Top
Image Alt

نشأة الوضع

  /  نشأة الوضع

نشأة الوضع

جيل الصحابة معصومون من الكذب:

كنا قد وصلنا إلى أن جيل الصحابة بفضل الله تعالى معصومون من الكذب، ومحفوظون من الوقوع فيه، وكنا نستدل على ذلك بأقوال أهل العلم قديمًا وحديثًا، فاستدللنا بكلام الدكتور/ مصطفى السباعي، والدكتور/ أكرم بهاء العمري، وها نحن نواصل نقل أقوال العلماء في ذلك، يقول الأستاذ الدكتور/ محمد عجاج الخطيب في كتابه (السنة قبل التدوين) حول نفس المسألة:

“وإن الواقع التاريخي في حياة رسول الله صلى الله عليه  وسلم وبعد وفاته ينفي كل افتراء على الصحابة في هذا الموضوع، والصحابة أسمى بكثير من أن يخوضوا في الكذب والوضع، وهم الذين سمعوا من رسول الله صلى الله عليه  وسلم في مواطن كثيرة، سمعوا قوله: ((من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار)) وسمعوا قوله صلى الله عليه  وسلم: ((إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد، من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار)) فلا يعقل أن يقدم أحد من الصحابة بعد أن عرف جزاء الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم على وضع واختلاق ما لم يقله صلى الله عليه  وسلم ولا يعقل أن يجازف أحد منهم بالنور النبوي الذي خالط قلبه وروحه، فيطفئه بوضع حديث في سبيل دعم فكرة أو للانتصار لحزب، أو للتقرب من شخص، وإن أية محاولة في سبيل إثبات الوضع من قبل الصحابة ستبوء بالفشل؛ لكثرة الأدلة القاطعة على ورعهم وخشيتهم وبعدهم عن المعاصي، واعتزال أكثرهم الفتن، وابتعادهم عن الضلالات والبدع، بل إن الأدلة على أنهم كانوا حفظة للشريعة يذبون عن السنة التحريف والتأويل أكثر من أن تحصى.

ولو فرضنا جدلًا وقوع الوضع من بعض الصحابة -وهذا بعيد- فإن ذلك سينكشف أمره، وينتقل إلينا كما انتقلت أخبار كثيرة من الحوادث الجليلة والدقيقة، ويقوي هذا عندنا ذلك الوعي الرفيع الذي كان يتميز به الصحابة وكبار التابعين، إلى جانب رسوخهم في الحديث النبوي الشريف الذي يسهل عليهم معرفة الصحيح من الموضوع، ووراء هذا كله جرأتهم المثالية في الحق، وهي جرأة لم ترض لهم أن يسكتوا عن آبائهم وأعز الناس إليهم إذا انحرفوا عن سواء السبيل، ولم يكن يخيفهم آنذاك سلطان الحاكم، ولا نفوذ القوي، بل كثيرا ما كانوا يعترضون على الحكام والعلماء وغيرهم يبينون وجه الحق، ولا يخافون في الله لومة لائم، وإن التاريخ الإسلامي ليعتز بذلك الجيل الذي تمثل الإسلام وعمل به، فكان قدوة حسنة للأجيال التالية، وإن هذا كله ليدفع كل شبهة تحوم حول إيقاع الصحابة في نار الوضع” انتهى كلام الأستاذ الدكتور محمد عجاج الخطيب.

بعد كل هذه النقول وغيرها كثير نقطع بأن جيل الصحابة هو أطهر وأصدق الأجيال، وهو المبرَّأ من الكذب، بل هو المدافع عن السنة، وهو الذي وضع القواعد الضابطة لصيانتها، مما سارت عليه الأمة بعد ذلك وأضافت إليه من القواعد ما اقتضته ظروف كل عصر، وإذا كان الأمر على هذا النحو, جيل الصحابة بريء من تهمة الكذب -فمتى بدأ الوضع في السنة؟

بداية ظهور الوضع:

الباحثون يكادون يجمعون على أن بداية ظهور الوضع كان بعد انتهاء عصر الخلفاء الراشدين، أي: بعد الفتنة التي ألمَّت بالمسلمين بعد مقتل الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان ذي النورين رضي الله  عنه فتنة وقعت انقسم المسلمون بعدها، ونشأت بعدهم الخلافات السياسية وغيرها، بايع المسلمون عليا بعد عثمان  رضي الله  عنهم بالخلافة، ولكن حياة علي رضي الله  عنه لم تدم طويلًا فاستمر في خلافته حتى استشهد سنة أربعين هجرية.

إن سنة أربعين تقريبًا هي بدايات ظهور الوضع نظرًا للأوضاع التي ترتبت على مقتل عثمان رضي الله  عنه وليس معنى ذلك أن الوضع قد انتشر وكثر في سنة أربعين، بل نقول: إن تلك السنة هي بداياته وبواكيره الأولى فقط؛ لأنه في ذلك التاريخ كان كثير من أفاضل الصحابة لا يزال حيًّا، ويقومون بدورهم في نشر السنة والذب عنهم، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: السبعة المكثرون من الصحابة  رضي الله  عنهم: أبو هريرة، وابن عمر، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، بل كان هناك من العشرة المبشرين من لا يزال حيًّا مثل: سعد بن وقاص، وسعيد بن زيد، بالإضافة إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن الزبير وغيرهم كثير، بل إن الولاية السياسية العامة للدولة كانت لا تزال في جيل الصحابة  رضي الله  عنهم ممثلة في معاوية بن أبي سفيان رضي الله  عنه الذي استمرت ولايته حتى سنة ستين هجرية، كما أن الريادة العلمية لا تزال أيضًا في جيل الصحابة ممثلة فيمن ذكرناهم وغيرهم كثير، كما أن جيل كبار التابعين من أمثال: ابن المسيب، وابن سيرين، وعروة بن الزبير، والحسن وغيرهم، والفقهاء السبعة الذي هو من أجيال الخيرية أيضًا -يقوم بدوره في الذب عن السنة والدفاع عنها؛ ولذلك لم تتسع دائرة الوضع إلا مع نهايات القرن الأول وبدايات القرن الثاني حينما نشأت خلافات أخرى بين بني أمية والشيعة، وبين بني أمية أيضًا والعباسيين، وبين العباسيين والشيعة، وكثرت الفرق السياسية ونشأت الخلافات الفقهية والعقدية، وغير ذلك مما سنبينه بإذن الله تعالى عند كلامنا عن أسباب الوضع.

وهكذا نقرر أن بداية الوضع كانت مع سنة أربعين تقريبًا للهجرة، ولكنه لم يتسع إلا مع نهاية القرن الأول، ثم بعد ذلك مع بداية القرن الثاني، حين كثرت الخلافات والفتن، واتسعت أرجاء الدولة، ودخلت أمم أخرى في الإسلام، ووجدت العوامل التي ساعدت، وأدت إلى اتساع حركة الوضع.

حفظ الله السنة كما حفظ القرآن:

وقبل أن ننتقل إلى مناقشة أسباب الوضع، فإننا نشير إلى نقطة هامة هنا بإيجاز، وهي: إنه قد يتسلل الخوف إلى بعض القلوب المؤمنة المخلصة على السنة من محاولات الوضع هذه، يخافون من محاولات الوضع هذه، ويخشون أن تكون السنة قد تعرضت لشيء من الزيادة والنقصان بسبب تلك المحاولات، نقول لتلك القلوب العامرة بالإيمان: اطمئنوا فإن الله تعالى قد أحاط السنة المشرفة بعنايته ورعايته وحفظه وكلاءته، بأن يسر لها تلك الجهود المخلصة التي قام بها علماء الأمة -بارك الله فيهم- لصيانة هذا المصدر العظيم المبين لكتاب الله تعالى والمشرع أيضًا مع القرآن الكريم.

فكما حفظ الله تعالى القرآن الكريم، كما في قوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، فقد حفظ الله تعالى أيضًا السنة المطهرة؛ لأن الله تعالى قد جعلها مبينة للقرآن الكريم، كما في قوله عز من قائل: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].

فرسول الله صلى الله عليه  وسلم قد أوكل الله إليه مهمة بيان القرآن الكريم، ولا يعقل أن يحفظ الله تعالى المُبَين وهو القرآن الكريم ولا يحفظ المُبَين وهو السنة المطهرة، إذ ما قيمة حفظ المُبِيَّن بدون أن يحفظ المُبَيِّن، إن هذا التلازم البديهي بين المُبيَّن والمُبَيِّن يقطع بضرورة حفظ الله تعالى للسنة، كما حفظ القرآن الكريم تمامًا.

وقد يقول قائل: إذا كان الله تعالى قد حفظ السنة، فلماذا تعرضت إذن لمحاولة الوضع، بل إن الهجوم مستمر عليها من لدن قالها رسول الله صلى الله عليه  وسلم إلى زماننا هذا، بل إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها؟ ونقول إجابة على هذا السؤال: إن هذا الهجوم الشرس المتواصل على السنة المباركة، ثم رده على أعقابه مذمومًا مدحورًا لهو من أقوى الأدلة على الرعاية الإلهية لسنة نبيه صلى الله عليه  وسلم إذ كيف كنا سنعرف هذا الحفظ بدون هذا الهجوم، نعم يهاجمون ثم يخسرون ويهزمون.

إن القرآن الكريم نفسه الذي نص الله صراحة على حفظه قد تعرض أيضًا لمحاولات، فهل منع ذلك الحفظ الإلهي المحاولات العديدة للهجوم على القرآن، حتى في زماننا هذا كما يعلم الجميع؟

يتعرض القرآن الكريم لمحاولة التغيير والتبديل والحذف والإضافة والقبول والرد، ثم يفشل ذلك كله وفشله من أوضح الأدلة على حفظ الله تعالى لكتابه الكريم، ولذلك نظائر كثيرة منها أن الله تعالى قد عصم نبيه صلى الله عليه  وسلم من محاولة الإيذاء التي يتعرض لها، وذلك كما في قوله سبحانه: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] فهل منعت تلك العصمة الإلهية محاولات التعرض لإيذاء النبي صلى الله عليه  وسلم.

إن تلك المحاولات لهي من أقوى الأدلة على هذا الحفظ، ونفس الشيء نقوله عن حفظ الله تعالى لكتابه ولسنة نبيه صلى الله عليه  وسلم فإن هذا الحفظ لا يتضح، ولا تظهر قيمته إلا مع تلك المحاولات البائسة المردودة كليلة خاسئة حسيرة على أصحابها، نقول ذلك لنطمئن القلوب المؤمنة المخلصة على أن السنة المباركة قد استمرت في حلقات متتابعة عبر رحلة مباركة تحوطها الرعاية والصيانة والحفظ بجهود جبارة لعملاء أفذاذ، من لدن قالها أستاذها رسول الله صلى الله عليه  وسلم حتى حفظتها لنا تلك الكتب المباركة التي بين أيدينا الآن، ونقولها أيضًا للذين يتخذون من تلك الهجمات التي تعرضت للسنة سبيلًا للنيل منها، والتشكيك فيها, نقول: إن ما اتخذتموه دليلًا على ما تزعمون لهو من أقوى الأدلة في الرد عليكم؛ إذ ما زادت هذه الهجمات الأمة إلا يقظةً وانتباهًا وحرصًا على سنة رسول الله صلى الله عليه  وسلم التي يعرفون منزلتها من التشريع، ويمتثلون لأمر رسول الله صلى الله عليه  وسلم في العمل على روايتها ونشرها، وتناقلها بين أجيال الإسلام المتعاقبة، لقد عاشت السنة المباركة في صدور هؤلاء الكرام البررة وكتبهم، حتى سلموا لنا الأمانة خالية من كل شبهة، بعيدة عن كل ريب، محفوظة مصونة بفضل الله تعالى ثم بجهود هؤلاء العظام، فجزاهم الله عن الإسلام وأهله وسنة رسوله صلى الله عليه  وسلم.

ما ورد عن بعض المتكلمين من إنكار الوضع:

وقبل مناقشة أسباب الوضع أيضًا نتوقف قليلًا مع مسألتين: أولاهما: ما ورد عن بعض المتكلمين من إنكار الوضع, الثانية: موقف الفرق التي نشأت بعد الفتنة والخلافات السياسية كالشيعة والخوارج وغيرهما من الوضع في الحديث.

أما عن المسألة الأولى، وهي إنكار الوضع، فهذا رأي حكاه ابن كثير -رحمه الله- في اختصار علوم الحديث، عن بعض المتكلمين، حيث ذكر إنكارهم وقوع الوضع بالكلية، ثم رد ابن كثير على هؤلاء بأحد أمرين:

أولا: أن هذا القائل لا وجود له أصلًا.

الثاني: إذا وجد فهذا يدل على أنه في غاية البعد عن ممارسة العلوم الشرعية.

فعلًا إنكار الوضع أمر غريب، فقد وقع واعترف به كثير من واضعيه ونهضت الأمة للتصدي لتلك الظاهرة الخطيرة بأساليب متعددة سيأتي الحديث عنها بإذن الله -تبارك وتعالى.  وقد ذكر ابن كثير أيضًا أن هناك من حاولوا أن يردوا على من أنكر الوضع بأنه قد ورد في الحديث: أنه عليه السلام قال: ((سيكذب علي)) فإن كان هذا الحديث صحيحًا، فسيقع الكذب عليه؛ لأن ذلك إخبار من الصادق المصدوق صلى الله عليه  وسلم وإن كان الحديث مكذوبًا على رسول الله صلى الله عليه  وسلم فهذا في حد ذاته دليل على وقوع الكذب والوضع على رسول الله صلى الله عليه  وسلم وقد عقب ابن كثير على هذا الرد، فقال: “إذا كان الخبر صحيحًا فسيقع الكذب حتمًا لا محالة، قال: نعم لكنه قد لا يلزم من ذلك وقوعه حتى الآن” أي: حتى زمن ابن كثير رحمه الله تعالى؛ لأنه قد بقي على يوم القيامة أزمان لا يعلم قدرها إلا الله.

هذا القول على كل حال والرد عليه لم يعجب ابن كثير؛ ولذلك قال في نهاية المسألة: “وهذا القول والاستدلال عليه من أضعف الأشياء عند أئمة الحديث وحفاظهم الذين كانوا يتضلعون من حفظ الصحاح، ويحفظون أمثالها وأضاعفها من المكذوبات؛ خشية أن تروج عليهم، أو على أحد من الناس -رحمهم الله ورضي عنهم” انتهى كلام ابن كثير -رحمه الله.

حقًا إنها قضية لا تستحق الوقوف عندها كثيرًا، فإن إنكار الوضع كإنكار الشمس في وسط النهار, فعشرات الكتب تمتلئ بأخبار الوضع والوضاعين والرد على مفترياتهم، بل إن هذا الوضع والدس في السنة المطهرة كان من أقوى الأسباب التي حركت همة علماء الأمة الأماثل الأماجد للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة فجزاهم الله تعالى عن الإسلام وأهله خيرًا.

ولسنا نخاف من الوضع ومحاولاته البائسة حتى ننكره، أو حتى نضطر إلى القول بإنكاره، فلسنا في موقف الضعف أو الخوف من تلك المحاولات، فقد تصدى لها علماء الأمة بصلابة وقوة كما ذكرنا ذلك مرارًا، وكما سنبينه بتفصيل أكثر عند حديثنا عن الوسائل التي اتبعها العلماء في الدفاع عن السنة.

إن الخائف المتردد هو الذي يفزع من تلك المحاولات ويضع رأسه في الرمال مخادعًا لنفسه، لكننا نعترف بمحاولات الوضع؛ لأننا نثق يقينًا أنها لم تنل مثقال ذرة من السنة المطهرة، وهب أننا أنكرنا ذلك، فهل ذلك سينفي وجودها؟ بل إننا نقول إن المحاولات ستظل مستمرة إلى يوم القيامة بالهجوم على السنة المطهرة إن لم يكن بالوضع، فبالتشكيك في رواتها وفي مصادرها وتدوينها وكثير من أحاديثها، وليس ذلك مقصورًا على غير أبناء الإسلام من الأعداء الذين يتربصون بالإسلام وأهله الدوائر، بل إن كثيرًا من أبناء جلدتنا، الذي يعدون من مفكرينا يوجهون سهامهم ليل نهار إلى السنة المطهرة، وسيظل الأمر كذلك، لكن الله تعالى يهيئ في كل جيل وعصر، وفي كل بلد ومصر، من يحمل لواء الدفاع عن السنة ورد تلك المحاولات عنها ولله الحمد والمنة؛ ولذلك نطلب من دارسي السنة المطهرة أن يقبلوا على تلك الدراسة بروح الجندية، وأن يعلموا أنهم على ثغر من أهم ثغور الإسلام يحاول أعداء الإسلام أن ينالوا منه، والله يعصم كتابه وسنة نبيه من كيد الكائدين بفضله سبحانه وتعالى.

error: النص محمي !!