Top
Image Alt

نشأة علم الجرح والتعديل، وحكمة مشروعيته، ومؤلفاته

  /  نشأة علم الجرح والتعديل، وحكمة مشروعيته، ومؤلفاته

نشأة علم الجرح والتعديل، وحكمة مشروعيته، ومؤلفاته

علم الرجال وعلم الجرح والتعديل علمان متكاملان، لكن كل واحد منهما له موضوع مستقل، ولكن أحدهما لا يستغني عن الآخر.

فعلم الرجال هو الذي نعلم به أحوال الرواة جرحًا وتعديلًا، أي: يترجمون للراوي، وبالنسبة للدراسات الحديثية أهم ما نحتاجه في التعريف بالراوي بعد ذكر اسمه ولقبه إلى آخره…: ما أقوال العلماء فيه من حيث الجرح والتعديل؟

وعلم الجرح والتعديل: هو العلم الذي بين دفتيه القواعد التي في ضوئها يحكم العلماء على الرجال، ما هي قواعد الجرح والتعديل؟ ما هو الجرح والتعديل المقبول؟ ما هو الجرح المردود؟ ما هي شروط الجارح؟ ما هي شروط المُعدّل؟… إلى آخره، ما هي العدالة؟ من الذي يقوم بها؟ ما شروط المعدل… إلى آخره، كيف تثبت العدالة؟… كل هذه من مباحث علم الجرح والتعديل.

إذًا التجريح: هو بيان أحوال الراوي من حيث رد الرواية، أي: الكلام على الراوي بما يوجب رد روايته.

والتعديل أيضًا: الكلام على الراوي بما يوجب قبول روايته.

وقد عُنِيَ علماء الأمة بعلم الجرح والتعديل، فلا يقولون قولًا ولا يؤسسون علمًا إلا وله أدلته الشرعية.

فحين نجرّح أحد الرواة أو نعدله لنا سند شرعي في ذلك، ولا نتكلم بالهوى.

والقرآن الكريم هو الذي وضع لنا الأسس لذلك، يقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] فهذا من الأدلة على مشروعية علم الجرح والتعديل، ومعنى الآية: أننا نتوقف في قبول خبر الفاسق حتى نستوثق من صدقه، وبالتالي يؤخذ من مفهوم الآية أنه متى كان عدلًا قبلت روايته.

وكذلك أيضًا قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: 2] أي: لا نشهد إلا أصحاب العدالة الذين نثق في أقوالهم وفي طهارتهم وفي استقامتهم وفي صدقهم ويقينهم.

والقرآن الكريم مدح أناسًا وذم أناسًا وبيّن صفاتهم الذميمة مثل المنافقين مثلًا، وهذا نوع من التجريح؛ كقوله تعالى: {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلا} [النساء: 142] وقوله: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} [التوبة: 67] فبين صفتهم الذميمة التي بها يستحق الذم.

بينما مدح الصحابة رضي الله عنهم بمثل قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}  [الفتح: 18]، وقوله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ} [الفتح: 29].

فهذا تعديل وتجريح من القرآن الكريم؛ ليضع لنا الأسس لهذا العلم، وليضع لنا الأدلة الشرعية على ذلك.

والنبي صلى الله عليه وسلم قد جرح؛ فقال: ((بئس أخو العشيرة))، وهذا حديث صحيح.

ومدح عبد الله بن عمر؛ فقال: ((نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل)) في بعض الروايات، وكلها صحيحة عند البخاري في مناقب عبد الله بن عمر.

وأشار على فاطمة بنت قيس؛ فقال: ((أنكحي أسامة))، وقال عن أبي الجهم: ((إنه لا يضع عصاه عن عاتقه))، وعن معاوية: ((إنه صعلوك))… إلى آخره.

فكل هذا من باب التعديل والتجريح، الثابت بالأدلة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة، وإلا فإن علماء السنة وهم يدافعون عن السنة لا يستجيزون لأنفسهم أبدًا أن يستعملوا وسيلة ليست عليها أدلة شرعية.

بعد أن ثبتت المشروعية ألف العلماء فيما يتعلق بالرجال كثيرًا جدًّا، وقد أخذت المؤلفات في الرجال وبيان أحوالهم أشكالًا متعددة كثيرة جدًّا.

وهناك كتب تكلمت في الضعفاء فقط؛ كـ(الضعفاء) للبخاري و(الضعفاء) للنسائي وللدارقطني حتى العصور المتأخرة للذهبي وغيره، وللعقيلي وغيره كثير، ولابن عدي في (الكامل في ضعفاء الرجال).

وهناك كتب تكلمت في الثقات فقط، كـ(الثقات) للعجْلي، و(الثقات) لابن شاهين، و(الثقات) لابن حبان… إلى آخره.

وهناك مؤلفات عديدة في تراجم الرواة عامة يميزون بها: مَن هو الثقة، مَن هو الضعيف، فيترجم لكل الرواة، وأهم كتابين في هذا: كتاب (التاريخ الكبير) للإمام البخاري رحمه الله، وكتاب (الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم، وهذان الكتابان يمثلان التراجم، أو الكلام عن كل أحوال الرواة.

وهناك كتب تكلمت في أهل بلد معين مثل (تاريخ بغداد) و(تاريخ دمشق) و(تاريخ مصر).

ولا توجد بلد من بلاد المسلمين تقريبًا إلا وقد وضع علماؤها تاريخًا لها، يترجمون فيه لعلماء البلد، ولكل من ورد إليها من أهل البلاد الأخرى، وأحيانًا لا يقتصرون على تراجم المحدثين فقط، وإنما يترجمون لكل من ورد على البلد من أهلها ومن غير أهلها؛ كما فعل الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) الذي ترجم لكل من ورد على بغداد من أهلها ومن غير أهلها. فكل كتاب له خواصه.

وهناك كتب تكلمت عن أهل قرن زمنيّ معين مثلًا (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة)، ومثل (البدر الطالع)، ومثل (الضوء اللامع)، وكثير من الكتب في هذا.

أيضًا هناك من ترجموا لأصحاب مذهب معين مثل: طبقات الشافعية، طبقات الحنابلة. وهناك من ترجم للقضاة، للنحويين، للشعراء، للقراء. وهناك من ترجموا لأهل كتب معينة مثل (تهذيب الكمال) وما تسلسل عنه من كتب للذهبي ولابن حجر، وأصلهما قبل ذلك (الكامل) للمقدسي الحافظ عبد الغني، وكل هذا في رجال الكتب الستة.

وهناك مثلًا (الجمع بين رجال الصحيحين)، و(التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح)، أي: في رجال البخاري فقط لأبي الوليد الباجي.

وهناك من تكلم في طبقات المدلسين، والمختلطين، ومثل (الارتباط فيما رمي بالاختلاط)، و(الكشف الحثيث عمن رُمي بوضع الحديث).

فقد أخذ التأليف مناهج شتى، ألف العلماء من خلالها الكتب بناء على اعتبار معين لاحظوه. وقد بدأ التأليف في الرجال منذ مرحلة مبكرة جدًّا. ويمكن أن نسجل أن أول من كتب في الرجال هو الليث بن سعد -رحمه الله- المتوفى سنة 175، وابنه، وغيرهم.

وسنبدأ بذكر الكتب التي في الضعفاء:

يحيى بن معين له كتاب في (الضعفاء) وإن كنا لم نقف عليه كاملًا، ومن خلال “تاريخ التراث العربي”: هناك منه بضع ورقات في مكتبة أحمد الثالث، وفي أنقرة صائب.

وعلي بن المديني أيضًا المتوفى 234 هجرية، وابن معين المتوفى 233، ومحمد بن عبد الله البرقي الزُهري المتوفى 249.

والبخاري له كتاب (الضعفاء الكبير) و(الضعفاء الصغير) هذا بالإضافة إلى (التاريخ).

والجوزجاني المتوفى 259، وأبو زرعة الرازي المتوفى 264.

وأبو حاتم الرازي المتوفى 277 له كتاب (الضعفاء).

والذهبي اقتبس منه في مقدمة (المغني في الضعفاء)، وصرح باعتماده عليه أيضًا.

والنسائي له (الضعفاء والمتروكون).

وابن الجارود له كتاب في الضعفاء.

والساجي له كتاب في الضعفاء.

ومحمد بن إسحاق بن خزيمة في (الضعفاء).

 والدولابي، والعَقيلي المتوفى 322.

وابن عدي كتابه (الكامل) أصلٌ في هذا.

وابن حبان له كتاب (المجروحين من المحدثين).

والأزدي المتوفى 367 له مصنف كبير ينقلون عنه، وإن كانوا يردون أقواله.

والدارقطني أيضًا المتوفى سنة 385 له كتاب (في الضعفاء والمتروكين)، اعتمد عليه الحافظ الذهبي في كتابه (المغني)، وصرح بذلك في المقدمة، ونقل منه كثيرًا.

وأبو حفص بن شاهين المتوفى سنة 385 له كتاب في الضعفاء.

وأبو أحمد الحاكم الكبير 378 له كتاب في الضعفاء.

والنيسابوري تكلم عن الضعفاء في المدخل إلى الصحيح.

وأبو نعيم والخطيب البغدادي له كتاب في الضعفاء.

وأبو طاهر المقدسي سنة 507 له كتاب (الذيل على الكامل) ويسميه أيضًا العلماء (تكملة الكامل).

وبعد ذلك ألفت كتب في (الضعفاء) لابن الجوزي، (وميزان الاعتدال) للذهبي، وله (المغني في الضعفاء) وله (ديوان الضعفاء).

و(لسان الميزان) لابن حجر.

والكتب التي ألفت في الثقات كثيرة أيضًا، منها: (الثقات والمتثبتون)، للإمام علي بن المديني -رحمه الله- المتوفى سنة 234.

وأبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي، ومعروف بـ(ثقات العجلي).

وأبو العرب محمد أحمد التميمي المتوفى 333  له كتاب في الثقات.

وابن حبان البستي له كتاب (الثقات والمجروحين).

وابن شاهين المتوفى 385، وأيضًا الحاكم 405 في (المدخل إلى الصحيحين) تكلم عن الضعفاء، وكذا تكلم عن الثقات أيضًا.

وظهرت مؤلفات بعد ذلك، تجمع بين هذه الكتب، أو تضيف إليها، أو تحققها.

ثم جاءت عصور المتأخرين ولهم مؤلفات عديدة في الثقات وفي غيرهم.

فالذهبي له مجموعة من الكتب في (سير أعلام النبلاء) في (طبقات الحفاظ) في (تاريخ الإسلام) كتب كثيرة جدًّا يترجم فيها للمحدثين وغيرهم، ونعتمد عليه كثيرًا في الحكم على الرجال.

وهناك فترات تاريخية كنا نتعب في الحصول على معلومات عن بعض أبنائها في القرن الرابع الهجري والقرن الخامس الهجري، فغطت هذه المرحلة كُتب الذهبي وابن حجر، ولله الحمد والمنة.

وأصبحت الكتب كثيرة جدًّا في الثقات، غير أننا إذا أردنا أن نقف على بعض الكتب فسيكون كتاب (الثقات) لابن حبان على رأس هذه الكتب، والسخاوي ذكر أنه أحسن كتب الطبقات في الثقات، ذكر ذلك في (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ).

نأتي الآن إلى كتب جمعت بين الثقات والضعفاء، فيؤرخون بذلك ويقولون: الليث بن سعد المتوفى 175 له كتاب (التاريخ)، وعبد الله بن المبارك 181 له (التاريخ) أيضًا يذكر فيه الثقات وغيرهم، والفضل بن دكين 218، ومحمد بن سعد في كتاب (الطبقات)، وأيضًا (تاريخ خليفة).

وإن كان مما ذكرناه من ملامح منهج خليفة أنه لا يتكلم في العلماء تجريحًا ولا تعديلًا إنما يترجم لهم فقط على الأعم الأغلب، ولم يشذ في ذلك إلا في شخص واحد فقط.

ويحيى بن معين أيضًا له (معرفة الرجال) و(التاريخ) و(العلل).

وكل هذه الكتب تتكلم عن الثقات وعن غيرهم مما يجعلنا نعتبرها من الكتب التي جمعت بين الثقات والضعفاء وغيرهم.

وأيضًا أبو بكر عبد الله بن حنبل بن أبي شيبة المتوفى 265 له كتاب في التاريخ.

والإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241 له كتاب (العلل والرجال).

وأبو جعفر محمد بن عبد الله بن عمار المتوفى سنة 242 له أيضًا كتاب في علل الحديث ومعرفة الشيوخ.

فكثير من العلماء ألفوا في هذا، ولكن يبقى أن أهم كتابين في ذلك هما كتاب البخاري (التاريخ الكبير)، وكتاب ابن أبي حاتم. ففي القرون الثلاثة الأولى أهم كتابين فيها كتاب (التاريخ الكبير) للإمام البخاري رحمه الله تعالى، وكتاب (الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم رحمه الله تعالى، وهذا ما سيجعلنا ننتقل إلى الكلام بتفصيل عن كتاب الإمام البخاري -رحمه الله- في (التاريخ الكبير).

error: النص محمي !!