Top
Image Alt

نطق صوت الكاف والصورة النطقية للقاف والهمزة

  /  نطق صوت الكاف والصورة النطقية للقاف والهمزة

نطق صوت الكاف والصورة النطقية للقاف والهمزة

. نطق صوت الكاف:

ننتقل بعد ذلك إلى صوت الكاف؛ يتكون هذا الصوت برفع أقصى اللسان تجاه أقصى الحنك الأعلى أو الحنك اللين والتصاقه به؛ ليسد مجرى الهواء من الأنف، ويضغط- أي: يقف هذا الهواء- لمدة قصيرة من الزمن ثم يطلق سراح المجرى الهوائي؛ فيحدث انفجار مفاجئ ولا يتذبذب الوتران الصوتيان حال النطق بالكاف. فالكاف- إذًا- صوت صامت حنكي قصي وقفة انفجارية مهموس غير مطبق.

وقد يصيب الكاف نوع من الإجهار في بعض السياقات؛ كما في نحو “أكبر”، فينطق كما لو كان جيمًا قاهرية في الكلام غير المتأني، وبخاصة ممن لا يجيدون الأداء النطقي الصحيح للأصوات، وهذا الإجهار لصوت الكاف أو نطقه جيمًا قاهرية أمر يمكن تفسيره؛ إذ هذه الجيم هي النظير المجهور للكاف- أي: الجيم- وقد اشتبه، وما يزال يشتبه على بعضهم موضع النطق بالكاف، فيخلطون بين مخرجها ومخرج القاف، أو يفرقون بينهما تفريقًا غامضًا.

فسيبويه نفسه وضعهما في حيز واحد، وعلى فرض تفسير الحيز على ما يفهم من كلام الخليل بأنه منطقة أوسع نسبيًّا من المخرج ما يزال الكلام في حاجة إلى نظر، ذلك أن الكاف قصية- أي: من أقصى الحنك- والقاف لهوية صرفة، وهما حيزان أو منطقتان مختلفتان بكل المقاييس، ويشتد هذا الاشتباه ويقوى عند بعضهم، فمكي مثلًا عند كلامه على الحروف اللهوية يقول: وهما حرفان القاف والكاف سماهما الخليل بذلك؛ لأنه نسبهما إلى الموضع الذي يخرجان منه وهو اللهاة، وليس يُذهِب هذا الخلط أو يوضحه توضيحًا كافيًا محاولته التفريق بين الصوتين في بعض السمات وفي المخرج كذلك.

يقول مكي في موضع آخر عند الكلام على الكاف يقول: وهي مهموسة شديدة- أي: وقفة انفجارية- لولا الجهر والاستعلاء اللذان في القاف لكانت كافًا، كذلك لولا الهمس والتسفل اللذان في الكاف لكانت قافًا لقرب مخرجيهما، فتعبيره بقرب مخرجيهما بصيغة المثنى قد يوحي بأنه يدرك الفرق بينهما في المخرج، ولكن يعكر الصفو عليه أنه عدهما- أي: القاف والكاف- نظيرين باستثناء ما ذكر من صفات، ولا يكون التناظر تامًّا بين أي صوتين أو أصوات إلا باتحاد المخرج، هذا بالإضافة إلى وقوعه على مأزق آخر وهو وصفه القاف بالجهر، وهذا لا ينطبق بحال على القاف الفصيحة كما هو مقرر في نطقنا الآن، ولنا أن نفسر هذا الاشتباه من القدامى وبعض المحدثين بواحد من أمرين أو بالأمرين معًا:

الأمر الأول: لعل هؤلاء وأولئك حسبوا اللهاة منطقة واسعة تغطي أقصى الحنك بما في ذلك اللهاة بمفهومهم.

الأمر الثاني: وهو الأقرب إلى فهمنا لجملة كلامهم: أنهم يتكلمون عن صورة أخرى من صور نطق القاف في القديم والحديث، هذه الصورة تتمثل في نطق أهالي صعيد مصر وبعض جهات الوجه البحري في مصر، وفي كثير من العاميات العربية المختلفة؛ إنها في نطق هؤلاء جميعًا حنكية قصية مجهورة، وهي النظير المجهور للكاف مع إشرابها شيئًا من الاستعلاء.

هذه الصورة العامية نسميها نحن بقصد التمييز صوت (ﮔ) (نطقها: جاف) بنطق الجيم جيمًا قاهرية، ورمزها في الكتابة الصوتية الدولية هو صوت “G” أو حرف “G” للتفريق بينها وبين الجيم القاهرية المشار إليها في هذه الكتاب بالرمز “G” أيضًا، ولكن صمول في مقابل “G” الكابتل للجيم.

ومن الجدير بالذكر أن صوت الكاف وهو وقفة انفجارية قد تعرض في القديم والحديث لشيء من الاحتكاك وبخاصة إذا وليته كسرة، هذا الاحتكاك هو ما أشار إليه الدارسون في القديم وسموه الكشكشة- أي: إشراب الكاف شينًا من صفات صوت الشين- وهو احتكاكي صرف، وفيه تفشٍّ ظاهر، ولاحظوا- كما نلاحظ نحن الآن- أن هذه الكشكشة تصيب الكاف إذا كانت مكسورة، ويرجع هذا الاحتكاك أو الكشكشة إلى عملية فسيولوجية خالصة عند النطق بالكاف، ذلك أنه عند انتقال اللسان من موضع نطق الكاف وهي قصية إلى الكسرة وهي أمامية قد يتسرب شيء من الهواء محدثًا احتكاكًا- أي: كشكشة- بدلًا من خروجه منفجرًا بعد الوقفة التي يبدأ بها في نطق الكاف، وكل الأصوات الوقفات الانفجارية كذلك.

أما في الحديث فقد شاعت هذه الظاهرة الكشكشة، أو الاحتكاك في كلام كثير من البيئات العربية في اللسان الدارج؛ كما في الكويت وفلسطين، ولم يقتصر الأمر في ذلك على حالة الكاف المتلوة بكسرة، بل تعدى ذلك إلى سياقات أخرى كثيرة، الأمر الذي يحتاج إلى نظر خاص ودراسة مستقلة، ولاحتمال وقوع الكشكشة في الكاف وهي ظاهرة خارجة عن الأصل، عدها بعضهم من حروف القلقلة- أي: وجوب إتباعها بصويت يشبه تحريك خفيف عند سكونها؛ تحقيقًا للانفجار المكمل لنطقها نطقًا صحيحًا، وحماية لها من تسرب الهواء الذي يحدث نوعًا من الاحتكاك الموسوم هنا بالكشكشة.

2. الصورة النطقية في العربية للقاف:

أما عن القاف: فيتم نطق هذا الصوت برفع أقصى اللسان حتى يلتقي باللهاة ويلتصق بها، فيقف الهواء مع عدم السماح له بالمرور من الأنف، وبعد ضغط الهواء مدة من الزمن يطلق سراح مجرى الهواء بأن يخفض أقصى اللسان فجأة؛ فيندفع الهواء محدثًا صوتًا انفجاريًّا ولا يتذبذب الوتران الصوتيان حال النطق بالقاف؛ فالقاف إذًا: صوت صامت لهوي وقفة انفجارية مهموس غير مطبق.

ويتضح من هذا الوصف أن بيننا وبين علماء العربية نقطتي خلاف في صورة القاف؛ الأولى منهما خاصة بموضع النطق، والثانية خاصة بصفة الجهر والهمس.

أما من حيث موضع النطق فقد وصفها سيبويه وتابعه في ذلك ابن جني وغيره بأنها من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى، وهم في ترتيبهم للأصوات من حيث المخرج وضعوا القاف تالية للغين والخاء لا قبلهما.

وهذا الكلام نفسه ينطبق على وصف الخليل للقاف بأنها لهوية، فعلى الرغم من تصريحه بالوصف لهوية لا يمكن أخذ كلامه على أنه يقصد اللهاة بالمعنى المعروف الآن، وإلا كان مخطئًا في تقدير مواضع الغين والخاء والكاف كذلك؛ حيث وصف الكاف كذلك بأنها لهوية، حيث يقول: والقاف والكاف لهويتان.

وليست الكاف لهوية بحال من الأحوال فالأمر حينئذ بالنسبة للخليل لا يعدو واحدًا من أمرين: إما أنه أخطأ في تقدير موضع الغين والخاء والكاف، وأصاب في تقدير موضع القاف ووصفها بأنها لهوية، أو أنه لم يفطن إلى موضع اللهاة في الجهاز النطقي فأخطأ في تقدير موضع القاف، وقد حاول بعض المتأخرين الإشارة إلى المخرج الصحيح للقاف اللهوية المهموسة.

وخلاصة القول في مخرج القاف- كما يفهم من التراث العربي القديم بمجموعه- أنها تخرج من أقصى الحنك، أو هي حنكية قصية بالتعبير الحديث في حين أنها لهوية في النطق المعاصر كما يظهر ذلك في نطق قراء القرآن الكريم في مصر. أما تفسير هذا الخلاف في موضع النطق فمرجعه إلى واحد من أمرين:

الأمر الأول: لعل علماء العربية أخطئوا في تقدير الموضع الدقيق لنطق القاف، وهذا احتمال يراه بعض الدارسين المحدثين.

الأمر الثاني: وهو ما تشير الدلائل إلى رجحانه، وهو: أن العرب ربما كانوا يتكلمون عن قافٍ تختلف عن قافنا الحاضرة، ليس من البعيد أنهم يقصدون بالقاف ذلك الصوت الذي يسمى بالجاف، أو يمكن تسمتيه بالجاف أو ما يشبه الكاف الفارسية- أي: (ﮔ)- وهو ذلك الصوت الذي نسمعه ببعض جهات الصعيد وريف الوجه البحري، وفي كثير من عاميات البلاد العربية، وهو شبيه بالجيم القاهرية، أو هو هي من حيث الأثر السمعي، وإن اختلفا في التوزيع الصوتي في اللغة وفي وظائفهما في البنية اللغوية.

ويؤيد هذا الاحتمال أمور منها ما ذكر سابقًا من نسبتها إلى موضع للنطق مختلف عن مخرج القاف المعاصرة، ومنها وصفهم لها بأنها صوت مجهور، ويؤكده ذكرهم لها ضمن أصوات قطب جد، وهي أصوات سموها أصوات القلقلة، وسماتها الأساسية كما قالوا: كون هذه الأصوات شديدة، وقفة انفجارية مجهورة، ووصف القاف بالجهر يمثل نقطة الخلاف الثانية بيننا وبينهم في وصف هذا الصوت؛ إذ القاف بنطقنا الحاضر صوت مهموس.

وإذا صح هذا الاحتمال سَلِم للعرب ما رأوه من وضع القاف مع الغين والخاء، وسَلِم لهم كذلك القول بأنها مجهورة ويكون الصوت الموصوف حينئذٍ هو صوت (ﮔ)؛ إذ هو صوت من منطقة الغين والخاء، أو هو من موضع تالٍ لهما، وفي هذه الحالة يكون وضعه مع الكاف في منطقة عامة واحدة عملًا سليمًا؛ إذ (ﮔ) نظير الكاف في الموضع والوقف الانفجاري، وتختلف معها في كونها مجهورة والكاف مهموسة، والجاف نطقًا تشبه الجيم القاهرية أو الجيم في نحو جمال، ولكنها تختلف معها في الوظيفة والقيمة الصوتية في بنية الكلمة كما يختلف الصوتان في أن كلًّا منهما ينتمي إلى مستوى لغوي معين، فالجاف تنتمي إلى اللسان الدارج في صعيد مصر ونحوه من العاميات في كثير من البلاد في العالم العربي، في حين أن جيم القاهرة تنتمي إلى القاهرة والمدن والحواضر الأخرى في مصر وغيرها.

وجدير بالذكر أن الناطقين بالجاف لا يستعملون الجيم القاهرية في كلامهم، وإنما يستعملون الجيم الفصيحة، حتى لا يغمض كلامهم ويلتبس الأمر على السامعين، إذ هما صوتان متفقان في النطق، فالجاف إذًا صوت صامت حنكي قصي، وقفة انفجارية، مجهور غير مطبق، وهذا الوصف مستنتج من جملة كلام الدارسين العرب في القديم، ومترجم لنطق القاف أو (ﮔ) في معظم اللهجات العامية في شتى أنحاء العالم العربي.

ونؤكد أن جملة وصوف القدماء لصوت (ﮔ) تنطبق تمام الانطباق على صوت القاف الفصيحة أو القصية المجهورة التي تشارك الغين والخاء والكاف والجيم القاهرية في حيز نطق واحد، وهذا التأكيد يستخلص من صنيعهم هم أنفسهم عند الكلام في موقع آخر، ونعني به مقام الحديث عما سموها حروف الحلق، وهي حروف أو أصوات ستة بنص عبارتهم التي تقول:

 همز فهاء ثم عين حاء

* مهملتان ثم غين خاء

وتقع في منطقة واسعة سموها الحلق، وصنفها الأذكياء منهم إلى ثلاث مناطق جزئية أقصى الحلق، ومنه الهمزة والهاء، ووسطه ومنها العين والحاء، وأدناه ومنها الغين والخاء، وهذه المنطقة الأخيرة هي ما تسمى الآن وتعرف بأقصى الحنك، فلو كانت القاف التي تحدثوا عنها هي القاف اللهوية المهموسة التي نسمعها الآن من مجيدي القراء في مصر لوجب عليهم ضمها إلى أصوات الحلق، ولكنها- أي: هذه القاف- في النطق المذكور تقع في منطقة بين منطقة الحاء والعين من جهة، ومنطقة الغين والخاء من جهة أخرى.

إن هذه القاف من اللهاة، واللهاة بالمعنى العلمي الدقيق تقع بين منطقة العين والحاء وسط الحلق، ومنطقة الغين والخاء أدنى الحلق.

بهذا سَلِم لنا أن ما وصفوه بالجاف أو ما وصفوه هو (ﮔ) وهي من حيز الغين والخاء والكاف والجيم القاهرية، وهي مجهورة أيضًا، وليس القاف اللهوية المهموسة، وليس يخرج من اللهاة صوت آخر غيرها على الإطلاق في العربية قديمها وحديثها على سواء، ومهما يكن الأمر فلنا أن نتساءل: من أين جاءت هاتان الصورتان لنطق القاف- القاف اللهوية المهموسة والجاف القصية المجهورة-؟ وما موقعهما في التراث اللغوي العربي؟

يبدو أنه كانت هناك لهجتان في القديم:

اللهجة الأولى: كانت توظف صورة القاف القصية المجهورة، وهي (ﮔ) وهي التي تنطبق عليها تمام الانطباق جملة وصوف القدماء وبعض المحدثين، وهي أيضًا تلك الصورة التي يشيع استخدامها في اللسان الدارج الآن في كثير من المناطق العربية، وقد ألمح إلى هذا الاحتمال ابن فارس في (الصاحبي) حيث نسبها أو ما يشبهها إلى بني تميم يقول: “فأما بنو تميم فإنهم يلحقون القاف باللهاة حتى تغلظ جدًّا فيقولون: “القوم” فيكون بين القاف والكاف، وهذه لغة فيهم”. قال الشاعر:

 ولا أﮔـول لـﮕـدر الـﮕـوم قد نضجت

* ولا أﮔـول لباب الدار مـﮕـفول

فعبارته يكون بين القاف والكاف إنما يصدق على (ﮔ)- أي: القصية- لا على القاف اللهوية بالمعنى العلمي الدقيق، ويؤيده كتابة هذه الصورة بـالـ(ﮔ) إذ لم يجد رمزًا مناسبًا لتصويرها فيلجأ إلى رمز الـ(ﮔ) الفارسية؛ لأنها أقرب الأصوات إليها بل هي نظيرها المهموس.

اللهجة الثانية: كانت توظف القاف اللهوية المهموسة، وبها أخذ قراء القرآن الكريم أو جمهرتهم وصار توظيفهم هذا سبيلًا متبعًا في معاهد العلم والجامعات وما أشبه ذلك، ويقال: إن جنوب اليمن يدرجون على استخدام هذه الصورة اللهوية المهموسة كما يفعل قراء القرآن. ومن اللافت للنظر أن هؤلاء القوم ينطقون الجيم جيمًا قاهرية كما في نحو “Go” في الإنجليزية، وهذا النطق للجيم يؤكد عدم استخدامهم للقاف القصية المجهورة وإلا التبس الأمر؛ إذ هما صوتان متفقان نطقًا لا وظيفة في مجمل السمات والصفات باستثناء ميل (ﮔ) إلى التفخيم أحيانًا.

ويأتي بعد ذلك عالم ثقة فيقرر بوضوح وجود هاتين اللهجتين في القديم؛ يقول حفني ناصف في رسالته (مميزات لغة العرب): إن أهل بني سويف ينطقون بها قافًا صريحة كالقاف التي ينطق بها القراء والعلماء، وأهل المنيا ينطقون بها مشوبة بالكاف مثلما ينطق بالجيم عوام القاهرة- أي: جيمًا- كنطق الإفرنج بحرف “go” “G” إذ تلاه “A” أو “O” أو “U” كنطق “Go” ثم عرضت هذا الاختلاف في تلك المادة على المنقول عن قبائل العرب فوجدته موافقًا حذو النعل بالنعل للاختلاف بين قريش وغيرهم، حيث كانت قريش تنطق بها قافًا خالصة وغيرها يشوبها بالكاف.

إذًا هما صورتان لهجيتان مقررتان في القديم، وامتد أثرهما حتى الآن، وإن علا مستويات لغوية مختلفة:

إحداهما: هي التي شغلت القدامى في مجمل أعمالهم وهي (ﮔ).

وثانيتهما: هي ما استقرت صورة متبعة في قراءة القرآن الكريم وهي القاف اللهوية.

وهناك صورة ثالثة لنطق القاف نلاحظها الآن في اللسان الدارج في الحواضر المصرية ونحوها من بعض العواصم العربية، ونعني بهذه الصورة نطق القاف همزة خالصة، ويروى أنه كان لهذا النطق بالقاف همزة وجود في القديم، وربما يؤيد ذلك ما ذكره أبو الطيب اللغوي في كتابه “الإبدال”؛ من أمثلة فيها التبادل في النطق بين القاف والهمزة من نحو: “زهاق مائة” و”زهاء مائة”- أي: قريب من المائة، وفي (الوسيط) قشب فلانًا بعيب نفسه: عابه به، وقشبه بسوء: لطخه به، وفيه أيضًا: أشب فلانًا بكذا: عابه به.

ففي هذه الأمثلة ونحوها ما يشير إلى أن نطق القاف همزة كان واقعًا في القديم؛ إما بوصفه لهجة أو بكونه مجرد إبدال بين الأصوات، وهناك تفسير آخر له قبول من الناحية الفسيولوجية يقال: إن القاف كانت تنطق أحيانًا مهمزة- أي: مشوبة بهمز- وبمرور الزمن تلاشى الصوت الأصلي- أي: القاف- وصار التهميز همزًا خالصًا، وامتد أثره حتى الآن كما نلحظ في نطق أهل المدن في مصر وغيرها من البلاد العربية.

وإنا لنلحظ هذه الأيام نطق القاف غينًا في الألسنة الدارجة في بعض مناطق السودان والعراق، ولكن هذا النطق على ما نفهم مقصور على تلك الكلمات الفصيحة التي دخلت عاميات هذه البلاد من نحو الاستقلال؛ يقولون: في السودان الاستغلال، والقاهرة الغاهرة.

وفي رأي الدكتور/ بشر أن القاف في هذه الأمثلة، ونحوها ليست القاف اللهوية المهموسة الفصيحة، وإنما هي (ﮔ) القصية المجهورة، وربما يسوغ هذا التفسير صدور (ﮔ) والغين من حيز واحد، هو أقصى الحنك، ولا فرق بينهما إلا أن الأولى –أي الـ (ﮔ)- وقفة انفجارية والغين احتكاكية، ويقال: إن لهذه الصورة النطقية الرابعة للقاف أصلًا في القديم، بدليل ورود أمثلة في التراث اللفظي يقع فيها التبادل بين القاف والغين من نحو: غلام أقلف وأغلف- أي: لم يختن- وقلقل الأرض وغلغل- أي: ذهب في الأرض- ويتبين من كل هذا الذي مضى أن هناك أربع صور نطقية للقاف في القديم والحديث، وإن كانت الصور تفترق فيما بينها من حيث نسبة الشيوع والذيوع ومن حيث المستوى اللغوي الذي تنسب إليه، وهذه الصور الأربع:

1. القاف صامت لهوي وقفة انفجارية مهموس.

2. القاف صامت حنكي قصي وقفة انفجارية مجهور.

3. القاف صامت حنجري وقفة انفجارية همزة.

4. القاف صامت حنكي قصي احتكاكي مجهور يشبه الغين.

هذه الصور الأربع جميعًا غير مطبقة، فالصورة الأولى هي التي يجري استعمالها في العربية كما ينطقها المتخصصون وقراء القرآن الكريم في مصر، والصورة الثانية هي السائدة في معظم اللهجات العامية في البلاد العربية، ووجود هذه الصورة بهذه الكثرة في هذه اللهجات يوحي بأنها أثر باقٍ لنطق القديم ذلك أن انتشارها في هذه البيئات المختلفة يضعف كونها ابتكارًا صوتيًّا محليًّا، ومن هنا يستنتج أن هاتين الصورتين كانتا دارجتين على الأمثلة جنبًا إلى جنب باطراد في القدم وإن كانتا تنتميان إلى لهجات مختلفة.

3. الهمزة من الصوامت الانفجارية:

الهمزة من الصوامت أو الوقفات الانفجارية، فتُسد الفتحة الموجودة بين الوترين الصوتيين حال النطق بهمزة القطع، وذلك بانطباق الوترين انطباقًا تامًّا فلا يسمح للهواء بالمرور من الحنجرة، ثم ينفرج الوتران فجأة فيخرج الهواء محدثًا صوتًا انفجاريًّا، وبذلك يكون حرف الهمزة صوتًا حنجريًّا وقفة انفجارية لا هو بالمهموس ولا بالمجهور.

والقول بأن الهمزة صوت لا بالمهموس ولا بالمجهور هو الرأي الراجح؛ إذ إن وضع الوترين الصوتيين حال النطق بها لا يسمح بالقول بوجود ما يسمى بالجهر أو ما يسمى بالهمس، وهناك من الدارسين المحدثين من يرى أن الهمزة صوت مهموس، ويبدو أنهم يقصدون بالهمس حينئذٍ عدم الجهر، وهو رأي غير دقيق؛ إذ هناك حالة ثالثة هي حالة وضع الوترين الصوتيين عند نطق الهمزة العربية، وفي ذلك يمكن القول في تفسير رأيهم هذا أنهم لاحظوا المرحلة الثانية من نطق الهمزة، وهي المرحلة التي تصاحب الانفجار، وفي هذه الحالة يكون الوتران الصوتيان في وضع الهمس، ولكن هذا السلوك منهم غير دقيق بالنسبة لطبيعة الهمزة، فالهمزة العربية لا يتم نطقها بهذه المرحلة الثانية، وإنما تتكون وتتم بمرحلتين:

المرحلة الأولى: مرحلة انطباق الوترين الصوتيين، وفيها ينضغط الهواء من خلفها أو من خلف الوترين الصوتيين فينقطع النفس.

المرحلة الثانية: مرحلة خروج الهواء المضغوط فجأة، محدثًا انفجارًا مسموعًا.

وهاتان المرحلتان متكاملتان لا يمكن الفصل بينهما، أو النظر إلى إحداهما دون الأخرى، ولنا القول على عكس ما يفترض: أن المرحلة الأولى- مرحلة قطع النفس- أهم في تكوين الهمزة من المرحلة الثانية، ومن ثم كانت تسميتها همزة قطع، وفي هذه المرحلة الأولى يكون الوتران الصوتيان في وضع غير وضع الجهر والهمس معًا.

أما آراء علماء العربية القدامى في وصف الهمزة، ففيها اضطراب وخلط، ومن جملة كلام هؤلاء العلماء يظهر الفرق بيننا وبينهم في وصف الهمزة في نقطتين أو في أمرين:

الأمر الأول: يتعلق بموضع النطق:

فهو يتعلق بالمخرج، فهناك من التراث العربي رأيان مشهوران:

الرأي الأول: هو رأي الخليل ومن لف لفه، فهؤلاء يرون أن الهمزة هوائية أو أنها من الجوف على حد تعبير بعضهم، ولم يقتصر هؤلاء- ومنهم الخليل- على هذا الوصف، بل جمعوها مع حروف المد الثلاثة الواو والألف والياء، ونسبوها جميعًا إلى هذا المخرج الذي سموه الهواء تارة والجوف تارة أخرى.

وبالنظر الدقيق في جملة ما قاله هذا النفر بالنسبة لمخرج الهمزة يتضح أنهم مخطئون في وضع الهمزة، وفي تقدير وضع نطقها، فالهمزة ليست هوائية بالمعنى الذي أرادوا، وهو كون الهواء يخرج حرًّا طليقًا دون اعتراض حال النطق بها؛ لأن الهواء يقابل باعتراض تام في منطقة الحنجرة، وذلك بانطباق الوترين الصوتيين، وليس صحيحًا أيضًا وضع الهمزة مع حروف المد، فهذه الأخيرة حركات طويلة على حين أن الهمزة صوت صامت، وهذه الحروف الثلاثة دون الهمزة هي التي يصح وصفها بأنها من الجوف أو بأنها هوائية، ويمكن تعليل هذا الخطأ الذي وقع فيه الخليل ومن تابعه بأنه حين نطقها لمعرفة طبيعتها لم ينطقها وحدها، وإنما نطقها متلوة بحركة، فبدت كما لو كان هواؤها حرًّا طليقًا.

على أن حرية الهواء إنما تنسب إلى الحركة المصاحبة للهمزة لا إلى الهمزة ذاتها، وهذا التعليل الذي نقدمه ليس مجرد افتراض وهمي، وإنما هو في حقيقة الأمر يستند إلى طريقة الخليل نفسه في ذوق الحروف، فقد جرت عادة الخليل عند نطقه للحروف أن يفتح فاه بالألف- أي: الهمزة- ثم يأتي بالحرف المراد نطقه ساكنًا هكذا “أب” “أت” مثلًا حين يريد نطق الباء أو التاء.

ومعناه أنه في حالة نطق الهمزة أتى بهمزتين؛ الأولى هي الهمزة التي يأتي بها مع أي حرف آخر، والثانية الهمزة التي يريد نطقها لمعرفة خواصها واجتماع همزتين متتاليتين؛ الأولى منهما متحركة والثانية ساكنة كما في هذه الحالة ساكنة وهذا أمر فيه ثقل، ومن ثم يحول الهمزتين همزة ممدودة، وهذه الهمزة الممدودة هي في واقع الأمر مكونة من همزة ثم ألف- أي فتحة طويلة- فكأن الخليل حين ذاق هذا المذاق أحسّ بحرية الهواء، وهذا صحيح، لكن هذه الحرية منسوبة إلى الجزء الثاني الذي أصبح الآن ألفًا- أي: فتحة طويلة- وهو حركة لا همزة.

ويمكن تفسير كلامه أيضًا بأنه عند وصف مخرج الهمزة كان يشير إلى حالها عند النطق بالتسهيل، فالتسهيل- وإن كنا لا ندركه تمامًا- يعني ضياع الوقفة التي يبدأ بها عند نطق الهمزة، ومن ثم ينفذ الهواء الصادر من الصدر- أو ما سماه الجوف- بحرية كما يحدث في حروف المد.

ومهما يكن الأمر فإن قصة الهمزة عند الخليل فيها شيء من الاضطراب، إنه ينسبها إلى الهواء كما رأينا، ويضعها مع حروف المد في موضع واحد، ولا يبدأ بها الألف باء الصوتية كما كان المفروض والمتوقع منه، وقد حاول بعضهم أن يعتذر عن الخليل فيروون عن ابن كيسان أنه قال: سمعت من يقول: سُئل الخليل: لما بدأت بالعين ولم تبدأ بالهمزة؟ فقال: لم أبدأ بالهمزة؛ لأنه يلحقها النقص والتغيير والحذف، ولا بالألف؛ لأنها لا تكون في ابتداء كلمة، ولا في اسم ولا فعل إلا زائدة أو مبدلة، ولا بالهاء لأنها مهموسة خفية لا صوت لها؛ فنزلت إلى الحيز الثاني، وفيه العين والحاء فوجدت العين أنصع الحرفين.

وهذا الاعتذار غير مقبول ويبدو أنه موضوع لتبرئة الخليل من الخطأ، والدليل على ذلك أن الخليل عامل الهمزة معاملة حروف المد، ولم ينسبها إلى أي حيز محدد، أضف إلى ذلك أن الخليل في بعض أقواله ينسب الهمزة إلى أقصى الحلق، فيقول: وأما الهمزة فمخرجها من أقصى الحلق، وهذا دليل اضطراب الخليل في إدراك طبيعة هذا الصوت وخواصه.

الرأي الثاني: هو رأي غالبية اللغويين القدامى، ومنهم سيبويه وابن جني، قرر هؤلاء أن الهمزة تخرج من أقصى الحلق، وهو قول غير دقيق؛ إذ الهمزة ليست من الحلق، وإنما هي من الحنجرة وهي سابقة للحلق، ويمكن قبول رأيهم هذا بافتراض واحد، وأنهم ربما أطلقوا الحلق على منطقة واسعة تشمل الحنجرة وغيرها، وتكون الحنجرة حينئذٍ هي المقصودة بأقصى الحلق.

والملاحظ على كل حال: أن هؤلاء العلماء لم يشيروا إلى الحنجرة في كلامهم، ولم يعدوها من مخارج الأصوات العربية، وربما يرجع ذلك إلى عدم إدراكهم لهذه المنطقة المهمة في تكوين الأصوات، فوقعوا فيما وقعوا فيه من خطأ عند وصف بعض الأصوات، ومن أهمها الهمزة، وهناك على كل حال إشارات متناثرة هنا وهناك في أعمال بعضهم تنبئ عن إدراكهم نوع إدراك موضع النطق بالهمزة، من هؤلاء سيبويه نفسه الذي يبدو أنه عدل عن رأيه السابق، أو أنه فسر عبارة أقصى الحلق تفسيرًا أوضح وأدق؛ حيث قال في كتابه: “الهمزة نبرة في الصدر تخرج باجتهاد وهي أبعد الحروف مخرجًا”.

فهذا الوصف ينبئ بوضوح لا عن المخرج الصحيح لنطق الهمزة فقط، بل وعن طبيعة نطقها، وكذلك فهي أبعد الحروف مخرجًا؛ فليست إذًا حلقية، وهذا صحيح، وهي أيضًا نبرة في الصدر- أي: وقفة انفجارية- وتعبيره بالصدر بدلًا من الحنجرة تعبير مقبول؛ إذ إن المرء عند نطقه بالهمزة نطقًا صحيحًا يشعر بضغط في الصدر إذ هو مصدر الهواء الذي من شأنه أن يتكيف وقوفًا أو خروجًا حسب طبيعة الصوت المعين، وفي حالة الهمزة يقف الهواء في الحنجرة التي غاب عن سيبويه التصريح باسمها، وهذا الوصف بمضمونه التام ملحوظ في أعمال بعض الخالفين، وإن بعبارات مختلفة.

يقول ابن سينا في كتابه (أسباب حدوث الحروف): “وأما الهمزة فإنها تحدث من حفز قوي من الحجاب الحاجز، وعضل الصدر”. ويقول الزركشي في (البرهان في علوم القرآن): “إن مخرج الهمزة من الرئة، وإنها أعمق الحروف”.

الأمر الثاني: يختص ببعض صفات الهمزة:

وهو الذي لم يوفق فيه العرب في وصف الهمزة والحكم عليها بأنها مجهورة، والهمزة- كما تقرر- لا يمكن وصفها بالجهر، وربما أوقعهم في هذا ما سبق أن أشير إليه في أنهم كانوا ينطقونها متلوة بحركة، والحركة مجهورة كما نعرف، فأثر جهر الحركة على نطق الهمزة هو الذي بدا لهم، ولذلك وصفوها هي الأخرى بالجهر تجاوزًا؛ على أنا نلاحظ أنهم على الرغم من وصفهم للهمزة بأنها صوت مجهور لم يذكروها ضمن حروف القلقلة، وهي حروف باتفاقهم جميعًا مجهورة.

خلاصة كل ذلك: أن الأصوات أو الوقفات الانفجارية بحسب نطق العربية هي: الهمزة، والقاف، والكاف، والتاء، والدال، والطاء، والضاد، والباء، والجيم القاهرية هي الأخرى وقفة انفجارية، وهي النظير المجهور للكاف، وقد عرض العرب لهذه الأصوات وسموها الأصوات الشديدة، وعرفوها تعريفًا يدق فهمه، ولكن أمثلة الأصوات الشديدة التي ذكروها تشير إلى أنهم يقصدون بالشديدة تلك الأصوات التي أطلق عليها الوقفات الانفجارية أو الصوامت الانفجارية، وهذه الأصوات الشديدة مجموعة في قولهم: “أجدت طبقك”. وهكذا نرى أن مواطن الاتفاق بيننا وبينهم أكثر من مواضع الخلاف؛ إذ ينحصر الخلاف في أمرين:

الأمر الأول:

لم يذكروا الضاد ضمن الأصوات الشديدة، على حين ذُكرت هنا ضمن الوقفات الانفجارية، وسلوكهم هذا بالنسبة للضاد يدل على أنها كانت تنطق في القديم بصورة تخالف ما نعهده اليوم.

الأمر الثاني:

 في رأيهم أن الجيم صوت شديد أو وقفة انفجارية؛ على حين أنه صوت من نوع معين بحسب نطقنا الحاضر؛ إنه صوت مركب أو وقفة احتكاكية.

error: النص محمي !!