخ بهما، ونسخ السنة بالقرآن

1. نسخ القرآن، بالقرآن: أجمع القائلون بالنسخ على جوازه، ووقوعه؛ فجميع آيات القرآن متساوية في العلم بها، وفي وجوب العمل بها، وفي كونها قطعية الثبوت، ومتواترة، وهي الوحي المنزل من الله، لفظًا ومعنًى دون خلاف. 2. نسخ القرآن بالسُّنة: وهو نوعان: النوع الأول: نسخ القرآن بالسُّنة الآحادية، الثابتة بخبر الواحد، وهذا النوع مختلف فيه، والراجح عدم جوازه؛ لأن القرآن متواتر، والآحاديث الأحادية مظنونة، ولا يصح نفي المعلوم بالمظنون، وإن كان البعض قد ذهب إلى جوازه؛ محتجًا بأن القرآن وإن كان متواترًا، إلا أن محل النسخ، هو الحكم لا النص، ودلالته عليه ظنية لا قطعية، فلا يقع نفي المعلوم المتواتر، بالمظنون الأحدي، لكن هذا الكلام مدفوع؛ بأن السُّنة الآحادية مظنونة من جهة الثبوت، ومن جهة الدلالة على الحكم، بخلاف النص القرآني؛ فهو قطعيُّ الثبوت، وإن كان ظنيُّ الدلالة، فالحق عدم جواز نسخ القرآن بالسُّنة الآحادية، وعدم وقوعه كذلك. النوع الثاني: وهو نسخ القرآن، بالسُّنة المتواترة: فقد انقسم العلماء فيه إلى قسمين: قسم أجازه، وقسم منعه، والذي أجازه، بعضهم قال بالوقوع، والبعض منع ذلك، فالكلام ينحصر في ناحيتين؛ الجواز وعدمه، والوقوع وعدمه. أولًا: الناحية الأولى: قال بجواز ذلك الإمام مالك، وأصحاب أبي حنيفة، وجمهور المتكلمين، وحجتهم في ذلك أن نسخ القرآن بالسُّنة ليس مستحيلًا؛ لأن السُّنة وحيٌ من الله تعالى، كما أن القرآن كذلك، كقوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ (3) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ} [النجم: 3، 4]، إلا أن الفارق بينهما أن ألفاظ القرآن من عند الله لفظًا وترتيبًا، وألفاظ السُّنة من ترتيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإنشائه، ولكلٍّ منهما خصائصه، لكن ذلك لا يؤثر في موضوع النسخ، فكلاهما وحيٌ من الله سبحانه وتعالى إذن لا مانع عقلًا ولا شرعًا من جواز ذلك. والذين قالوا بالمنع، وهم: الشافعي، وأحمد، في إحدى الروايتين عنه، وأكثر أهل الظاهر؛ فلهم حجج على المنع وأدلة: أظهرها: قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، ويفيد أن وظيفة الرسول منحصرة في بيان القرآن، والسُّنة إن نسخت القرآن، لم تكن حينئذٍ بيانًا له؛ بل تكون رافعة إياه. الرد على هذا من وجوه: الوجه الأول: أن الآية لا تدل على الحصر؛ لأنها خالية من جميع طرق الحصر، وكل ما تدل عليه، هو: أن سُنة الرسول مبينة للقرآن، وهذا لا ينفي أن تكون ناسخة له. الوجه الثاني: أن وظيفة السُّنة، لو انحصرت في بيان القرآن، ما صح أن تستقل بالتشريع في إيجابٍ، أو تحريمٍ، مع أن الأمة أجمعت على أن السُّنة قد تستقل بذلك، وقد ثبت بالسُّنة تحريم: ((كل ذي مخلبٍ من الطيور، وكل ذي نابٍ من السباع…))، وهو في مسلم. الوجه الثالث: أنه على فرض دلالة الآية على الحصر، فالمراد بالبيان فيها: التبليغ لا الشرح، ولقد بلّغ الرسول صلى الله عليه وسلم كل ما أنزل إليه، وهذا لا ينافي أن يكون النسخ بالسُّنة من جملة ما كُلِفَ ببيانه وتبليغه صلى الله عليه وسلم أو أن المراد بما أنزل إلى الناس: هو جنسه الصادق ببعضه، وهذا لا ينافي أن تكون السُّنة ناسخة لبعض آخر، فيكون الرسول مبينًا لما ثبت من الأحكام، وناسخًا لما ارتفع منها. الدليل الثاني: أن القرآن هو الذي أثبت أن السُّنة حجة، فلو نسخته السُّنة، لعادت على نفسها بالإبطال؛ لأن النسخ رفع، وإذا ارتفع الأصل ارتفع الفرع، وأما إثبات القرآن لحجية السُّنة؛ فقد ورد ذلك في غير آية، في قوله تعالى: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ} [النور: 54]، وفي قوله: {وَمَآ آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ} [الحشر: 7]، وقوله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]. الرد على ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن كلامنا ليس في جواز نسخ السُّنة، لنصوص القرآن الدالة على حجية السُّنة، حتى ترجع على نفسها بالإبطال؛ بل هو نسخٌ لما عداها. الوجه الثاني: أن ما استدلوا به حجة عليهم؛ لأنه يدل على وجوب طاعة الرسول واتباعه، وهذا يستلزم قبول ما جاء به، ولو كان ناسخًا. الدليل الثالث: أن قوله تعالى: {قُلْ نَزّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رّبّكَ بِالْحَقّ} [النحل: 102]. قد جاء ردًّا على من أنكر النسخ، وعاب به الإسلام، ونبي الإسلام؛ لأن قبل هذه الآية، قوله تعالى: {وَإِذَا بَدّلْنَآ آيَةً مّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ قَالُوَاْ إِنّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ} [النحل: 101]، وإذا كان روح القدس هو الذي ينزل بالقرآن، فلا يُنسخ القرآن إذن إلا بقرآن. ورد عليه بأن الكتاب والسُّنة، كليهما وحيٌ من الله، وكلاهما نزل به روح القدس. الدليل الرابع: قوله تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِيَ أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيَ إِنْ أَتّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَىَ إِلَيّ} [يونس: 15]، فهذا يدل على أنه لا يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يبدل القرآن، والنسخ تبديلٌ، فانتفى إذن جوازه. ونقد هذا الدليل: بأن ظاهر الآية؛ إنما هو في تغيير النص الذي أوحي به إليه، وتبديله بما لم يوح به إليه، خلاف الحكم، أو بأن يكون التبديل من عند نفسه، لا من وحيٍ، ومعلومٌ أن السُّنة ليست من تلقاء نفسه؛ بل بوحيٍ من الله تعالى، فليس نسخ القرآن بها إذًا، تبديلًا له من تلقاء نفسه. الدليل الخامس: قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، يدل على امتناع نسخ القرآن بالسُّنة، من عدة وجوه: الوجه الأول: أن الله -تعالى- قال: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}، والسُّنة ليست خيرًا من القرآن، ولا مثله. الوجه الثاني: أن قوله تعالى: {نَأْتِ} يدل على أن الآتي، هو: الله؛ والسُّنة إنما أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. الوجه الثالث: أن قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ} [البقرة: 107]، يفيد أن النسخ لا يصدر إلا عمّن له الاقتدار الشامل، والملك الكامل؛ وهو الله وحده، فكيف يتأتى النسخ من الرسول صلى الله عليه وسلم. الرد على هذا من وجوه: الوجه الأول: أننا ندفع الوجه الأول بأن النسخ في الآية أعم من أن يكون النسخ تلاوة أو نسخ حكم، والخيرية والمثلية أعم كذلك من أن تكون في المصلحة للخلق أو في الثواب؛ إذن فلا مانع أن تكون السُّنة الناسخة خيرًا من هذا القرآن المنسوخ من هذه الناحية، وإن تميز القرآن يقينًا بخصائصه العليا وأسلوبه، فهو خيرٌ منها من هذه الناحية بلا شك. الوجه الثاني: يمكن دفعه؛ لأن السُّنة وحيٌ من الله تعالى، وليس الرسول إلا مبلغًا عنها فقط بلغته، فالآتي بها في الحقيقة هو الله. والوجه الثالث: نقول فيه: إن الناسخ في الحقيقة هو الله وحده؛ لأن الرسول إنما يقول بوحيٍ من ربه وأمر منه لا من تلقاء نفسه. 3 . نسخ السنة بالقرآن: وهذا هو القسم الثالث، وفيه اختلاف العلماء أيضًا، بَيْدَ أن جمهور المتكلمين والفقهاء على جوازه ووقوعه، ولم يخالف ويقول بعدم الجواز إلا الإمام الشافعي في أحد قوليه. أما أدلة الجمهور القائلون بالجواز فكثيرة؛ منها: أن نسخ السنة بالقرآن ليس مستحيلًا؛ لأن كلًّا منهما وحي ولا مانع من نسخ وحي بوحي، هذا دليل الجواز؛ أما دليل الوقوع وهو متضمن الجواز فمن ذلك: أولًا: استقبال بيت المقدس في الصلاة الذي لم يعرف إلا من السنة، وقد نسخه قوله تعالى: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] وثانيًا: أن الأكل والشرب والمباشرة كان محرمًا في ليل رمضان على مَن صام، ثم نسخ ذلك بقوله: {فَالاَنَ بَاشِرُوهُنّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]، فهذا واضح أن الذي كان محرمًا في ليل رمضان إنما كان ذلك بالسنة، والآية أباحت ذلك، بعد هذا هذه الآية نسخت السنة. ثالثًا: إن صلح الحديبية كان من شروطه: أنَّ مَن جاء مسلمًا من الكفار رده الرسول إليهم، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في أبي جندل وغيره، ثم جاءته امرأة فهمَّ أن يردَّها، فأنزل الله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنّ إِلَى الْكُفّارِ} [الممتحنة: 10]. هذه وقائع حدثت، وكل واحدة منها دليل على الجواز، ولا يرِد عليها أن النسخ فيها قد يكون ثابتًا بالسنة، ثم جاء القرآن موافقًا لها؛ ليصير الأمر إلى نسخ سنة بسنة، ولا أن الحكم المنسوخ كان ثابتًا أولًا بالقرآن فنُسخ تلاوتُه، وبقي حكمه، حتى نسخ بهذا القرآن، فيئول الأمر إلى نسخ قرآن بقرآن، فإن هذا وهم ولا دليل عليه. أما شبهات المانعين نسخ السنة بالقرآن: فهي أشبه بما ذكره المانعون لنسخ القرآن بالسنة من شُبه؛ بل هي أوهى، فلا تحتاج إلى رد أو تفنيد. 4. نسخ السنة بالسنة: ونسخ السنة بالسنة يتنوع إلى أربعة أنواع؛ لأن السنة: إما متواترة وإما آحادية، فهناك نسخ سنة متواترة، ونسخ سنة آحادية بالمتواترة وبالآحادية؛ والسنة المتواترة بمتواترة، ونسخ سنة آحادية بآحادية، ونسخ سنة آحادية بمتواترة هذه جائزة لا اعتراض عليها؛ وإنما الاعتراض على نسخ السنة المتواترة بالسنة الآحادية، وهذا أجازه العلماء عقلًا، واختلفوا في جوازه شرعًا فنفاه الجمهور، وأثبته أهل الظاهر. والجمهور استدلوا على نفيه بدليل عقلي وآخر نقلي: أما الأول: فهو أن المتواتر قطعي الثبوت، وخبر الآحاد ظني، والقطعي لا يرتفع للظني. والثاني: أن عمر رضي الله عنه رد خبرَ فاطمة بنت قيس الذي يفيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى، مع أن زوجها طلقها وبتَّ طلاقها، وهو خبر آحاد لا يقوى على معارضة القرآن الكريم إذ يقول: {أَسْكِنُوهُنّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مّن وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6]، ولا السنة المتواترة في جعل السكن حقَّا للمطلقة المبتوتة، وقد أقر الصحابةُ عمرَ رضي الله عنه على ما فعل.

error: النص محمي !!