Top
Image Alt

نظام القضاء عند العرب

  /  نظام القضاء عند العرب

نظام القضاء عند العرب

هل كان لدى العرب نظام قضائي؟ وهل كان هذا النظام محكمًا يقوم على قواعد أم لا؟

هذا أمر مهم جدًّا؛ لأن المقارنة بين الحالتين -قبل البعثة وبعدها- ستوصلنا إلى أهمية القضاء في الإسلام، فالقضاء عند العرب في الواقع لم يكن هناك نظام قضائي عند العرب قبل الإسلام قائمًا على شريعة محددة، أو على قواعد منضبطة، بل كانت النظم القضائية تختلف تبعًا لاختلاف القبائل، فإذا عرفنا مثلًا أن القبائل العربية كانت كثيرة جدّا، فكل قبيلة لها عُرفها، ولها تقاليدها، بالتالي لها قضاؤها أيضا، والأمر بالنسبة للبادية يختلف عن الأمر بالنسبة للمدن، فإذا أخذنا مثلًا مكةَ على سبيل المثال  لعرفنا أن مكة كانت بلدًا تجاريّا له علاقات تجارية مستمرة مع غيره من بلدان العالم، وكذلك المدينة المنورة التي كان يُطلق عليها اسم “يثرب” قبل الإسلام- كانت أيضًا على علاقة بدول وأمم خارجية، وفي كل الأحوال لا نستطيع أن ننكر تأثر سكان هاتين المدينتين بعلاقة كل منهما بالخارج، وبمن يسكنون معهم كالمدينة مثلًا التي كان يسكن فيها بعض أهل الكتاب من المتهودين من العرب.

لكن يمكن القول بأن العرب قبل الإسلام كان لهم شيء من النظم الاجتماعية التي كانت سائدة آن ذاك، كنظام الأسرة -الخطبة والزواج والطلاق والإيلاء، والظهار وما إلى ذلك- فعرفوا نظام الأسرة، وعرفوا نظام المواريث، وعرفوا القصاص، وقالوا: “القتل أنفى للقتل” كل هذا أيضًا كان معمولًا به في المدن، وهذه النظم الاجتماعية كانت تسير وفق عادات وتقاليد أشبه بقواعد قانونية متشعبة الأطراف، بها عناصر مختلطة، تأثرت بعض الشيء بالخارج أو بثقافة الداخل، لكنها -على أي حال- لم تكن نظمًا لا مكتوبة، ولا منضبطة، ولا الكل يرجع إليها، فالعرب قبل الإسلام كان لديهم حكومة، لكن حكومة تخضع لقبيلة، حكومة شيخ القبيلة، وعرف هو عرف القبيلة، فلم يكن عندهم حكومة بمعنى  سلطة قوية حكمها نافذ على الجميع، لا، إن هذا يحتاج إلى نوع آخر من الحضارة لم يكن لدى العرب في ذلك الوقت.

فالواقع أن العرب لم يكن لديهم قبل الإسلام حكومة منظمة، ذات سلطة تشريعية بالمعنى المتداول الآن، تسن القوانين، وتقوم على تنفيذها، وفيها ثلاث سلطات “تشريعية وقضائية وتنفيذية” لا، إنما هي عادات وتقاليد تحكم كل قبيلة، وشيخ القبيلة هو الحاكم المطلق الذي تخوّله القبيلة كل السلطات.

وعلى الجملة، فإن العرب كانت لهم عادات مشهورة في تنظيم حياتهم، ومنها أنهم كانوا إذا نبغ الرجل في عقله نبغ أي: أظهر قوة في عقله، وقوته في الحرب، ومجالدة الأعداء جعلوه رئيسًا للقبيلة، وشيخًا يرجعون إليه وقاضيًا يحكم بينهم، وكانوا أحيانًا يختارون حكمًا، وهذا ما سوف نعرض له عند الكلام عن التحكيم، كانوا يختارون شخصًا من خارج القبيلة بمحض إرادتهم، فيحكّمونه في أمورهم، وكان قضاة القبائل عقلاءها، وكبراءها، وأصحاب الحكمة والخبرة فيها، فهم قضاة فهم حكام، وهم أصحاب الخبرة، وهم أقوى الموجودين في القبيلة، فهذا هو شيخ القبيلة وهذا هو دوره، وهذا لا يمنع من أن بعض الشخصيات العربية قبل الإسلام نالت شهرةً واسعةً في القضاء، لدرجة أنها كانت تحكّم فيما يحدث من نزاعات وخلافات داخل قبيلة كلٍّ منهم أو خارجها، وكان ما يصدر عنهم موضع ثقة، وقلما يخرج عليه أحد أو يخالفه.

من هؤلاء عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم وكان من حكام قريش وسادتهم، وكان سمحًا، وموقفه معروف عندما حاول أبرهة الأشرم أن يهدم الكعبة، ومن هؤلاء أيضًا أكثم بن صيفي، حضر بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وكان من حكام تميم، تميم قبيلة عربية كبيرة تكاد تضاهي قريشًا، وكان أكثم بن صيفي هذا فصيحًا خطيبًا عالمًا بالأنساب، واشتهر بالقضاء.

ومن قضاتهم أيضًا الأقرع بن حابس، وكان من حكام تميم أيضًا، وقد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وشهد فتح مكة والطائف، وكان من المؤلفة قلوبهم؛ يعني من الناس الذين تألّفَهم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاهم الأموال، حتى يقوى إيمانه، وحتى يسلم أكبر عدد ممكن من قبيلته، وقد أسلم وحسن إسلامه والحمد لله، ومن هؤلاء عامر بن الظرب العدواني، وهو من حكام العرب المشهورين الذين حفظت لنا كتب الأدب بعض ما توارثه العرب من حكمته وتناولوه على ألسنتهم.

ومنهم أيضًا عمرو بن لحي، كان ذا سلطان على عرب الجاهلية، وكان قوله وفعله فيهم كالشرع المتبع، ومنهم قصي بن كلاب الجد الأعلى للنبي صلى الله عليه وسلم وهو وأول من جمع قبيلة قريش بعد التفرق، وأول من جمع الحجابة، والسقاية والرفادة، واللواء؛ يعني وظائف متعددة داخل القبيلة.

ويذكر المؤرخون أن بني سهم، وهو فخذ من أفخاذ قريش كانوا أصحاب الحكومة في قريش قبل الإسلام، ولكن ليس معنى هذا أنهم أصحاب الحكومة؛ أي: كانوا حكامًا، لا، إنما كانوا قضاةً يتدخلون عندما يجدون نزاعًا داخل القبيلة، وكان الناس يحتكمون إليهم أيضًا، فالعادة جرت عند العرب وعند غيرهم من الأمم في عصورها الأولى قبل الإسلام أن تتسم الأسرة الكبيرة منها الأعمال الاجتماعية، ومن هذه الأعمال الحكومة –أي القضاء- وهي عبارة عن الفاصل بين الناس إذا اختلفوا، فكان القرشيون وغيرهم ممن يفدون إلى مكة لأداء الحج أو العمرة؛ لأن مكة منذ أن بنى سيدنا إبراهيم عليه السلام البيت العتيق، والناس يقصدونها لأداء النسك، فكان الناس إذا قدموا إلى مكة وحدثت بينهم منازعات وخلافات احتكموا إلى بني سهم.

وعلى أية حال، فمهما كان لون القضاء السائد بينهم، ومهما كانت منزلة الحاكم الذي يلجأ إليه أطراف النزاع حين ذاك -سواء كان من بين عشيرتهم أو كان من قبيلة أخرى- ومهما كانت درجة إطراف الخصوم؛ فلم يكن هناك ما يُلزم الناس بالاحتكام إلى هؤلاء الحكام، إلا بقدر ما تلجئهم الضرورة لفض مشاكلهم ومنازعاتهم؛ يعني ليس هناك قانون، ولا هناك نظام يلزم أحدًا بالاحتكام إلى هؤلاء الذين عُرفوا بالفصل بين الناس.

إنما كان الناس يلجئون إليهم إذا رأوا أن اللجوء إليهم ضرورة لفض المنازعات؛ لأن لا تستقيم حياة الناس مع وجود المنازعات والخلافات، فيضطرون للجوء إلى هؤلاء، وحتى بعد اللجوء إلى هؤلاء القضاة لم يكن حكم هؤلاء فيهم مُلزمًا، بعد أن يحكم القاضي بما يحكم -حتى وإن كانوا هم اللذين اختاروه- قد يوافقون على حكمه وقد لا يوافقون، إنما الفيصل والنهاية إنما هي للقوة ومدى تماسك قبيلة الظالم أو ضعف قبيلة المظلوم.

على أية حال، وصل الأمر بالعرب قبل الإسلام أنهم كانوا يحتكمون إلى الكهان والعرّافين، ثقة منهم بأن هؤلاء لديهم من العلم ما ليس عندهم، وفي كتب الأدب الكثير من هذه الأدبيات شعرًا أو نثرًا أو حكايات، ليس المجال الآن مجال أهي حدثت بالفعل أم رُويت عن طريق الدس والانتحال، لكن كثرتها وتشعبها، وتلونها تدل على وجود مثل هذه الحالات، تدل على أنهم كانوا أحيانًا يحتكمون إلى الكهان والعرافين.

ومن هؤلاء مثلًا أن الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم كان متزوجًا هند بنت عتبة التي سوف تتزوج فيما بعد أبا سفيان، وتنجب منه سيدنا معاوية، المهم أن هذا الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو كان متزوجًا لهند بنت عتبة، واتهمها في عرضها وشرفها، فلجئوا إلى بعض الكهان، وهذا الكاهن برأ السيدة هند بنت عتبة، فأصرت بعد تبرئتها على الطلاق، ثم تزوجت بأبي سفيان، وهذا أمر مشهور ومعروف في كتب التاريخ وكتب الأدب.

على أي حال، نظرًا لعدم وجود السلطة المُلزِمة لتنفيذ أحكام القضاء، فإن بعض الناس كانوا -خصوصًا في مكة- إذا كانوا من غير أهلها، ولم يكن لهم فيها قوة تحميهم أو ترد إليهم ما سُلب منهم- نتج عن هذا أن بعض المشاهير من السادة في مكة اتفقوا على حلف من الأحلاف هذا الحلف مفاده: أنهم يحرسون العدالة، ويأخذون من الظالم حق المظلوم، ويقفون صفًّا واحدًا وراء كل من سُلب منه شيء، أو اشتري منه شيء، ولم يدفع المشتري الثمن، يقف هؤلاء الأحلاف وراءه، ويأخذون له حقه.

وهذا الحلف هو الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فيما بعد، وسماه حلف الفضول، وقال: ((شهدتُ في بيت عبد الله بن جدعان حلفًا لو دُعيت إليه في الإسلام لأجبت)) لماذا؟ لأنه حلفٌ على الحق، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، والوقوف في وجه الظالم، حتى يؤخذ الحق منه، فعرف هذا أيضًا، وكان ذلك على مشارف الإسلام؛ حيث حضره النبي صلى الله عليه وسلم مع عمومته وأبناء عمومته.

ومن هنا، نقول: إن العرب قبل الإسلام عَرفوا  نظمًا اجتماعية، وعرفوا ألوانًا من القضاء لكنها كانت ألوانًا بدائية، ليس لها حكم الإلزام، وليس للقضاة أنفسهم أن يُلزموا غيرهم بما حكموا به، ولم تكن هناك سلطة تختارهم وتعيّنهم، وتوجههم ولا قانون، إلا ما توارثوه من أعراف القبيلة نفسها.

فنستطيع أن نقول: إن العرب كانت تلك هي حياتهم، وقد تفضل الله سبحانه وتعالى عليهم بالبَعثة الإسلامية؛ حيث واسى النبي صلى الله عليه وسلم فغير حياتهم، وحولها من فوضى إلى نظام، ومن قضاء غير ملزم إلى سلطة تشريعية، وسلطة قضائية، وسلطة تنفيذية، ونظام غير نظام القبيلة، نظام حضاري على أعلى مستوى من الحضارة.

error: النص محمي !!