Top
Image Alt

نشأة التصنيف في مختلف الحديث وتطوره

  /  نشأة التصنيف في مختلف الحديث وتطوره

نشأة التصنيف في مختلف الحديث وتطوره

يمكن تقسيم مختلف الحديث من حيث التصنيف إلى شقين:

الشق الأول: المتعلق بقواعد مختلف الحديث.

والشق الثاني: الأحاديث التي تتعارض ظواهرها، وجمع الأئمة الذين خرجوها في كتب الرواية بينها، أو جمعها أئمة من كتب الرواية وجمعوا بينها.

أو رجحوا في مصنفات مفردة في مختلف الحديث.

أما الشق الأول الخاص بقواعد مختلف الحديث، فتكلم أئمة الحديث وأئمة أصول الفقه في قواعد مختلف الحديث ضمن مباحث ذلك العلمين.

فعلى سبيل المثال لا الحصر عقد الحاكم أبو عبد الله المتوفى سنة خمس وأربعمائة، لهذا النوع في كتابه (معرفة علوم الحديث)، النوع التاسع والعشرين من علوم الحديث هذا النوع من هذه العلوم معرفة سنن لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعارضها مثلها.

فيحتج أصحاب المذاهب بأحدهما وهما في الصحة والسقم سيان، الصحيفة الثانية والعشرون ومائة إلى الصحيفة الثامنة وعشرين ومائة، وعقد أبو بكر الخطيب البغدادي في آخر بابين من كتابه (الكفاية).

باب القول في تعارض الأخبار، وما يصح التعارض فيه وما لا يصح في الصحيفة الثانية والثلاثين وأربعمائة إلى الصحيفة الثالثة والثلاثين وأربعمائة، وباب القول في تعارض الأخبار وما يصح.

وباب القول في ترجيح الأخبار في الصحيفة الثالثة والثلاثين وأربعمائة، إلى الصحيفة السابعة والثلاثين وأربعمائة، هذان بابان عقدهما أبو بكر الخطيب في كتاب (الكفاية).

وعقد أبو عمرو عثمان بن الصلاح، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وستمائة النوع السادس والثلاثين: معرفة مختلف الحديث في كتابه (المقدمة) في الصحيفة الثالثة وأربعين ومائة.

وذكر قواعد مختلف الحديث، وشرحها الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، المتوفى سنة ست وثمانمائة في كتابه (التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح).

الجزء الثاني الصحيفة السادسة وأربعون وثمانمائة إلى الصحيفة الثانية وخمسين وثمانمائة، تحقيق الدكتور أسامة بن عبد الله الخياط، إمام وخطيب المسجد الحرام، وشرحها أيضًا الحافظ جلال الدين السيوطي.

المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة في كتابه الشهير بـ(تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي)، الجزء الثاني الصحيفة السادسة وتسعون ومائة إلى الصحيفة الثالثة بعد المائتين.

وذكر الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- كثيرًا من قواعد مختلف الحديث في كتاب (الرسالة)، في الصحيفة الثالثة عشرة ومائتين.

وكذا عقد إمام الحرمين الإمام الجويني المتوفى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة في كتاب (البرهان)، في الجزء الثاني في الصحيفة الرابعة وخمسين وسبعمائة، إلى الصحيفة الواحدة والثمانين وسبعمائة.

وأبو الوفاء بن عقيل الحنبلي، المتوفى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة في (الواضح في أصول الفقه)، في الجزء الثالث في الصحيفة الرابعة والثلاثين وأربعمائة، إلى الصحيفة التاسعة وخمسين وأربعمائة.

وفي الجزء الخامس في الصحيفة السادسة والسبعين، إلى الصحيفة الثالثة بعد المائة، والشوكاني المتوفى سنة خمس وخمسين ومائتين وألف من الهجرة في (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول)، في الصحيفة الثامنة والثلاثين إلى الصحيفة الواحدة والأربعين.

ومن الصحيفة الثالثة والسبعين ومائتين، إلى الصحيفة الثمانين ومائتين، والشق الثاني: الجمع بين الأحاديث في كتب الرواية أو في مصنفات مفردة، جمع بعض الأئمة أصحاب كتب الحديث بين الأحاديث، التي يوهم ظاهرها التعارض، وذلك في تراجم الأبواب.

وعقب رواية الأخبار، ومنهم أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، المتوفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة في (صحيحه)، ولولا خشية الإطالة لنقلت الأحاديث بتراجم أبوابها من (صحيح ابن خزيمة)، لكني أقتصر على نقل تراجم الأبواب، وتعليق ابن خزيمة على الأحاديث عقب روايتها.

جاء في (صحيح ابن خزيمة) في كتاب الصلاة، باب الباب الثامن والتسعون: ذكر خبر غلط في الاحتجاج به من لم يتبحر بالعلم، فتوهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة في فاتحة الكتاب، ولا في غيرها من السور.

وروى ابن خزيمة حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، ثم قال عقبه: “قد خرجت طرق هذا الخبر وألفاظها في كتاب (الصلاة) كتابي الكبير، وفي (معاني القرآن)، وأمليت مسألة قدر جزأين في الاحتجاج في هذه المسألة، أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من كتاب الله في أوائل سور القرآن”.

الباب التاسع والتسعون: ذكر الدليل على أن أنسًا إنما أراد بقوله: “لم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم” أي: لم أسمع أحدًا منهم يقرأ جهرًا بسم الله الرحمن الرحيم.

وأنهم كانوا يسرون بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، لا كما توهم من لم يشتغل بطلب العلم من مظانه، وطلب الرئاسة قبل تعلم العلم، ثم روى أربعة أحاديث عن أنس، الثلاثة الأول منها بلفظ: “فلم يجهروا ببسم الله الرحمن الرحيم”.

والرابع بلفظ: “كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة”، ثم قال عقبه: “هذا الخبر يصرح بخلاف ما توهم من لم يتبحر العلم، وادعى أن أنس بن مالك أراد بقوله: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين.

وبقوله: لم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، إنهم لم يكونوا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم جهرًا ولا خفية، وهذا الخبر يصرح أنه أراد أنهم كانوا يسرون به ولا يجهرون به عند أنس”.

الباب رقم مائة: ذكر الدليل على أن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، والمخافتة به جميعًا مباح ليس واحد منهما محظورًا، وهذا من اختلاف المباح، الجزء الأول الصحيفة التاسعة والأربعون ومائتين، إلى الواحدة والخمسين ومائتين.

وانظر الأمثلة الآتية في (صحيح ابن خزيمة)، في الجزء الأول الصحيفة الثالثة والثلاثون إلى الخامسة والثلاثين، الباب الثاني والأربعون والثالث والأربعون والرابع والأربعون، والجزء الأول الصحيفة الثانية عشرة ومائة، إلى الصحيفة الرابعة عشرة ومائة.

الباب السابع والسبعون ومائة، والباب الثامن والسبعون ومائة، والجزء الأول الصحيفة العاشرة بعد المائتين، والصحيفة الثالثة عشرة ومائتين، باب الباب الثاني والخمسون والثالث والخمسون، وأفرد بعض الأئمة الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض بتآليف خاصة.

وأزالوا تعارضها الظاهرية منهم (اختلاف الحديث) للإمام محمد بن إدريس الشافعي، المتوفى سنة أربع ومائتين وهو جزء واحد ستة وأربعون ومائتا ورقة، قال الحافظ السيوطي في (تدريب الراوي): “وهو أول من تكلم فيه”.

الكتاب الثاني: (تأول مختلف الحديث) للإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين، وهو في مجلد واحد ستون ومائتا ورقة.

الكتاب الثالث: (مشكل الآثار) للإمام أبي جعفر الطحاوي، أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي المصري الحنفي، المتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، والكتاب أربعة أجزاء في مجلدين.

وشرحه الطحاوي نفسه في (شرح مشكل الآثار).

فالتعارض بين الأحاديث إنما هو تعارض ظاهري، وليس حقيقيًّا في واقع الأمر، إذ من المحال أن تتعارض نصوص أدلة الشرع، فإن القرآن كلام الله وإن السنة أوحاها إلى نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ومن المحال أن يتعارض كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فالحق واحد والحق يصدق بعضه بعضًا ولا يكذب بعضه بعضًا، وإنما نشأ التعارض من قصور فهم العلماء لكلام الله، ولكلام نبيه صلى الله عليه وسلم.

فباعتبار نظر المجتهد يرى التعارض بين بعض النصوص، وأما في الحقيقة ونفس الأمر فإن نصوص الشريعة متوافقة؛ لأن الله تعالى أكمل هذا الدين وأتمه ورضيه، كما قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 3].

وينبغي للمسلم إذا أشكل عليه فهم حديث أن يسأل العلماء المتخصصين في الحديث وعلومه، لا أن يسأل مؤرخًا، ولا أديبًا ولا فيلسوفًا ولا مفكرًا ولا صحافيًّا ولا كاتبًا إسلاميًّا؛ لأن الله تعالى قال: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

فالحديث مَلَكَة والفقه ملكة، فينبغي أن يسند العلم إلى أصحابه، فإذا وقع بين يديك حديث مختلف مع حديث آخر، أو وقع بين يديك حديث مشكل، فعليك أن تتوجه بالسؤال إلى المحدثين لا إلى غيرهم.

وعندئذٍ سيزول التعارض الظاهري؛ لأن الله تعالى قال: {وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76].

error: النص محمي !!