Top
Image Alt

نشأة مقاصد الشريعة الإسلامية

  /  نشأة مقاصد الشريعة الإسلامية

نشأة مقاصد الشريعة الإسلامية

أ. المقاصد في عهد الرسالة: وُلد عِلمُ المقاصدِ مع بداية عصر النبوة، فقد جاءت الأدلة كثيرة من القرآن والسُّنَّة تؤكد هذا العلم؛ ليستمر ويمتد حتى يرث الله الأرضَ ومَن عليها، قالسبحانه وتعالى:{ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقالسبحانه وتعالى: {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} [النساء: 28]، وقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقال سبحانه وتعالى: {لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الدينَ يُسْر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة))، وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحب الرفقَ فِي الأمرِ كله))، ولقد فهم الصحابة رضي الله عنهم مقاصد الشرع وتوارثها التابعون، ثم جاءت الأجيال تتوالى باحثة في قصد الشارع لمواجهة كل مستجدات الحياة الحديثة؛ ليخرج الفقه بأحكامٍ ملائمة لكل المسائل في كلِّ زمانٍ ومكان؛ وليعلن استمرار صلاحية هذا الدين لكل الأزمنة والأمكنة. فلو نظرنا إلى آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية مقاصد الشريعة عند الأصوليين، لوجدناها ضروريات، وحاجيات وتحسينيات، وكل هذا يرجع إلى حفظ القواعد الأصولية الخمس، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. ونجد القرآن الكريم والسُّنَّة المشرفة، يؤكدان الاهتمام بتلك المقاصد بشكلٍ صريحٍ وواضح، فمن القرآن الكريم، تستفاد مقاصد الشارع الحكيم، من إرسال الرسل، وتنزيل الكتب، وبيان العقيدة والأحكام، وتكليف المكلفين ومجازاتهم، وبعث الخلائق، والحياة والكون والوجود، فقد جاء أن المقصد من الخلق هو عبادة الخالق تعالى، والامتثال إليه، وإصلاح الخلق وإسعادهم في العاجل والآجل، ومنذ عهد الرسالة الأول كانت الدعوة لحفظ الضروريات الخمس. أولًا: حِفظ الدين: حثَّ القرآنُ الكريم والأحاديثُ النبوية، إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبودية، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقال سبحانه: {إِنّ هَـَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]، وقال سبحانه وتعالى: {رّسُلاً مّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُلِ} [النساء: 165]، كما أنه حكم على المرتدين بالقتل، قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)). ثانيًا: حِفظ النفس: أقرَّ القرآنُ الكريم مقصدًا عظيمًا هو حفظ النفس، قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقّ} [الفرقان: 68]، وقال سبحانه: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَأُولِي الألْبَابِ} [البقرة: 179]، ويُفهم من هاتين الآيتين، الاهتمام بالنفس البشرية، والعمل على حفظها وعدم الاعتداء عليها، وقد أكد النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: ((من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى خالدًا مُخلدًا فيها أبدًا)). ثالثًا: حِفظ العقل: ميَّزَ اللهُ عز وجل الإنسانَ عن غيره من المخلوقات بالعقل، وجعله سببًا وحُجَّةً عليه إذا انحرف عن الطريق المستقيم؛ فبالعقل نستطيع التمييز بين الخير والشر، والنافع والضار، والفاسد والصالح، كما دعا الله عباده إلى طلب العلم بقوله تعالى: {وَقُل رّبّ زِدْنِي عِلْماً} [طه: 114]، ونهى عن كلِّ سببٍ يُضيع العقل، فحرم المسكرات بقوله: {إِنّمَا يُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مّنتَهُونَ} [المائدة: 91]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكرٍ خمر وكل خمر حرام)). رابعًا: حِفظ النسل: جعل الله تعالى حِفظَ النسلِ عن طريق الزواج الشرعي، كما أنه نهى عن الزنا؛ لأنه يضيع النسل، ويؤدي إلى هتك الأعراض، قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزّنَىَ إِنّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} [الإسراء: 32]، وقال صلى الله عليه وسلم داعيًا الشباب للزواج: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج))، وقال أيضًا محذرًا من أسباب ضياع النسل: ((لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن)). خامسًا: حِفظ المال: إن المال من الضروريات، وبه تقوم أمور الحياة الضرورية؛ لذلك أمر الله عباده بحفظه وعدم إتلافه، قال تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً} [النساء: 5]، وقال سبحانه وتعالى: {إِنّ الْمُبَذّرِينَ كَانُوَاْ إِخْوَانَ الشّيَاطِينِ وَكَانَ الشّيْطَانُ لِرَبّهِ كَفُوراً} [الإسراء: 27]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله السارقَ يسرق البيضة فتقطع يده))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((على اليد ما أخذت حتى تؤدي))، فهذا يؤكد لنا أن الشريعة الإسلامية حَرَّمت إضاعة المال وإتلافه أو تبذيره. حِفظ الحاجيات: فمن أهم ما دعى إليه القرآن الكريم من مقاصد الشريعة، التيسير ورفع الحرج والمشقة، قالسبحانه وتعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقال: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقال: {لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا} وقال: {فَإِنّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}(5) {إِنّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} [الشرح: 5، 6]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((يسروا ولا تعسروا)). حفظ التحسينيات: وهو ما كان في مكارم الأخلاق والعادات الكريمة، وقد ورد في هذا الكثير من الآيات والأحاديث، قال تعالى: {وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقال أيضًا: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)). وفي القرآن الكريم مقاصد إجمالية كثيرة، فجميع المقاصد الشرعية المعتبرة والمعلومة، إنما هي راجعة في جملتها أو تفصيلها تصريحًا أو تضمينًا، إلى هدي القرآن الكريم وتعاليمه وأسراره وتوجيهاته، والآيات الدالة على ذلك كثيرة، وكذلك وُصِفَ القرآنُ الكريم، بأنه نورٌ وهُدى وشفاءٌ ورحمةٌ، قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مّن رّبّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مّبِيناً} [النساء: 174]، وقال: {يَأَيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مّوْعِظَةٌ مّن رّبّكُمْ وَشِفَآءٌ لّمَا فِي الصّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، وقال: {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 97]. كما أن العديد من المقاصد الشرعية استفيدت من القرآن الكريم، مثل: الوسطية، واللين والرفق والتيسير، ورفع الحرج عن المسافر والمريض، وسد الذرائع والمعاملات، وغير ذلك من تعاليم الشريعة العامة ومقاصدها، وكذلك السُّنَّة النبوية الشريفة، فقد فسَّرت لنا بعض القواعد الفقهية المتصلة اتصالًا مباشرًا بالمقاصد الشرعية، وهي أيضًا لم تغفل الكليات الخمس، فالضروريات الخمس كما تأصلت في الكتاب تأصلت في السُّنَّة، فإن حِفظ الدين حاصله في ثلاثة معانٍ هي: الإسلام والإيمان والإحسان، فأصلها في الكتاب وبيانها في السُّنَّة، وقد ورد فِي السُّنَّة التشجيع على الزواج وتيسيره ومنع الزنا واللواط والاختلاط والخلوة حِفظًا للنسل، كما تبلورت قواعد أخرى متصلة مباشرة بالمقاصد الشرعية، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار))، ومنها تفرعت قاعدة الضرر يزال، وكذا باقي القواعد الفقهية. ومن مقاصد السُّنَّة قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الدين يُسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة))، من هذا الحديث الشريف، تقرر عِدة قواعد منها: إقرار التيسير، ومنع التشدد، ومدح الوسطية “فسددوا”، وتحري الأفضل “قاربوا”، والتفاؤل برحمة الله وثوابه “وأبشروا”، ثم إتقان العمل والإخلاص فيه، باختيار الوقت المناسب والأفضل، والسُّنَّة الشريفة مليئة بمثل هذه القواعد. ب. المقاصد في عهد الصحابة والتابعين: أخذ التابعون من الصحابة الكثيرَ من استنباطاتهم وفتاويهم واجتهاداتهم، مراعين في ذلك عِلمَ المقاصد، وهذا دليل على قبولهم للمقاصد والمصالح، ونُقل عن التابعين أنهم كانوا إذا حدثتْ حادثة كانوا يرجعون إلى النَّصِّ، فإذا لم يجدوا في الحادثة نصًّا، رجعوا إلى المصلحة والقياس وغير ذلك من دروب الرأي وأنواعه. ويقول ابن القيم رحمه الله: والدين والفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود، وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب عبد الله بن عمر، وأصحاب عبد الله بن عباس، فعلم الناس عامته عن أصحاب هؤلاء الأربعة، فهؤلاء الأربعة من الصحابة رضي الله عنهم أخذ عنهم أصحابهم، وأصحابهم من التابعين؛ فقد أخذ التابعون عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كل واحدٍ منهم ما تيسر له، فحفظ ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ ما سمع من مذاهب الصحابة وعقلها، وجمع المختلف فيه على ما تيسر له، ورجَّح بعض الأقوال على بعض، فعند ذلك صار لكل عالم من علماء التابعين مذهب على حياله. كما أن مدرستي الحجاز والعراق في عصر التابعين، اعتمدتا في عملية الاستنباط، على العمل بالمقاصد الشرعية، واعتبار المصالح والمفاسد جلبًا ونفيًا؛ أي: تحصيلًا للمصالح، ودفعًا للمفاسد؛ حيث كان اعتمادهما على الرأي بشكلٍ كبير، وكان التعويل على ذلك بالأخذ بالمقاصد، وإن مدرسة الحجاز أو مدرسة الأثر، قد انبنت فضلًا عن القرآن والسُّنَّة، على فتاوى واجتهادات كثير من الصحابة، كعمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعائشة رضي الله عنها وابن عباس رضي الله عنهما وأبي هريرة، وقضاة المدينة وغيرهم، وهذا يدل دلالة واضحة على أن هذه المدرسة اعتمدت في الاجتهاد والفتاوى على اعتبار المقاصد الشرعية. أما مدرسة العراق فكانوا يهتمون بالرأي: القياس، كما روي عن أهل المدينة أنهم كانوا يأخذون عند عدم النص بالأقوى والأرجح، بحسب موافقة القياس، أو تخريج صريح من الكتاب والسُّنَّة ونحو ذلك؛ فالذي يفهم من كل ما سبق أن مدرسة الحجاز كانت تستند وبشكل واضح على العمل بالرأي والمقاصد؛ وذلك بسبب الظروف التي مرت بها العراق آنذاك؛ حيث شهدت ظهور الفرق المختلفة، وانتشار الفتنة وكثرة الوضاعين للحديث، مما زاد العلماء شدة في الاحتياط عند الرواية، وعدم قبول الحديث إلا إذا تأكد العالم من صحته قطعيًّا. وكذلك بسبب اختلاط اللسان العربي بلغاتٍ أخرى، وعدم استقرار عددٍ كبير من الصحابة هناك؛ لبعد العراق عن مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم. أيضًا كثرة الاشتغال بالقرآن الكريم، كل ذلك فرض على أهل العراق إعمال الرأي، واعتبار المقاصد الشرعية، مستندين إلى تعزيز ذلك بالأثر الصحيح من الكتاب والسُّنَّة، وفقه السلف الصالح الذي كان يراعى في كثير من الأحوال، وأحكام المصالح والأعراف الحسنة. وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي كان قد نهجَ نَهْجَ عمر بن الخطاب في الاستنباط بالرأي عند انعدام النص، وفيما لم يترجح لديه، والذي كان أحد الأئمة الأربعة الذين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن منهم، باعتبار كونه أعلم من غيره بمواضع النزول وملابساته، وأعلم بأسباب النزول وظروفه، وهذا في حدِّ ذاته يدل على ما نحن بصدده من التأكيد على تشبع مدرسة العراق بالعمل المقاصدي، والنظر المصلحي، وذلك في ضوء تعاليم القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية المشرفة. ويرى الإمام مالك جواز التسعير إذا دعت مصلحة الجماعة إلى ذلك؛ لأن على الإمام رعاية مصالح المسلمين جميعًا، ورعاية مصلحة الجماعة أولى من رعاية مصلحة الفرد. وأجاز الشافعية التسعير في حالة الغلاء. وقد خالف جمهورُ العلماء الإمامَ مالك في ذلك. ولو نظرنا في الاختلاف بين عصر الصحابة وعصر التابعين، لوجدنا الكثير من الحوادث التي طرأت على عصر التابعين؛ حيث اتسعت الحضارة الإسلامية، واختلطت بغيرها من الحضارات، وهذا مما حتم على علماء الأمة معالجة كل الأحكام التي لم تعالجها ظواهر النصوص، فقد عالجوها بالاجتهاد وفقه المقاصد. جـ. المقاصد عند الفقهاء والأصوليين: يبدو الاجتهاد المقاصدي لدى الفقهاء والأصوليين في عموم آثارهم واجتهاداتهم، فمنهم من صرَّح بالمقاصد، معتبرًا إياها أمرًا شرعيًّا لا بد منه في الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية؛ وذلك كابن القيِّمِ حين قال: “فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحِكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحِكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل”. انتهى كلامه رحمه الله. وقد ورد في تعبيرات الفقهاء والأصوليين، الكثير مما يدل على المقاصد، كالغرض، والقصد، ومحاسن الشريعة وأسرارها، ونفي الضرر والمشقة، ورفع الحرج ودفع الأذى، والحاجيات، والتحسينيات، والمصالح، والمفاسد، والرفق واللين، وجلب المنافع والتعليل، والهدف، والغاية، والحكمة، والعِلة، والمناسبة وغير ذلك من التعبيرات التي وردت عند الفقهاء والأصوليين. كما أن هؤلاء العلماء والفقهاء، كانوا يعتمدون القواعد الفقهية والقواعد الأصولية في اجتهاداتهم واستنباطهم للأحكام، والكثير من هذه القواعد تدخل في صميم المقاصد، منها على سبيل المثال لا الحصر: “جلب المصالح مقدم على درء المفاسد”، “الضرر يزال”، “المشقة تجلب التيسير”، “الضرورة تقدر بقدرها”، “الحرج منفي”، كل هذه قواعد تدخل في صلب المقاصد. ومن علماء الأصول والفقهاء الذين بحثوا في المقاصد، الإمام الشافعي، فقد تكلم – رحمه الله – في تعليل الأحكام، وهو الركن الأساسي لعِلم المقاصد، كما أنه ذكر القواعد الكلية للشريعة، وأكد على ضرورة مراعاتها إذا وقعت الواقعة، فاحتاج المجتهد إلى طلب الحُكم فيها، فينظر أولًا في نصوص الكتاب، فإن وجد مسلكًا دالًّا على الحُكم فهذا هو المراد، وإن أعوذه انحدر إلى نصوص الأخبار المتواترة، فإن وجده وإلا انحط إلى نصوص أخبار الآحاد، فإن عدم المطلوب في هذه الدرجات، لم يخض في القياس بعد، ولكنه ينظر في كليات الشرع ومصالحها العامة. كما التفت إلى مقاصد الأحكام وأهدافها، فأشار – رحمه الله – إلى بعض مقاصد الطهارة والزكاة والصوم والحج والقصاص والحدود والقضاء، وبعض المقاصد الكلية، كحفظ النفس، والنسب، والمال. أيضًا من العلماء الذين لهم أثر في عِلم المقاصد، الإمام الترمذي، ويُسمى الحكيم الترمذي، وقد عُرف هذا الإمام صوفيًّا فيلسوفًا؛ ولذلك سُمي بالحكيم، وينبغي أن يُذكر في مقدمة العلماء الذين اعتنوا بمقاصد الشريعة، فهو من أكثر العلماء عناية بتعليل أحكام الشريعة، وبالبحث عن أسرارها، وهو من أقدم العلماء الذين استعملوا لفظ المقاصد، ولعله من أقدم من وضع كتابًا خاصًّا في المقاصد الشرعية، ووضع لفظ المقاصد في عنوان كتابه: (الصلاة ومقاصدها). أيضًا من العلماء أبو بكر القفال الشاشي، ويسمى بالقفال الكبير، وهو أصولي كبير، له كتاب يسمى بـ(محاسن الشريعة)، وقد أثنى الإمام ابن القيم –رحمه الله- على هذا الكتاب الثناء الحسن. يأتي بعد ذلك الإمام أبو بكر الأبهري، المتوفى سنة 375هـ، كان عالمًا في الفقه والأصول، وألَّف فيهما معًا، وكان يحظى بتقدير كبير لدى علماء كل المذاهب الفقهية، فقد ذُكر أن أصحاب الشافعي وأبي حنيفة كانوا إذا اختلفوا في أقوال أئمتهم يسألونه فيرجعون إلى قوله، وأما المالكية فكان أبو بكر الأبهري، إمامًا لهم بلا منازع. والقاضي أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة 403هـ، هو أول من انتقل بالتأليف الأصولي إلى مرحلة التوسع الشمولي والتفاعل مع عِلم الكلام، ولقد مرَّ علم الأصول بمنعطفٍ على يده؛ حيث إنه ألف كتابه القيم (التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد)، كما أنه شغل العلماء؛ سواء كان في عصره أم بعد عصره بمؤلفاته الأصولية. يأتي بعد ذلك تلميذ الباقلاني، وهو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، ويعتبر الجويني من أعلام علم المقاصد، وكتابه (البرهان) هو أكبر دليل على ذلك، وقد قسم الإمامُ الجويني أصولَ الشريعة إلى خمسة أقسام بقوله: نحن نقسمها خمسة أقسام: القسم الأول: ما يعقل معناه وهو أصل، ويأول المعنى المعقول منه إلى أمر آخر ضروري لا بد منه، مع تقرير غاية الإيالة الكلية والسياسة العامة، وهذا بمنزلة قضاء الشرع بوجوب القصاص في أوانه، وهو معلل بتحقيق العصمة في الدماء المحقونة والزجر عن التهجم عليها. القسم الثاني: ما يتعلق بالحاجة العامة، ولا ينتهي إلى حد الضرورة، وقد مثله بالإجارات بين الناس، فهو مبني على الحاجة الماسة إلى المسكن مع صعوبات تملكها. القسم الثالث: ما ليس ضروريًّا ولا حاجيًّا حاجة عامة، وإنما هو من قبيل التحلي بالمكرمات والتخلي عن نقائضها، وقد مثله بالطهارات وإزالة الخبث. القسم الرابع: وهو أيضًا لا يتعلق بحاجة ولا ضرورة، وينحصر في المندوبات، فهو في الأصل كالضرب الثالث في أن الغرض المخيل الاستحثاث على مكرمة لم يرد الأمر الصريح بإيجابها، بل ورد الأمر بالندب إليها. القسم الخامس: ما يلوح فيه للمستنبط معنى أصلًا ولا مقتضى من ضرورة أو حاجة أو استحثاث على مكرمة، وهذا يندر تصوره جدًّا، فإن امتنع استنباط معنى جزئي فلا يمتنع تخيله كليًّا، ومثال هذا القسم العبادات البدنية المحضة، فإنه لا يتعلق بها أغراض دفعية ولا نفعية، وكذلك أعداد الركعات وما في معناها. فنفهم من ذلك أن الإمام الجويني -رحمه الله- قسم مقاصد الشرع إلى ضروريات وهو القسم الأول، وحاجيات وتحسينيات، وهو من أسس علم المقاصد، كما أنه نبه على الضروريات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فالشريعة متضمنها مأمور به ومنهي عنه ومباح، فأما المأمور به فمعظمه العبادات، وأما المنهيات فأثبت الشرع في الموبقات منها زواجر، وبالجملة الدم معصوم بالقصاص، والفروج معصومة بالحدود، والأموال معصومة عن السُّرَّاق بالقتل، هذا ما تعرض له إمام الحرمين في كتابه (البرهان في أصول الفقه). يأتي بعد ذلك الإمام الغزالي، المتوفى سنة 505 هـ، وقد تعرض لذكر المقاصد في كتابه (شفاء الغليل)، ووضح أن مسالك التعليل تقوم على أساس الأحكام الشرعية بما تفضي إليه من جلب مصلحة ودرء مفسدة؛ لهذا نجده -رحمه الله- يقول: المعاني المناسبة ما تشير إلى وجوه المصالح وأماراتها، والمصلحة ترجع إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، والعبارات الحاوية لها، أن المناسبة ترجع إلى رعاية أمر مقصود، كما أنه -رحمه الله- عرَّف المصلحةَ فقال: نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشارع، وكذلك نبه إلى الضروريات الخمس، فقال: ومقصود الشارع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، وقسم المصالح الشرعية حسب قوتها فقال: وعلى هذا الأساس فإن المصالح منها ما هي في رتبة الضروريات، ومنها ما هو في رتبة الحاجيات، ومنها ما هو في رتبة التحسينيات والتزيينات، ولكل مرتبة من هذه المراتب مكملاتها. يأتي بعد ذلك الإمام الرازي المتوفى سنة 606هـ، فقد أورد في كتابه (المحصول) كل ما سبق عند الجويني والغزالي، ولا غرابة في ذلك، فكتاب الإمام الرازي (المحصول)، إنما هو تلخيص لكتب ثلاثة (المعتمد) لأبي الحسين البصري، و(البرهان) للجويني و(المستصفى) للغزالي، وكان الرازي لا يلتزم ترتيبًا معينًا أو خاصًّا بالمقاصد. يأتي بعد ذلك الإمام الآمدي -رحمه الله- المتوفى سنة 631هـ، فلم يختلف الآمدي عن سابقه الإمام الرازي، فقد جمع في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) ملخصًا أيضًا للكتب الثلاثة، (المعتمد) و(البرهان) و(المستصفى) إلا أنه زاد في ذلك إدخال المقاصد في باب الترجيحات في آخر كتب الأصول، يذكر بابًا يسمى باب التعارض والترجيح، وقد شدد الآمدي على تقديم حفظ الدين على حفظ النفس؛ نظرًا إلى مقصوده وثمرته من نيل السعادة الأبدية في جوار رب العالمين، فالإمام الآمدي رتب المقاصد أو الضروريات الخمسة بتقديم حفظ الدين أولًا، ثم حفظ النفس، ثم حفظ العقل، ثم حفظ النسل، ثم حفظ المال، وشدد على تقديم حفظ الدين. يأتي بعد ذلك الإمام العز بن عبد السلام، المتوفى سنة 660هـ، ظهر اهتمامه بعلم المقاصد من خلال كتابه (قواعد الأحكام في مصالح الأنام)؛ حيث ذكر في بداية الكتاب معظم مقاصد القرآن الكريم، ومنها الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها، كما أنه يرى أن الشريعة الإسلامية كلها معللة بجلب المصالح ودرء المفاسد، فيرى أن الشريعة الإسلامية وأن الفقه الإسلامي كله يرجع إلى هذه القاعدة، ثم يؤكد على كل من المصالح الدنيوية والأخروية فيقول: فمصالح الآخرة الحصول على الثواب والنجاة من العقاب، ومفاسدها الحصول على العقاب وفوات الثواب، أما مصالح الدنيا فما تدعو إليه الضروريات أو الحاجيات، أو التتمات أو المكملات، وأما مفاسدها ففوات ذلك بالحصول على أضداده. ثم يأتي ذكر ابن تيمية -رحمه الله- المتوفى سنة 728هـ؛ حيث نراه يُكثر من ذكر المقاصد، وكان يثبت أن الشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، ثم يتكلم ابن تيمية -رحمه الله- عن مقاصد الولايات الشرعية؛ سواء كان ذلك حسبة أم قضاءً أم خلافة، فيقول -رحمه الله-: أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول والمؤمنون معه، كما أن مقاصد الولايات الشرعية هي مقاصد النبوات، فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الله اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه الكريم، وهكذا قال الله تعالى في كتابه الكريم: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} [الحديد: 25] فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب، أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله، وحقوق خلق الله. يأتي بعد ذلك تلميذه ابن قيم الجوزية -رحمه الله- المتوفى سنة 751هـ، فقد اهتم بالتعليل والتشنيع على منكري القياس، كما كان له اهتمامات أيضًا بمقاصد المكلفين، وذلك في كتابه (أعلام الموقعين عن رب العالمين)، وتكلم أيضًا في قواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد، واعتبر القرائن في معرفة مقاصد الشرع ومعرفة مقاصد المكلف. ثم جاء الإمام الشاطبي ليطلق على المقاصد اسم: مقاصد الشريعة، فكانت إسهاماته -رحمه الله- كثيرة جدًّا في هذا المجال، ومن أهم ما تميز به الشاطبي في علم المقاصد، أنه تناول مقاصد الشارع، ومقاصد المكلف، فجمع بين المقصدين، ونجد ذلك واضحًا في كتابه (الموافقات في أصول الأحكام)؛ حيث ركز على ضرورة موافقة قصد المكلف لقصد الشارع بقوله: إن الأعمال بالنيات، والمقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات، وقد ذكر الشاطبيُّ أنواع المقاصد ووضحها، كما أضاف بحثًا مهمًّا حول طرق معرفة المقاصد؛ كقوله تعالى: {فَاسْعَوْاْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، فالنهي عن البيع تأكيد للأمر بالسعي، فهو من الأمر المقصود بالقصد الثاني لا بالقصد الأول، كما اهتم -رحمه الله- بضوابط المصلحة، وفرقّ بين المصلحة وبين البدعة، حتى لا تصبح الأحكام الشرعية تابعة للأهواء، كما سبق وأن قلنا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جِئتُ به))، فالإمام الشاطبي يريد أن يحقق مقاصد الشريعة، ويريد أن يحقق مضمون نصوص الشرع. يأتي بعد ذلك الإمام الشوكاني المتوفى 1250هـ، وقد تعرض للمقاصد في كتابه (إرشاد الفحول)، كما ناقش مسألة التعليل، وذكر الضروريات الخمس دون مراعاة لترتيبها، بل زاد عليها ضرورة سادسة وهي العرض قائلًا: فإن الإنسان قد يتجاوز عمن جنى على نفسه أو ماله، ولا يكاد أحد أن يتجاوز عمن جنى على عرضه، ونلاحظ هنا أن الإمام الشوكاني فرق بين النسل والعرض فجعل كل واحد منهما مقصد خاص، بينما جمهور العلماء يجعلون المحافظة على النسل هي المحافظة على العرض. يأتي بعد ذلك الإمام العلامة الطاهر بن عاشور المتوفى سنة 1393هـ، وهو الذي أعاد لعلم المقاصد مكانته، وزاد أهميته فكان كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية) الذي كان له الدور الكبير في إحياء هذا العلم من جديد. يأتي بعد ذلك علال الفاسي، فقد تميز في هذا العلم من خلال كتابه (مقاصد الشريعة ومكارمها)، إلا أن المباحث التي تخص علم المقاصد في هذا الكتاب كانت قليلة. ثم جاء مؤلفون كثيرون وكتبوا في المقاصد، كالدكتور يوسف حامد العالم، وكتابه (المقاصد العامة للشريعة الإسلامية)، والدكتور أحمد الريسوني وكتاب (نظرية المقاصد عند الشاطبي)، وكذلك الشيخ طاهر الجزائري المتوفى سنة 1338هـ، وكتابه (مقاصد الشرع)، وغيرها من الكتب التي ظهرت في العصر الحديث.

error: النص محمي !!