Top
Image Alt

نشأة الديمقراطية

  /  نشأة الديمقراطية

نشأة الديمقراطية

الديمقراطية مذهبٌ من المذاهب الضالة الخدَّاعة التي أنتجتها العقلية الأوربية في التفافها على الكنيسة وديانتها الزائفة، والديمقراطية اسم جذاب، إذ يقصدون به العدالة والحرية في الظاهر، مما جعل كثيرًا من المسلمين ومن غيرهم يتأثرون بدعاية المذهب، ظانين أنها تحمل تحت هذا الاسم ما يوحي بظاهره، ولم يعلموا أنها تسمية سراب، وأن المستفيدين منها هم الطبقات العليا -طبقة الحكام والأثرياء- الذين هم نسخة عن الإقطاعيين في الزمن القديم، أو مَن لهم غرض في محاربة الأديان، وخصوصًا الإسلام.
وعلى رأس ذلك ظهور الرأسمالية الصناعية، التي تطلب نشأتها وازدهارها المرور بثلاث مراحل:

  1. الثورات الداخلية للقضاء على مراكز القوى التي كانت سائدة في البلاد، والتي تقف في طريق سيطرتها، وهما الإقطاع والكنيسة المحرَّفة، الذين كانوا بالإضافة إلى كونهم إقطاعيين نافس البعض منهم الملوك والأباطرة على امتلاك الاقتطاعات الواسعة، يسيطرون على أمور الحياة، ويقفون في سبيل التقدم العلمي والصناعي اللذين تحتاجهما الثورة الصناعية.
  2. النظام الديمقراطي في الحكم ليوفر لهم الاستقرار بعد تلك الثورات التي بعد أن قضت على الأنظمة القديمة، لم تعد تخدم مصالحهم وخاصةً في القرن الثامن عشر؛ إذ يقول “ثومبسون” في كتابه (الثورة الفرنسية): “إنه كان عالم اتفق فيه المتنظرون مع السياسيين الواقعيين، على أنه لا يمكن أن يتحقق شيء بعنف الثورة، لا يمكن تحقيقه بالإصلاح القانوني، وأنه كان عالم فيه فجوة عميقة بين طبقة وأخرى، إلا أنه لم يكن هناك حرب طبقات… الكل يرغب بحرية أكبر، ويدين بالولاء لمِلكية محدودة الصلاحية تسمح بالمشاركة في حكم البلاد”.
  3. الحروب الاستعمارية وغزو البلاد الأخرى واحتلالها؛ لتوفير المواد الأولية اللازمة لصناعاتهم، ولتأمين الأسواق الدائمة لهذه الصناعات، هذا من جهة، أما من جهة أخرى فالحروب كانت تهدف أيضًا إلى إشغال أبناء الأمة عما كانت تعاني مجتمعاتهم من فجوة طبقية شديدة، ومن فقر واستغلال بشع لهذا الفقر، تبدو آثاره في حياة الطبقة العاملة في المصانع والمدن الصناعية الكبيرة التي كانت تستدعي الثورة عليها.
    وهكذا تولت مراكز القوى الرأسمالية بقيادة البلاد الأوربية، ونظام الحكم الديمقراطي فيها توجهه كما تشاء لخدمة مصالحها، وتنظم نشاطات الناخبين والمنتخبين بوسائلها المختلفة؛ لتحقق الفوز لمن تريد، والفشل لمن لا تريد! وهذا هو ذات ما تسعى لتحقيقه في البلاد الأخرى؛ لتتحقق لها تبعيتها بشكل نهائي وإلى الأبد، ولا يعود هناك حاجة للثورات!!
    إن إلحاح الدول الأوربية على الديمقراطية، وتحريض الشعوب على المطالبة بها كحقوق إنسانية قبل الاحتلال وهدرها بعده كما حدث في مصر وغيرها من البلاد المحتلة، واستخدامها وسيلة لإسقاط الحكام المعارضين، ولإضعاف الدولة العثمانية وإسقاطها، جعل الزعماء العرب الأوائل والأواخر يفهمونها كذلك وسيلةً للمعارضة، وهدم الأنظمة القائمة لا غير، تنتهي مهمتها عندما تحقق أغراضها هذه، وليس حلًّا لأزمة الحكم، خاصة وأنه لم يكن هناك قبل الاحتلال وقبل التدخل الأوربي أزمة حكم، ولهذا جعلوا أشخاصهم وأحزابهم فوق هذه الديمقراطية التي يدعون لها مع الداعين، وقدأكد “الأفغاني” هذا الاتجاه عند الزعماء والأحزاب، عندما قال: ” تتخيل الأمة من وراء وعود الحزب سعادة ورفاهة وحرية واستقلالًا ومساواة … فيؤازرون الحزب بكل معاني الطاعة والانقياد والنصرة والتضحية و… إلخ”. فإذا ما تم للحزب ما طلبه من الأمة واستحكم له الأمر، ظهرت هنالك في رؤساء الأحزاب الأثرة والأنانية.
    وقد انتقل هذا المفهوم للديمقراطية بمبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” عبر المفكرين إلى الأحزاب في البلاد العربية، فلا يهم الحزب من أجل جمع المؤيدين حوله والوصول إلى السلطة ما يشيع عن المنافسين له من الإشاعات الباطلة، ولا ما يكيل من الوعود بالجنة الموعودة، إِنْ هو وصل إلى الحكم! ليصل بعد ذلك بالانتخابات أو بالثورة، وتتبخر الوعود، ولا يبقى غير الحقد على المنافسين، وملاحقتهم وتصفيتهم، وحتى هذه الملاحقة والتصفيات ليست إبداعًا خاصًّا بهذه الأحزاب كما قد يعتقد البعض، فهي إن لم تكن تقليدًا لحال الدول الأوربية المتعددة الأحزاب، والتي يخفُّ التنافس فيها حال فوز أحد الأحزاب، ويبدأ التهيؤ للحملة التالية، إلا أنها تقليد لحال الدول الأوربية ذات الحزب الواحد، فكل يوم تُظهِر الصحف الروسية -مثلًا- فضائح جديدة للتصفيات التي قام بها “ستالين” لخصومه، ولتصفيات مَن جاء بعده من الحكام لخصومهم! هذا غير ما فعله “تيتو” و”شاوسيسكو” وغيرهم.
    بل أكثر مفكري النهضة لم يروا الديمقراطية الأوربية على حقيقتها ولا كما هي في الواقع، وإنما دعوا إليها كما توهموها، فنشروا على الناس أوهامهم هذه عنها، فتوهموا أنها تأتي بأكفأ مَن في المجتمع وأحسن رجاله، مهملين القوى الخفية التي تحرك الانتخابات لإيصال رجالها بغض النظر عن كفاءتهم.
    والقارئ لسير معظم من أوصلتهم الانتخابات للحكم في أوروبا وأمريكا، ليعجب كيف وصل هؤلاء وبلادهم فيها الكثير ممن هم أكثر كفاءة؟!!
    وتوهموا أن الديمقراطية الأوروبية تمنع استبداد الحكام؛ لأنها لا تسمح للوصول إلى السلطة إلا من تشرب السلوك الديمقراطي، بينما يؤكد “سالزبرجر” على أن “ديغول” كان يحكم بأسلوب أوتوقراطي إلا أنه مستبد عادل، وأنه لا يؤمن بالديمقراطية، ويرى أن نظام الحزبين على النمط البريطاني أو الأمريكي متعذر إقامته في فرنسا، وهو مقتنع بحاجة فرنسا إلى حكم قوي؛ لأن صغار الرجال في نظره لا يستطيعون معالجة عظائم الأحداث، ولذلك كان معجبًا بـ”ستالين” ويقول: إنه كان عالمًا ضخمًا، قيصرًا حقيقيًّا، كان يسيطر على كل شيء بنفسه.
    وقد توهم المفكرون أيضًا أن الديمقراطية هذه توفر الاستقرار، وتمنع التغييرات العنيفة؛ كالثورات، وتجعل الحكام يعيشون آمنين مطمئنين؛ لأنهم جاءوا إلى السلطة باختيار الشعب لهم، وهو وهم تبدده الاغتيالات المتكررة لرؤساء الجمهوريات؛ وخاصةً في أمريكا معقل الديمقراطية، وتبدده إجراءات الأمن المشددة التي تحيط بالرؤساء.
    استطاع المحتلُّ بواسطة الأحزاب -الديمقراطية- أن يكرِّس احتلاله ويجعله أسهل وأرخصَ، كما كان احتلاله بفضل الأحزاب كذلك. وبدلًا من أن تجتمع كلمة الأمة ضد المحتل، تفرقت بين الأحزاب المتنافسة التي اشتدَّت مع الأيام منافستها حتى صارت بعد عام 1923 في مصر مثلًا إلى حدِّ لم يعد فيه هم الأحزاب وهدفهم بلوغ السلطة في البرلمان، بل التنديد بخصومها وإسقاطهم عبر الغوغائية بالتحريض حتى ولو كانت النتائج تناقض المصلحة العامة، وكثيرًا ما انهمك الزعماء السياسيون في تبادل الشتائم والسباب والمهاترات، متهمين بعضهم البعض بالخيانة والنفاق، مما أدى إلى زعزعة ثقة الناس بجميع الزعماء إلى حد كبير.
    ولم تحل سنة 1952م حتى كانت المهاترات وفوضى الخلافات الحزبية قد بلغت قمتها، وزاد الأمر سوءًا أن الشعب نفسه قد تقسمته أهواء الأحزاب التي يزعم كل منها أنه ينطق باسمه، وهي جميعًا أحزاب مصطنعة لا مبررَ لوجودها، فكلها قد وجدت لأسباب شخصية، ولا فرق بين برامجها؛ لأنها جميعًا متولدة عن حزب الأمة، وقد بدأت جميعًا مستندة إلى العصبيات وإلى أصحاب المصالح من كبار الملاك.
    ولم يقتصر دور الأحزاب على تسهيل الاحتلال وتكريسه، وإنما استمر دورها في خدمة مصالح الاستعمار بعد الجلاء والاستقلال، وذلك إذ صارت تعمل على إدامة التبعية بكل أشكالها للاستعمار، ولم يأتِ عملها هذا بالصدفة !! وإنما جاء نتيجة تخطيط مسبق من قبل المحتل الذي أجرى خلال احتلاله عملية مسح للأفكار والنـزعات، والآمال والأهداف السائدة في الوطن، ولما أدخله من أفكار وقيم ونزعات، ولما كان سائدًا في العالم من نزعات عالمية كالاشتراكية والشيوعية والفابية ….إلخ التي كان من المتوقع لها أن تسود، ثم قام بصهر كل ذلك وصبه في القوالب التي يريد، فشجع تأليف الأحزاب المختلفة الأسماء والاتجاهات، منها ما هو قومي، ومنها ما هو اشتراكي، ومنها ما هو ديمقراطي، ومنها ما هو شيوعي …. إلخ
    ولكن الحزب القومي هذا يدعو إلى ذلك المفهوم من القومية الذي يريده الاستعمار والبعيد كل البعد عن كل مقومات الأمة، وكل ما يشكل شخصيتها.
    وكذلك هو حال الأحزاب الاشتراكية، فهي رغم كونها فكرة عالمية، فهي الأخرى مرتبطة بهذا أو ذاك من الأحزاب الاشتراكية في هذه أو تلك من الدول المستعمرة، تستمد منها الوحي والدعم معًا، وحتى الأحزاب الشيوعية، وبالرغم من وجود النظام الماركسي الروسي الذي ترتبط به الشيوعية العالمية والأحزاب الشيوعية في العالم، والذي يعتبر الأب الروحي لها، إلا أن ارتباط الأحزاب الشيوعية في الدول العربية بروسيا يمر خلال الأحزاب الشيوعية في دول الاستعمار هذه التي أنشأتها ودعَّمتها منذ البداية، إذ يذكر مجيد خدوري في كتابة (الاتجاهات السياسية في العالم العربي) مثلًا أن الحزب الشيوعي اللبناني كان يتلقى دعمه من الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي كان مقتصرًا على الجالية اليهودية، ومقاطع من قبل العرب، ولكن بعد تأسيس الحزب الشيوعي السوري في أوائل الثلاثينيات، اتجه الحزبان السوري واللبناني إلى الحزب الشيوعي الفرنسي؛ طلبًا للمساعدة والتوجيه.
    وكل هذا تخطيط من أجل ما بعد الجلاء، فأي حزب يسيطر على الساحة السياسية في البلاد بعد الجلاء، لا يعدم الاستعمار من أن يجد من بين صفوفه من يواليه ويحقق مصالحه، ويضمن استمرار تبعية البلاد له.
    وليس هذا فقط، وإنما عمل الاستعمار أيضًا -وخاصة الإنكليزي- على بناء زعامات وطنية يقوم بتربيتها وإبرازها وإشهارها، كشخصية عبقرية فذة، مؤكدًا على وطنيتها من خلال ما يرتبه لها من مواقف وطنية مناهضة للاستعمار فيلتف حولها الوطنيون، وتنال دعمًا شعبيًّا كبيرًا، فتصبح هذه الزعامة بفضل هذه المواقف التمثيلية المرتبة، والحزب الملتف حولها هي القوة الغالبة. وبهذا يهيئهالتسلم دفة الحكم عندما تزف ساعة الرحيل بعد أن ينتهي دور الاحتلال بتحقيق أهدافه.
    فالاستعمار لا يمكن -كما يقول مالك بن نبي: “أن يلغي من حسابه مبدئيًّا احتمال الاستقلال… إن الاستعمار لواثق اتجاه هذا الاحتمال، ولمواجهته في الوقت اللازم. ولذلك يهيئ لمن يُسلم البلاد، ويقول عن حال الجزائر: “إن الصراع لم يكن صراع أفكار، وإنما صراع مصالح تشرف عليها السلطات العليا، متظاهرة بمقاومته أحيانًا، عندما تعلن غضبها على هذا العدو لفرنسا، أو ذاك حتى يرى الشعب المغرور في تلك العداوات بطولات توجب عليه السمع والطاعة لأصحابها…. وليس أدل على ذلك من الكيفية التي ظهر فيها سعد زغلول وأصبح أكبر زعيم وطني في مصر، وهو الذي استوزر لأول مرة وهو شاب صغير بترشيح من “بلنت” و”كرومر” وأصبح وزيرًا مزمنًا في الوزارات المختلفة والمتعاقبة في الدولة، ينتقل من وزارة إلى أخرى، منفذًا للإنكليز كل استبدادهم، ومكرسًا احتلالهم لمصر !!”.
    فمن المعروف أن الوزير آنذاك هو المنفذ لسياسة الإنجليز، وقد اعترف بذلك اللورد “ويفل” الذي قال عن كيفية الحكم في مصر: “إن الإنجليز ليس لديهم سلطات تنفيذية بأنفسهم ولكنهم يُباشرون التنفيذ عن طريق الوزراء المصريين…”، ولما أنشأ كتشنر عام 1913 الجمعية التشريعية استقال سعد وانتخب رئيسًا لها، وتحول إلى معارض للإنكليز بقدرة قادر !! وتطرف سعد بعد ذلك لينافس الحزب الوطني المتطرف ضد الإنكليز، إلا أنه احتوى هو وجماعته من أعضاء حزب الأمة هذا التطرف ضد الإنكليز ووجهوه ضد الخديوي وإن عارضوا الإنكليز كما يقول محمد محمد حسين: فهم لا يعارضونهم إلا في تسامحهم مع الخديوي.
    وكون الديمقراطية والحزبية نبتة أجنبية لا يحتاج منا إلى دليل، فهي لم تدخل كفكرة وكممارسة إلا مع أوائل الغزو الأوربي الذي تمثَّل أول الأمر بالمدارس الأجنبية، والإرساليات التبشيرية، ومن ثَم الماسونية وما نسخ عنها من الأحزاب، فالعراق مثلًا لم يعرف الحياة الحزبية العلنية إلا في عهد الانتداب الإنكليزي عام 1921-1933م، وتألفت عشرة أحزاب، لم تدم طويلًا حتى أن مواد القانون الأساسي الذي نص على أن السيادة للأمة، ووضع موادًّا لحماية حقوق الشعب الأساسية كانت مترجمة عن الإنكليزية، وأن القانون وضع نتيجة معاهدة فرضتها بريطانيا على العراق.
    ولم يُدخل الإنكليز الديمقراطية إلى البلاد حرصًا على مصالح الأمة وحكمها لنفسها كما قد يعتقد البعض، بل العكس؛ حتى يحكموا سيطرتهم عليها، ويسيروها باسم الديمقراطية كيفما شاءوا. أدخلوها؛ لأنها مهزلة ليس إلا، وقد وصفها السر “أرنولد ويلسن”، نائب الحاكم المدني في العراق سنة 1918-1920م كذلك؛ إذ كتب مقالة عام 1936م إثر انقلاب بكر صدقي في العراق قال فيها: “حررناهم من حكم الأتراك الخفيف الوطء والكسول حينما احتللنا العراق، بقصد منع الألمان من الوصول إلى الخليج، ولقد حملناهم على تبني نظام برلماني، بمجلسين أعلى وأدنى، وانتخابات دورية، في وقت كان الأتراك والإيرانيون قد ألغَوا فيه برلماناتهم باعتبارها سببَ دمارهم، لقد أخذنا العراق من الأتراك الذين لهم تقاليد الحكم وخبرته، وأودعناهم أناسًا ليس لهم حظ من أيهما”.
    وبعد أن يلوم بريطانيا يقول عن الانقلاب: “وهذا الانقلاب يعني نهاية مهزلة الحكومة البرلمانية في العراق، ومهزلة الديمقراطية التي أرسى دعائمها الاستعمار الإنكليزي تظهر في الاستفتاءات التي أجراها في أول أمر الاحتلال؛ ليعطي الشرعية لأعماله. فقد أُجري استفتاء شعبي شبه رسمي في العراق، وكان هناك مرشحان لحكم العراق، وكانت إنكلترا قد وعدت أن تجري انتخابات عامة حرة في البلاد لاختيار مجلس نيابي يناط به تقرير دستور للبلاد، واختيار رئيس الدولة المقبلة، وكانت الحكومة الإنكليزية تعلم أنه سوف لن يختار هذا المجلس مرشحها، فقررت فرضه على البلاد، فقامت قوة باختطاف المرشح الآخر، بِناءً على أوامر “كوكس” بينما كان ينـزل ضيفًا عليه في منـزله، وحُمل إلى عربة مدرعة توجهت به إلى زورق نقله إلى البصرة، ومنها إلى السجن في سيلان”.
    ونظم “بيرس كوكس” هذا استفتاء شعبيًّا يقوم على سؤال وحيد يجعل البديل هو استمرار الحكم الأجنبي مما اضطر المستفتون إلى قول: “نعم” !! فبريطانيا لم تحكم البلاد العربية التي احتلتها بشكل مباشر، بل من خلال ما توجده من تنظيمات، ومنها الأحزاب، والمجالس النيابية. وقد ذكر “خدوري” ما يؤكد هذا الأمر إذ قال: “أصرت فرنسا بصفتها السلطة المنتدبة على ضرورة تضمين دستور كل من سوريا ولبنان موادًّا تشترط موافقتها -فرنسا- المسبقة على كل إجراء رسمي، أما بريطانيا فقد آثرت إخضاعَ الشكل للمضمون، فلم تشترط مثل هذه السلطات، بل فضلت الاعتماد على نفوذ غير مباشر عوضًا عن النفوذ المباشر”.
    أما بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد أن انتصرت الديمقراطية الأوربية متمثلةً بالحلفاء على جبهة المحور، أو عزت الأولى إلى الأنظمة السائرة في ركابها بالسماح لشعوبها بممارسة الديمقراطية كأسلوب لإيقاف الاتجاهات التبشيرية الشيوعية، والتي كان نشاطها قد تزايد بفضل دعم الحلفاء لها خلال السنوات الآخرة من الحرب من أجل الاستفادة من تنظيماتها في الدعاية للحرب الاستعمارية هذه، وجعلها حرب تحرير وديمقراطية، ولكن بعد أن حطت الحرب أوزارها، وتقاسم الحلفاء من جديد مناطق النفوذ، ظهر التخوف من انتشار الشيوعية من جديد.
    إن الديمقراطية دخلت البلاد العربية مشوهةً وكوسيلة لتكريس الاستعمار لا غير. لقد فرضت الدول الأوربية على الدول العربية نظامها الديمقراطي، ولم تدع للعرب حرية اختيار نظامهم السياسي الذي ينسجم مع ظروفهم الخاصة بهم، وجعلت الزعماءَ المحليين الذين وضعتهم على رأس السلطة يتبنون مؤسساتها هذه:
    المؤسسات الفرنسية في الدول الخاضعة لفرنسا، والمؤسسات البريطانية في الدول الخاضعة للنفوذ البريطاني، بغض النظر عن ملاءمة هذه المؤسسات لحال الدول العربية وأوضاعها المحلية. وفوق كل ذلك لم تسمح للمؤسسات التي أوجدتها، هذه أن تعمل بحرية؛ بحيث تتمكن من تكييف نفسها للأوضاع القائمة في البلاد؛ بل كثيرًا ما كانت تفرض القيود عليها كلما لاح من هذه المؤسسات ما يناقض مصالحها، فنجد بريطانيا مثلًا في الوقت الذي تؤيد فيه سيطرة البرلمان على الحكومة ضد رغبة الملك، كان قناصلتها في العراق وغيره يفضلون تعزيز سلطة الحكام، وإعطائهم حق النقض لقرارات البرلمان. هذا غير أن النماذج التي طبقتها الدول الأوربية من مفاهيم الديمقراطية في البلاد العربية كان مهلهلًا، إذ هي فرضت على هذه البلاد ما شاءت من أنظمة ودساتير، وحتى عندما كانت تجري استفتاء على أمر ما، كانت تدبره بشكل يجعل نتيجته توافق ما كانت قد قررته مسبقًا ويحقق مصالحها، وكانت تعامل الحكام بصَلف وتفرض عليهم إرادتها.
error: النص محمي !!