Top
Image Alt

نشأة التفسير الموضوعي، ومنهجه، وأهميته

  /  نشأة التفسير الموضوعي، ومنهجه، وأهميته

نشأة التفسير الموضوعي، ومنهجه، وأهميته

نشأة التفسير الموضوعي وتطوره:

التفسير الموضوعي قديم النشأة، وبدأ يسيرًا، ثم نمى وتطور على مر العصور مثل غيره من العلوم والفنون، حتى انتهى إلى اصطلاح محدد الأوصاف والمعالم، ويمكننا إجمال ذلك في المراحل التالية:

أولًا: في العهد النبوي:

وهو عهد البداية للتفسير العام والموضوعي على السواء، وكان ذلك عن طريق القرآن نفسه أو السنة النبوية، أما القرآن الكريم فإننا نجد فيه آيات تحيل إلى آيات أخرى في موضوعها، ولا تُفهم إحداها إلا بالأخرى، وهذه دلالات وإشارات مبكرة تقرر أهمية النظر الموضوعي في الآيات الكريمة، ومن ذلك قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} [النحل: 118]، فهذه الآية الكريمة قد أحالت إلى ما نزل قبلها، ولا بد من الرجوع إليه لنفهم المحال عليه تفصيل هذا الإجمال، وهو قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُون} [الأنعام: 146].

ثانيًا: في عصر الصحابة والتابعين:

قد اتسعت حياة المسلمين وجدّت عليهم مسائل وقضايا كثيرة، واحتاج الناس إلى معرفة الفقه والأحكام الشرعية، فأخذ العلماء يؤصلون المسائل، ويحققون الشرائع والأحكام وذلك عن طريق جمع الآيات المتماثلة ومقارنتها باستخراج الأحكام الشرعية منها، كآيات الخمر والربا والعدة، ونحو ذلك، ومن ذلك أنه أُشكل على بعض الأئمة شرط: {إِنِ ارْتَبْتُمْ} في قوله تعالى: {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4] حتى رجع إلى آيات العدة في سورة البقرة، فعلم من تفسيرها أن بعض الأنصار قالوا: “بقيت عدد لم تذكر، وهي عدد الصغار والكبار” فنزلت الآية.

ثالثًا: بداية التدوين وتطوره:

بدأ بعض العلماء في جمع الآيات القرآنية ذات الوجهة الواحدة، وإفراد تآليف خاصة بها؛ خدمةً للأحكام الشرعية وللمعاني القرآنية، فألف قتادة بن دعامة السدوسي، المتوفى سنة 118هـ كتابًا في الناسخ والمنسوخ، وهذا ضرب من التفسير الموضوعي بمعناه العام، وألف معمر بن المثنى المتوفى سنة 209 هـ كتابه (مجاز القرآن) تحدث فيه عن الآيات التي بينها رابطة عامة، وهي المجاز بمعناه الواسع في اصطلاح القدماء، وألف أبو محمد بن قتيبة المتوفى سنة 276هـ كتابه (تأويل مشكل القرآن) تحدث فيه عن كثير من الآيات، لا يربطها إلا أنها كما قال: زعم الملحدون أن فيها تناقضًا واختلافًا ولحنًا أو فسادَ نظم، وقد ألحق بكتابه بابًا في الألفاظ القرآنية الواحدة التي تأتي على معانٍ متعددة، ويورد معها الآيات الكريمة في مثل لفظ: “القضاء، الهدى، الأمة” وهذا ضربٌ من التفسير الموضوعي في مراحله الأولى، وربما كان النواة التي بنى عليها بعض العلماء مثل أبي بكر السجستاني، المتوفى سنة 330هـ الذي ألف كتاب (نزهة القلوب في غريب القرآن)، والراغب الأصفهاني المتوفى سنة 502هـ وهو الذي ألف كتابه العظيم (مفردات القرآن) جمَعَ فيه المفردات على حروف الهجاء، وبيّن معناها في اللغة، وفي استعمال القرآن الكريم، وابن القيم ألف كتابه (التبيان في أقسام القرآن)، وفي عصرنا ألفت الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ ألفت كتاب (التفسير البياني للقرآن الكريم)، وكذلك أيضًا (تفسير الآيات الكونية) للدكتور عبد الله شحاته، وغير ذلك.

تطور التفسير الموضوعي:

تتابعت خطوط التفسير الموضوعي الأولى، وأخذت تتجه نحو التأصيل والاكتمال، ومن الكتب التي تتصل بهذا الجانب:

  1. 1.     (معجم غريب القرآن) مستخرجًا من (صحيح البخاري)، لمحمد فؤاد عبد الباقي -رحمه الله-.
  2. 2.     (معجم ألفاظ القرآن الكريم)، وقد أصدر مجمع اللغة العربية بواسطة لجنة من العلماء.
  3. 3.     (المرشد إلى آيات القرآن وكلماته)، لمحمد فارس بركات.
  4. 4.     (فتح الرحمن لطالبي آيات القرآن)، لفيض الله العَلَمي.
  5. 5.     (مصباح الإخوان لتحريات القرآن)، ليحيى حلمي بن حسين طسطموني، وهو أجمع كتب الفهرسة القرآنية جميعًا.
  6. 6.     (دراسات لأسلوب القرآن الكريم)، للشيخ محمد عبد الخالق عضيمة.
  7. 7.     (المعجم المفهرس لموضوعات القرآن الكريم)، للدكتور عبد الصبور مرزوق رحمه الله.
  8. 8.     (الرسائل العلمية الجامعية).

منهج الدراسة في التفسير الموضوعي:

ينقسم التفسير الموضوعي من هذا الجانب إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: التفسير الموضوعي الوجيز:

وهو الذي يختار فيه المفسّر عدة آيات لتفسَّر موضوعيًّا في مقالة أو محاضرة أو خطبة أو حديث إذاعي، ونحو ذلك، وينبغي الاجتهاد في اختيار الآيات الجامعة، وضبط عناصر الموضوع، حتى يأتي ممثلًا لموقف القرآن الكريم ما أمكن ذلك.

القسم الثاني: التفسير الموضوعي الوسيط:

وهو الذي يختار فيه المفسّر موضوعًا يعرضه من خلال سورة واحدة، مثل العقيدة في سورة الشورى، أو من خلال مجموعة سور، كالحواميم السبعة، أو من خلال القرآن كله، وحينئذ يلزم المفسر اختيار جوامع الآيات الكريمة، التي تمثل أطراف الموضوع وعناصره، ثم يعرضها عرضًا وسطًا بعد النظر والموازنة.

القسم الثالث: التفسير الموضوعي البسيط:

وهو الذي يقوم على الاستقراء والاستيعاب، والإحصاء الشامل لموضوعٍ قرآني ما، فيجمع المفسر آياته كلها على الوجه التفصيلي، مثل الجن في القرآن أو قصة إسماعيل عليه السلام.

منهج البحث في التفسير الموضوعي:

أولًا: المعرفة الدقيقة لمعنى التفسير الموضوعي الخاص الذي يريد المفسر مزاولته.

ثانيًا: تحديد الموضوع القرآني المراد بحثه تحديدًا دقيقًا من حيث المعنى.

ثالثًا: اختيار عنوان له من ألفاظ القرآن ذاته، أو عنوان منتزع من صميم معانيه القرآنية.

رابعًا: جمع الآيات الكريمة المتعلقة بهذا الموضوع، والعناية باختيار جوامعها عند إرادة الاختصار.

خامسًا: تصنيف الآيات من حيث المكي والمدني، وترتيبها من حيث زمن النزول ما أمكن.

سادسًا: فَهم الآيات الكريمة بالرجوع إلى تفسيرها، ومعرفة أحوالها من حيث أسباب النزول وتدرج التشريع، والنسخ، والعموم والخصوص، وغير ذلك، مما يقرِّب المعنى.

سابعًا: تقسيم الموضوع إلى عناصر مترابطة متنوعة من الآيات ذاتها، ورد الآيات إلى عناصرها ومواضعها من البناء الكلي للموضوع، مع تفسير موجز لما يحتاج منها إلى تفسير واستنباط حقائقها القريبة من غير تكلّف، وكذلك رد الشبهات عن الموضوع ذاته.

أخطاءٌ لا بد من تجنبها في التفسير الموضوعي:

أولًا: لا يذكر في التفسير الموضوع الحديث النبوي كعنصر أساسي؛ يعني: لا يجعل العنوان حديثًا نبويًّا وهو يفسر تفسيرًا موضوعيًّا للقرآن، لكن هذا الحديث يأتي داعمًا وشارحًا للآية القرآنية.

ثانيًا: لا يذكر عنوانًا وليس له نص قرآني لا يؤيده؛ يعني مثلًَا: كلمة الديمقراطية، لا يجعلها عنوانًا للتفسير الموضوعي؛ لأن ليس لها نص قرآني، وإنما يذكر الشورى في القرآن، ولا يذكر الديمقراطية في القرآن.

ثالثًا: ما كان من استنباط المفسر ليس من المأثور، وهو كغيره من ضروب الاجتهاد في الرأي.

رابعًا: تجنب الحشو والاستطراد في التعليق.

خامسًا: الأصل في القرآن الحمل على الحقيقة، ولا يُصار إلى المجاز إلا بدليل.

أهمية التفسير الموضوعي:

إبراز إعجاز القرآن:

أولًا: إعجاز القرآن في إيجازه:

على الرغم من أنه كتاب صغير الحجم وجيز المعنى إلا أن فيه قضايا الأولين والآخرين إلى يوم القيامة، وهذا إعجازٌ قرآني، فحينما نتحدث عن الموضوعات التي في القرآن الكريم فإنها تملأ كتبًا وكتبًا كثيرة، على الرغم من القرآن صغير الحجم، فهذا إعجاز للقرآن الكريم نفسه، إذًا التفسير الموضوعي يبرز إعجاز القرآن الكريم، إن القرآن الكريم يشتمل على موضوعات كثيرة رغم أنه قليل الحجم ووجيز الألفاظ.

ثانيًا: من أهمية التفسير الموضوعي الوفاء بحاجة البشر إلى هذا الدين:

الناس في حاجة إلى الصلاة، وشرح الآيات التي تتناول الصلاة والزكاة، والصوم والجهاد، والربا والمعاملات والأخلاق، والآيات الكونية، وغير ذلك كثير في القرآن الكريم.

ثالثًا: بيان الإعجاز التشريعي:

التشريع جاء على تدرج، فحينما ننظر في الآيات القرآنية وفي تدرجها نجد إعجازًا قرآنيًّا، فالخمر إنها لم تحرم مرحلة واحدةً، وإنما كان هناك تدرج في التشريع، كذلك الصوم كان فيه تدرج أيضًا في التشريع، وغير ذلك من هذه الأمور.

رابعًا: تصحيح مسار الدراسات الدينية والعربية القائمة فعلًا من خلال التفسير الموضوعي:

لقد قلنا بأن من أهمية التفسير الموضوعي: الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم، فحينما نتحدث -مثلًا- عن تحريم الخمر نجد أنها لم تحرَّم مرة واحدة، وإنما أتت على مراحل: فحينما نقرأ قول الله تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67] نجد أن الله لم يصف السكر بأنه حسن، لكن وصف الرزق من ثمرات النخيل والأعناب بأنه حسن، لكن هذا لا يعني أن الخمر أصبحت محرمة.

الأمر الثاني أو المرحلة الثانية في تحريم الخمر: في قول الله تعالى: {{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219] بيّن أن في الخمر منافع ومضار، لكن لم يصرّح بتحريم الخمر، هذه مرحلة.

المرحلة الثانية أن الله سبحانه وتعالى حرّم الخمر عند الصلاة: {لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] يعني: حينما تذهبون إلى الصلاة لا تشربوا الخمر؛ حتى لا يحدث تأثير للسكر في الصلاة، فتفسد الصلاة وأنتم لا تدرون بذلك، لكنه لم يصرّح بالحرمة.

ثم جاءت الآية الأخيرة الجامعة وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90]، فكان من أهمية التفسير الموضوعي إبراز الإعجاز التشريعي، كما بينا ذلك في تحريم الخمر.

error: النص محمي !!