Top
Image Alt

نشأة البراجماتية

  /  نشأة البراجماتية

نشأة البراجماتية

نشأت الذرائعية (البرجماتية) كمذهب عملي في الولايات المتحدة الأمريكية، مع بداية القرن العشرين، وقد وُجدت في النظام الرأسمالي الحر الذي يقوم على المنافسة الفردية، خير تربة للنمو والازدهار.
ومن أبرز رموز المذهب وأغلبهم من الأمريكيين:
تشارلس بيرس ولد سنة 1839، ومات سنة 1914م، ويُعد هو مبتكر كلمة البرجماتية في الفلسفة المعاصرة، عمل محاضرًا في جامعة هارفارد الأمريكية، وكان متأثرًا بدارون ووصل إلى مثل آرائه، وكان أثره عميقًا في الفلاسفة الأمريكيين الذين سنذكرهم فيما يلي.
وليم جيمس ولد سنة 1842، ومات سنة 1910م وهو عالم نفسي وفيلسوف أمريكي من أصل سويدي بنى مذهب الذرائعية البرجماتية على أصول أفكار بيرس، ويؤكد أنّ العمل والمنفعة هما مقياس صحة الفكرة ودليل صدقها.
كان كتابه الأول: (مبادئ علم النفس) سنة 1890م الذي أكسبه شهرة واسعة، ثم توالت كتبه: (موجز علم النفس) سنة 1892م (وإرادة الاعتقاد) سنة 1897م، و(أنواع التجربة الدينية) سنة 1902م و(البراجماتية) سنة 1907م، و(كون متكثر) سنة 1909م، يعارض فيه وحدة الوجود.
ويؤكد جيمس في كتبه الدينية أنَّ الاعتقاد الديني صحيح؛ لأنه ينظم حياة الناس ويبعث فيهم الطاقة.
جون ديوي ولد سنة 1856، ومات 1952م، فيلسوف أمريكي، تأثر بالفلسفة الذرائعية، وكان له تأثير واسع في المجتمع الأمريكي وغيره من المجتمعات الغربية؛ إذ كان يعتقد أنّ الفلسفة، مهمة إنسانية قلبًا وقالبًا، وعلينا أن نحكم عليها في ضوء تأثرها الاجتماعي أو الثقافي.
كتب في فلسفة ما بعد الطبيعة الميتافيزيقا، وفلسفة العلوم والمنطق، وعلم النفس وعلم الجمال والدين.
أهم مؤلفاته: (دراسات في النظرية المنطقية) سنة 1903م، و(كيف تفكر) سنة 1910، و(العقل الخالق) سنة 1917م و(الطبيعة الإنسانية والسلوك) سنة 1920م و(طلب اليقين) سنة 1929م.
شيلر ولد سنة 1864، ومات 1937م، وهو فيلسوف بريطاني، كان صديقًا لوليم جيمس، وتعاطف معه في الفلسفة الذرائعية: وقد آثر أن يطلق على آرائه وموقفه: المذهب الإنساني أو المذهب الإرادي.
وللوقوف على حقيقة البراجماتية نذكر تفصيل قصتها، ومراحل تطورها ترجمة عن أربابها بشيء من الإيجاز.
بدأ ظهور هذا المذهب في التفكير على يد تشارلس بيرس في عام 1878م عندما كتب مقالًا في (بوبيولار ساينس مونثلي (موضوعه: كيف نوضح تفكيرنا، قال فيه: إن مبدأ الذرائعية يكمن في النظر إلى النتائجالعملية التي نأمل أن نحصل عليها من وراء أفكارنا، ويقصد أنّ الفكرة لن تتحقق ذاتها إلا عندما تؤدي إلى نتيجةٍ فعالة، فالفكرة الصحيحة هي الفكرة الناجحة أو الفكرة التي تخرج منتصرةً من امتحان التجربة والزمن.
ويُعتبر بيرس أول من صاغ هذا الاصطلاح، ثم تناوله وليام جيمس وفصله في نظام فلسفي، ونشره حتى أصبحت هذه الفلسفة تعرف بوليام جيمس ويعرف هو بها. أتى بيرس ووضع أساس فلسفة البراجماتية، وهو أن معنى كل اصطلاح أو فكرة ليس لها صورة حسية، إنّما هو في أثر هذه الفكرة أو الاصطلاح في المحسوسات أي: في الاختبار والمشاهدة.
كان الفلاسفة عندما يبحثون في اصطلاح معين كالثقل أو القوة مثلًا، يحاولون بطرق المنطق أن يتوصلوا إلى القوة في ذاتها، إلى جوهر القوة أي:إلى ماهيتها في نفسها، على أيِّ هيئة توجد بغض النظر عن الأشياء الحسية التي تلبسها هذه القوة، ثم يتطوعون في البحث في هذه القضايا الميتافيزيقية في غير طائل، وهذه الأبحاث لا تغني شيئًا ولا تؤدي إلى نتيجة يستطيع الإنسان أن يستريح إليها.
ثم نعيش في دنيا مادية ونفسية وكل شيء يؤدي إلى تغيرات في هذه الدنيا، وينتج فيها آثارًا واضحة نلمسها ونحس بها ونشاهدها في هذه الدنيا، فإن لهذا الشيء وجود حقيقي، والاصطلاح الذي نطلقه على هذا الشيء صحيح وحق، فالقوة شيء له وجود حقيقي، وهذا الاصطلاح أو اللفظة (قوة) لها معنى ومدلول ولمدلولها وجود حقيقي، ومعناها إنما هو في هذه الآثار التي تخلفها فيما نشاهد في الموجودات حولنا، وبمعنى آخر: لا ندلل على الموجودات بالمنطق أو بالقضايا العقلية من مقدمات ونتائج ضرورية تستتبع تلك المقدمات، وإنما نتوصل إلى إثبات وجودها بالآثار الحسية التي تنتجها هذه الموجودات في الدنيا التي نعيش فيها.
وعلى ذلك يزعم بيرس أنّ كل اصطلاح حتى إذا كان له مدلول والمدلول له وجود حقيقي إذا كان ينتج بعض النتائج في هذه الدنيا التي نشاهدها، وإلا فلا معنى للاصطلاح ولا وجود للمدلول أو الشيء؛ فكل شيء يؤدي عملًا معينًا في هذه الدنيا له وجود حقيقي.
والواقع أنّ كثيرًا من الأفكار التي لها حظ من الصور المحسوسة إن هي إلا دلائل للعلم، أو اتجاهات إلى النشاط، وقد ننسى صورها أو أشكالها ،ولا يبقى منها شيء إلا قدرتها على حفز النشاط، أو قدرتها على التوجيه العملي في الحياة.
ففي محطة السكة الحديدية مثلًا رنين الأجراس لا يعني عددًا معينًا من أمواج الهواء، أو قدرًا معلومًا من ذبذبات طبلة الأذن عند العالم الطبيعي الرياضي، وإنّما يكون معناها عنده: القطار وموعد سفره، فالمعنى الذي يؤدي إلى العمل أو إلى تغيير في البيئة التي تحيط بالإنسان، هذا المعنى هو الحق والصواب والاصطلاح الذي نطلقه على هذا المعنى حق إذا ما حفزنا إلى الاستجابات المعينة التي يتطلبها الاصطلاح.
هذه هي الخطوة الأولى في البراجماتية، كما وضع أساسها بيرس وهي أن البراجماتية نظام فلسفي لتفسير معنى الفكرة أو العقيدة، فالفكرة إنما هي مشروع للعمل وليست حقيقة في ذاتها كما تزعم الفلسفة العقلية، ثم تلت هذه الخطوة خطوة أخرى اتخذها جيمس فيلسوف البراجماتية وحامل لوائها في العصر الحديث إلى مطلع القرن العشرين.
أتى جيمس وزاد على أن كل عقيدة تؤدي إلى نتيجة مرضية أو حسنة إنما هي عقيدة حقيقية، فليست الفكرة مشروعًا للعمل فقط، وإنما العمل والنتائج هي الدليل على صحة الفكرة، وبذا أخرجنا من معنى الفكرة أو مدلولها إلى العالم الحقيقي، فأصبح العمل أو النتائج التي ستترتب على الفكرة برهانًا على صحة الفكرة بعد أن كان معنى لها.
فقيمة الفكرة ليست في الصور والأشكال التي تثيرها في الذهن، وليست في انطباقها على حقائق الموجودات وإنما في الأعمال التي تؤدي إليها هذه الفكرة، وفي التغيرات التي تنتجها في الدنيا المحيطة بنا، ولا يهم في هذه الحالة حقائق الأشياء في ذاتها، لأننا نستطيع أن نفرض هذه الحقائق كيفما اتفق، فما جميع هذه الإحساسات إلا علامات ومعالم تقود العقل إلى التصرف والسلوك، فالحق مثلًا عند جيمس هو كل ما هو ناجح في الوصول بالإنسان إلى غرضه.
ولكي نوضح هذا النزاع بين النظريتين العقلية والبراجماتية نضرب مثلًا واضحًا يجلو هذه النقطة ويبين الحدود بينهما بشكل ظاهر، وليكن هذا المثل فكرتنا عن الله. ومعظم الناس يؤمنون بالله وهذه الفكرة إما أن تكون خطأ أو صوابًا في حكم المنطق، فالنظرية العقلية تقول: إنّ الله موجود حقًّا إذا تبين منطقيًّا وجوده.
أما البراجماتية فتعالج هذه المسألة من ناحية أخرى، ففي رأيها أن صواب هذه الفكرة لا يتوقف على الضروريات المنطقية، وإنما يتوقف على صلاحية هذه الفكرة في حياتنا الراهنة، وفي تصرفاتنا اليومية، وفي اختباراتنا، فإذا كانت هذه الفكرة تؤدي إلى نتائج مرضية في الحياة فهي صحيحة وصائبة، وبذلك يكون الله موجودًا، بغير هذه الطريقة لا نستطيع أن نحكم على هذه الفكرة أولًا، ثم لا نستطيع أن نثق من حكمنا ثانيًا.
وبعبارة أخرى تتناول البراجماتية الفكرة من ناحية وظيفتها لا من ناحية موضوعها، كما تفعل النظرية العقلية، فالموضوع موجود إذا كان للفكرة وظيفة تؤديها كما نتعامل معه ونتصل به، والفكرة صائبة وحق إذا كانت تنفع أو تصلح لما وضعت له،ومتى كان الأمر كما ذكرنا يجوز لنا أن نؤمن بوجود مدلولها.
قلنا: إن بيرس أخذ بأن معنى الاصطلاح إنما هو فيما يؤدي إليه من الأعمال، ثم زاد وليام جيمس على: هذا إنما يؤدي إليه الاصطلاح من الأعمال إنما هو البرهان الحق على صدق هذا الاصطلاح وتوجه بالبراجماتيةإلى هذه الناحية، وقد طبق جيمس عام1898م هذه النظرية على الدين والفلسفة، وذلك قبل أن يحولها إلى نظرية متكاملة عن الحقيقة عرضها في كتاب صدر له تلك السنة بعنوان: (البراجماتية). ثم تبعهما جون ديوي بنظريته في البراجماتية التي سماها الآلية، وبذا خطا بهذه الفلسفة الخطوة الحاسمة التي قلبت النظم الفلسفية رأسًا على عقب وحولت مجراها إلى ناحية تختلف كل الاختلاف عن النظم الفلسفية التقليدية.
لقد ظهرت نظرية البراجماتية فزعمت أن الدليل على حقيقة أي شيء إنما هو أثر هذا الشيء وعمله ووظيفته، ولكنها تركت العقل كما هو أداة للمعرفة فإنما وجد لكي يعرف، ولكن ديوي تخطَّى هذه الهوة بقفزة واحدة فزعم أن العقل في الواقع ليس أداة للمعرفة، وإنما هو أداة لتطور الحياة وتنميتها، فليس من وظيفة العقل أن يعرف وليس من عمل الحقائق أن تظهر للعقل بشكل يستطيع معه أن يعرفها، وإنما عمل العقل هو خدمة الحياة وتسيير السبل لها لكي تنمو وتطّرد.
كان العقل في الفلسفة التقليدية يشبه رجلًا مبصرًا يجلس في أحد المقاهي بجانب رجل أعمى، والمبصر هو العقلوالأعمى هو الإنسان الحي الذي يعيش في هذه الحياة ويتعامل معها، فكانت الفلسفة التقليدية أي النظرية العقلية: إنّ عمل المبصر هو أن ينقل حقائق الكون إلى الأعمى لمجرد العلم بهذه الحقائق فقط، فكان يقول له مثلًا: هذا ترام شبرًا رجع إلى العتبة الخضراء، وهذا بائع ترمس، وذاك حانوت بدال، وهذا كلب يعدو من الشمال إلى الجنوب، وهذه ورقة في مهب الريح، وهذه سماء وتلك أرض، وذلك المصباح وهذا قلم، وبعبارة أخرى لا عمل لهذا الرجل المبصر إلا أن ينقل الحقائق الموضعية، الحقائق الخارجية إلى ذهن الأعمى، وليس له وظيفة أخرى أو عمل آخر على الإطلاق، كل ما ينقله إلى الأعمى صحيح، ولكنه لا عمل له إلا المعرفة، المعرفة التي لا غاية لها إلا تقرير الحقائق كما هي من غير تحريف أو تبديل.
وأما البراجماتية فتزعم أن وظيفة هذا المبصر ليست في نقل الحقائق على أصلها، لأنه لو فعل هذا لما كان له ضرورة إلى جانب الأعمى، فليس يهم الأعمى أن هذا كلب أو ذاك رجل، إلا متى أراد أن يتعامل معها، ووظيفة المبصر في الواقع هي في أن يصل بين الحوادث وبين الأعمى؛ بحيث يستطيع هذا الأخير أن يتصرف تصرفًا يبعده عن الأخطار فيحفظ له حياته أولًا، ثم يصل بينه وبين العناصر الضرورية للحياة من كل مأكل ومشرب، وبعبارة أخرى لا تعود على الأعمى فائدة من أن ترام شبرًا يذهب إلى العتبة أو يرجع منها، وكل ما يهمه من الأمر أن لا يقع في طريقه حين يروح وحين يغدو، وعلى المبصر أن يُباعد بين الأعمى وبين الترام، ويقرب بينه وبين العناصر الضرورية للحياة، وكل ما ذكره هذا المبصر للأعمى لا يقدم ولا يؤخر في حياة هذا الأخير ما دام لا يوجد أمامه مجال للتعامل مع هذه الأشياء.
ومثل العقل في هذه الحالة كمثل أي عضو آخر في جسم الإنسان، كالعين أو الذراع، فالعين لم تخلق في الإنسان لتنقل إليه ألوان قوس قزح، وإنما خلقت فيه لتدله على مواضع الخطر تحت قدميه، فتجنبه المهالك أولًا، ثم خلقت له حتى يميز بها بين التمر والجمر، فلا يعود يبلع الجمر، فالعين أداة للحياة وكذلك العقل سواء بسواء.
ومن هنا سميت هذه النظرية بالآلية أي:أن العقل آلة يستخدمها الإنسان في المحافظة على الحياة أولًا وفي تنميتها واضطرادها ثانيًا.
وقد أسس ديوي بدوره عام 1903م مدرسة براجماتية عرفت باسم شيكاغو.
ونخلص مما تقدم أن البراجماتية خطت في مراحلها الخطوات التالية:

  1. أتى بيرس فزعم أن الفكرة التي تقود إلى العمل تكون فكرة صالحة وحقيقية.
  2. وتبعه وليام جيمس فزعم أن هذا العمل الذي تؤدي إليه الفكرة إنما هو البرهان القاطع على صحتها.
  3. ثم خرج ديوي بنظريته من أن الأصل في الفكر أو العقل ليس المعرفة، فليس العقل أداة للمعرفة وإنما أداة للحياة.
    وقد عرفت موسوعة السياسة هذا المصطلح بأنه مذهب فلسفي سياسي يعتبر نجاح العمل هو المعيار الوحيد للحقيقة، فالسياسي البراجماتي يدعي دائمًا أنه يتصرف ويعمل من خلال النظر إلى النتائج العملية المثمرة التي قد يؤدي إليها قراره.
    وهو لا يتخذ قراره بوحي من فكرة مسبقة أو إيديولوجية سياسية محددة بل من خلال أخذه بعين الاعتبار للنتيجة العملية المنشودة.
error: النص محمي !!