Top
Image Alt

نصب الفعل المضارع بـ”إذن”

  /  نصب الفعل المضارع بـ”إذن”

نصب الفعل المضارع بـ”إذن”

رابعًا: نصب المضارع بـ”إذن”:

إذن حرف جواب وجزاء كما قال سيبويه، والمراد بكونها للجواب أنها تقع في كلام يجاب به كلام آخر ملفوظ به، أو مقدر، سواء وقعت في صدره أو في حشوه أو في آخره، والمراد بكونها للجزاء أنَّ الكلام الذي تقع فيه يكون مضمونه جزاء لمضمون كلام آخر، يقول لك القائل: سأزورك، فتقول: إذن أكرمك، وهنا وقعت إذن في كلام أجيب به عن قول القائل: سأزورك، ومضمون الكلام الذي وقعت فيه جزاء لمضمون ذلك القول، إذ الإكرام جزاء للزيارة.

وقد نقل عن أبي علي الشلَوْبِين أن إذن حرف جواب وجزاء في كل موضع، ونقل عن أبي علي الفارسي أنها تكون حرف جواب وجزاء في أكثر مواضعها، وهذا هو الراجح؛ لأنها قد تأتي جوابًا ولا تكون جزاء، كما إذا قال لك القائل: أحبك، فقلت له: إذًا أظنك صادقًا، فالكلام هنا لا يتضمن معنى الجزاء، لأن الفعل الواقع بعد “إذن” حال، ولا مدخل للجزاء في الحال، ولا يقع فعل الحال في موقعه.

وقد تكلف أبو علي الشلوْبين من أجل مذهبه هذا في تخريج قوله تعالى: {قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضّالّينَ} [الشعراء: 20] وحمله على الشرط والجزاء، وجعل التقدير: إن كنت فعلتُ الوكزة كافرًا لأنعمك كما زعمت يا فرعون، فإذن فعلتها وأنا من الضالين، أي: إن تبين في المستقبل أني فعلتها كافرًا لأنعمك، يتبين أني فعلتها وأنا ضال.

ولا شك في أن هذا التخريج متكلف، والصحيح أن إذًا حرف بسيط لا مركب؛ لأن الأصل في الحروف البساطة، ولا ينبغي الحكم على حرف بالتركيب إلا بدليل قاطع، وهذا مذهب الجمهور، وفيها قولان آخران:

الأول: قول الخليل أن إذن مركبة من إذ وأن المصدرية، وقد نقلت حركة الهمزة من أن إلى الذال ثم حذفت، وغلب على المركب حكم الحرفية.

والثاني: قول أبي علي الرُّنْدِي: إنها مركبة من إذًا وأنْ المصدرية، وقد حذفت همزة أن تخفيفًا أو اعتباطًا، فالتقى ساكنان ألف إذًا ونون أنْ، فحذفت الألف تخلصًا من التقاء الساكنين، وناصب المضارع بعد إذن في هذين القولين هو أنَّ التي اشتملت عليها إذن، وذلك دليل على فساد هذين القولين؛ لأن إذن إذا توسطت أو تأخرت لم تعمل وأنْ ناصبة على كل حال، فلو كانت أنْ جزءًا من إذن لما تخلف النصب بها في بعض الأساليب، وما تقدم من أنْ إذن حرف هو مذهب سيبويه والجمهور.

وقد ذهب بعض الكوفيين إلى أنها اسم، وأصله إذا التي هي ظرف للزمان المستقبل مضمن معنى الشرط، والأصل عندهم في نحو: إذًا أكرمك إذا جئتني أكرمُك، فحذفت جملة الشرط، وعوض عن حذفها بتنوين ذال إذًا، ثم أضمرت أنْ المصدرية قبل فعل الجواب فنصبته.

وشبيه بمذهب الكوفيين ما ذهب إليه الرضي من أنها اسم، وأصلها إذ التي هي ظرف لما مضى من الزمان، والأصل في نحو: إذًا أكرمك إذ جئتني أكرمُك، فحذفت الجملة التي أضيفت إليها إذ، وعوض عنها بتنوين الذال مع فتحها، لتكون إذ في صورة ظرف المنصوب، وهذا الظرف صالح لجميع الأزمنة وليس مختصًا بالماضي، ومضمن معنى الشرط غالبًا، وقد أضمرت أنْ قبل المضارع: أكرمك؛ لتخليصه للمستقبل، فلهذا نصب، ولا يخفى ما في هذين القولين من التكلف والتعسف.

عمل إذًًن وشروطه:

“إذًن” حرف ينصب الفعل المضارع بعده، ويخلصه لزمن الاستقبال، ويشترط لنصبها للمضارع ثلاثة شروط:

الشرط الأول: أن يكون الفعل بعدها مستقبلًا، فلو كان حالًا لم تعمل فيه النصب؛ لأن النواصب تخلص المضارع للاستقبال. ومثال ذلك أن يقول لك القائل: أحبك، فتقول في جوابه: إذن تصدق، برفع تصدق؛ لأنك تخبر عن صدقه في الحال. وفي هذا يقول سيبويه: “تقول: إذا حُدِّثتْ بالحديث: إذن أظنه فاعلًا، وإذن يخالك كاذبًا، وذلك لأنك تخبر أنك تلك الساعة في حال ظن وخِيلَة”.

الشرط الثاني: أن تكون مصدرة في جملتها، فإن تأخرت عن صدر جملتها إلى آخرها أهملت، كقول القائل: أكرمك إذًا، وكذا إذا وقعت في حشو الجملة نحو: إن تهمل واجبك إذن ترسب، وهي تقع حشوًا في ثلاثة مواضع:

الأول: إذا كان ما بعدها خبرًا عما قبلها في الحال أو في الأصل، نحو: أنا إذًا أكرمُك، وإني إذًا أكرمك، وكان أخي إذًا يكرمك، وخلت أخي إذًا يكرمك.

الثاني: إذا كان ما بعدها جوابًا لشرط قبلها، كما في قولنا: إن تهمل واجبك إذًا ترسب.

الثالث: إذا كان ما بعدها جوابًا لقسم قبلها، نحو: والله إذن لأنصفن المظلوم، ومثل ذلك قوله كثير عزة:

لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها

*وأمكنني منها إذن لا أُقِيلُها

وهو برفع أقيلها؛ لأن إذن لم تتصدر، ووقعت بين القسم وجوابه، وقد جاء في الشعر ما ظاهره إعمال إذن مع وقوعها حشوًا، وذلك في قول الراجز:

 لا تتركنِّي فيهمُ شَطيرا

*إني إذن أهلك أو أطيرا

والرواية بنصب أهلك بإذن، مع أنها وقعت حشوًا بين اسم إن وخبرها، وهذا لا إشكال فيه عند الفراء؛ لأنه لا يشترط لإعمالها أن تتصدر في جملتها، وأما الجمهور فيوجهونه على أنه ضرورة شعرية، لأن القوافي منصوبة الروي، أو على أن خبر إني محذوف تقديره: لا أستطيع ذلك ثم إستأنف جوابًا فقال: إذن أَهْلِك، فتكون إذن واقعة في صدر جملتها، وجملة: إني لا أستطيع ذلك، معترضة بين إذن والكلام السابق الذي هي جواب له.

الشرط الثالث: ألا يفصل بينها وبين الفعل بفاصل غير القسم ولا النافية، وتفصيل القول في هذا الشرط محله في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

error: النص محمي !!