Top
Image Alt

نشأة التكفير في هذه الأمة

  /  نشأة التكفير في هذه الأمة

نشأة التكفير في هذه الأمة

أ. ترجع نشأة التكفير بغير دليل إلى وقت مبكر من تاريخ هذه الأمة، حتى إن بعض العلماء ذكر أن التكفير بالذنوب هو أول البدع، التي ظهرت في هذه الأمة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المسلمين بالذنوب، والخطايا، فإنه أول بدعة ظهرت في الإسلام، فكفر أهلها المسلمين، واستحلوا دماءهم، وأموالهم. انتهى كلامه.

وكان أول من أظهر التكفير بغير حق هم الخوارج، وقد كان كثير منهم في جيش علي رضي الله عنه يوم صِفين، فلما اتفق علي ومعاوية رضي الله عنهما على التحكيم، وكان ذلك في شهر رمضان من السنة السابعة والثلاثين من الهجرة أنكر الخوارج أمر التحكيم، وبالغوا في الإنكار على علي رضي الله عنه وقالوا له: حكَّمت الرجال في كتاب الله لا حكم إلا لله، ثم صرحوا بكفره.

يقول أبو الحسن الأشعري -رحمه الله-: أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن حكّم، وهم مختلفون هل كفره شرك أم لا؟

وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر، إلا النجدات فإنها لا تقول ذلك. انتهى كلامه.

وذكر بعض المحققين في المقالات، والفرق إجماع الخوارج على إكفار علي، وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن رضي بالتحكيم، وصوب الحكمين، أو أحدهما والخروج على السلطان الجائر.

ثم إن الخوارج بعد رجوع علي رضي الله عنه من صفين انحازوا إلى حروراء، فسموا حرورية لذلك، وكان عددهم اثني عشر ألفًا فأرسل إليهم علي رضي الله عنه ابن عباس رضي الله عنهما فناظرهم فرجع نصفهم، والآخرون أغاروا على ماشية الناس، واستحلوا دماءهم، وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت، ثم دخلوا منزله فقتلوا ولده، وجاريته أم ولده، ثم عسكروا بنهروان.

فسار إليهم علي رضي الله عنه في أربعة آلاف من أصحابه فقاتلهم، وقتلهم جميعًا، ولم يفلت منهم إلا تسعة، فكان الخوارج هم أول من عرف في الأمة بالتكفير بالذنوب، وتكفير أهل الإسلام بغير حق.

لكنه لم يبق محصورًا فيهم، بل شاركهم في ذلك الرافضة الذين هم شر منهم، حيث كفر الرافضة خيار الأمة، وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واعتقدوا ردتهم بترك ولاية علي بزعمهم.

حيث جاء في كتاب (الكافي)، وهو أصح كتبهم، وأوثقها عندهم: عن أبي جعفر -رحمه الله- أنه قال: كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: الرافضة كفرت أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعامة المهاجرين، والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكفروا جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المتقدمين والمتأخرين.

فيكفرون كل من اعتقد في أبي بكر، وعمر، والمهاجرين، والأنصار العدالة، أو ترضى عنهم كما } أو يستغفر لهم كما أمر الله بالاستغفار لهم.

ولهذا يكفرون أعلام الأمة مثل: سعيد بن المسيب، وأبي مسلم الخولاني، وأويس القرني، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، وأنس بن مالك، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وفضيل بن عياض، وسليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وغير هؤلاء.

ويرون أن كفرهم أغلظ من كفر اليهود، والنصارى؛ لأن أولئك عندهم كفار أصليون، وهؤلاء مرتدون، وكفر الردة أغلظ بإجماع من الكفر الأصلي. انتهى كلامه.

ثم إن عدوى التكفير بغير حق انتقلت من الخوارج، والرافضة إلى القدرية المعتزلة، الذين ظهرت بدعتهم في القدر في آخر عصر الصحابة، حيث حكموا على مرتكب الكبيرة في الدنيا بأنه في منزلة بين المنزلتين.

كما حكموا عليه في الآخرة بأنه كافر، ومخلد في النار، وهكذا لا يزال داء التكفير بغير برهان، ولا مستند شرعي يستشري من طائفة إلى طائفة من أهل البدع، حتى أصبح سمة بارزة، وعلامة ظاهرة لعامة الفرق المبتدعة.

يقول عبد القاهر البغدادي -رحمه الله-: وليس فريق من فرق المخالفين إلا وفيهم تكفير بعضهم لبعض، وتبري بعضهم من بعض كالخوارج، والروافض، والقدرية، والجهمية.

حتى اجتمع سبعة منهم في مجلس واحد، فافترقوا عن تكفير بعضهم بعضًا. انتهى كلامه. ويقول ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-: فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضًا، ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون، ولا يكفرون.

ب. التكفير في العصر الحديث:

لقد انتشر التكفير في هذا العصر انتشارًا كبيرًا، فاق ما كان عليه التكفير في العصور الماضية، وتعتبر بعض الجماعات الدعوية المعاصرة هي السبب المغذي لانتشار التكفير في هذا العصر.إما لسوء مقاصد القائمين عليها، وإما لجهلهم بالدين. يقول الدكتور إبراهيم الرحيلي في كتابه (التكفير وضوابطه): فكان من نتائج تلك الجماعات كثير من تلك الكتب المسماة بالكتب الفكرية، التي أفسدت عقائد كثير من المسلمين، وانحرفت بهم عن جادة الدين، فهي تنظر للمجتمعات الإسلامية المعاصرة أنها مجتمعات جاهلية كافرة نبذت الإسلام ظهريًّا، واعتنقت الكفر الصريح، ولم يسلم من ذلك أحد من أفراد الأمة حكامًا، ومحكومين ذكورًا، وإناثًا شيبًا، وشبابًا.

مما كان له أكبر الأثر في وجود جيل معاصر، تربى على هذه الكتبفزرعت في نفوسهم بذرة التكفير العام للمجتمعات الإسلامية المعاصرة، حتى أصبحت عقيدة راسخة عند هؤلاء.

ولا يُسأل بعد ذلك ما وراء هذا الاعتقاد من فتن، وشرور، ولست بصدد الحصر، بل ولا التوسع في التمثيل لما جاء في هذه الكتب من نصوص، وأقوال في تكفير المجتمعات الإسلامية المعاصرة.

وإنما أشير إلى بعض النماذج والشواهد لما جاء في كتب سيد قطب -رحمه الله- لأنه الإمام المعظم عند كثير من الإخوان، ومَن تأثر بمنهجه؛ ولأن كتبه أكثر انتشارًا، وأعظم تأثيرًا من غيرها. حتى إنه لقد افتتن بها بعض المنتسبين للسنة، وإلا فكتب الإخوان مليئة بالعبارات المكفرة لحكام المسلمين، وللمجتمعات الإسلامية اليوم.

ومما جاء في كلام سيد قطب في تكفير المجتمعات الإسلامية المعاصرة قاطبةً قوله في (معالم في الطريق): والمسألة في حقيقتها هي مسألة كفر، وإيمان مسألة شرك، وتوحيد مسألة جاهلية وإسلام. وهذا ما ينبغي أن يكون واضحًا أن الناس ليسوا مسلمين كما يدعون، وهم يحبون حياة الجاهلية، وإذا كان فيهم من يحب أن يخدع نفسه، أو يخدع الآخرين فيعتقد أن الإسلام ممكن أن يستقيم مع هذه الجاهلية فله ذلك.

ولكن انخداعه، أو خداعه لا يغير من حقيقة الواقع شيئًا ليس هذا إسلامًا، وليس هؤلاء مسلمين.

ويقول في (في ظلال القرآن): لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين بلا إله إلا الله، فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان ونكصت عن لا إله إلا الله، البشرية بجملتها بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمة لا إله إلا الله بلا مدلول، ولا واقع، وهؤلاء أثقل إثمًا، وأشد عذابًا يوم القيامة؛ لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد من بعدما تبين لهم الهدى، ومن بعد أن كانوا في دين الله.

ويقول سيد قطب أيضًا: إنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله، والفقه الإسلامي.  انتهى كلام سيد قطب.

إلى غير ذلك مما جاء في كتب سيد قطب من أمثال هذه النصوص الصريحة، التي لا تحتمل أي تأويل في تكفير علماء، وحكام المسلمين، وسائر أفراد الأمة الإسلامية حتى المؤذنين على المآذن الإسلامية، هم عند سيد كفار مرتدون أثقل إثمًا وأشد عذابًا من غيرهم!!!

ومن هذه الكتب، وأمثالها تلقى بعض التكفيريين المعاصرين منهجهم، وفكرهم القائم على تكفير المجتمعات الإسلامية، وما ترتب على ذلك من اغتيالات، وتفجيرات، وسفك للدماء المعصومة في كثير من أقطار المسلمين.

وقد اعترف بهذا بعض كبار زعماء الإخوان، وسطروا هذا في كتبهم يقول القرضاوي: في هذه المرحلة ظهرت كتب الشهيد سيد قطب، التي تمثل المرحلة الأخيرة من تكفيره، والتي تنضح بتكفير المجتمع، وقطع العلاقة مع الآخرين، وإعلان الجهاد الهجومي على الناس كافة. انتهى.

ويقول فريد عبد الخالق: المعنى فيما سبق إلى أن نشأة فكر التكفير بدأت بين شباب بعض الإخوان في سجن القناطر، في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات. وأنهم تأثروا بفكر الشهيد سيد قطب، وكتاباته، وأخذوا منها أن المجتمع في جاهلية، وأنه قد كفر حكامه الذين تنكروا لحاكمية الله بعدم الحكم بما أنزل الله، ومحكوموه إذ رضوا بذلك. انتهى.

وبين البهنساوي انقسام جماعة الإخوان إلى طائفتين الأولى: طائفة أظهرت أنها لا تقول بكفر من خالفها، والثانية: طائفة تمسكت بالمفاصلة الصريحة، وأعلنت كفر إخوانهم الذين لا يكفرون مَن خالفهم!!

هذه الطائفة يطلق عليها اسم جماعة التكفير والهجرة، ويذكر بعض المحللين المطالعين لكتب المودودي أن سيد قطب إنما استقى فكره، ومنهجه في التكفير من المودودي. انتهى كلام.

وقد نتج عن القول بتكفير المجتمعات الإسلامية المعاصرة شعوبًا وحكوماة من المفاسد ما نعيش اليوم بعضًا من آثاره، حيث خرجت على الأمة شرذمة من أبنائها صغار السن لم يتعلموا العلم الشرعي. ولم يتتلمذوا على العلماء الموثوقين، فنشروا الرعب في النفوس، وأطلقوا ألسنتهم بالتكفير، وأيديهم في التخريب، والتفجير حتى لم تسلم الأماكن المقدسة من سفك الدماء، وتدمير المنشآت. حتى أصبح لهذه الفئة الضالة منهجها، وأتباعها، ومواقعها التي تنشر عبرها هذا الفكر الخطير، والداء العضال فالله المستعان.

error: النص محمي !!